إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: ما سمعت النبي يقول لأحد يمشي على الأرض

3812- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا) إمام دار الهجرة (يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي النَّضْرِ) بالضَّاد المُعجَمة، سالم بن أبي أميَّة (مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين فيهما، التَّيميِّ المدنيِّ (عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ) سعدٍ أحد العشرة المُبشَّرة بالجنَّة، أنَّه (قَالَ: مَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لأَحَدٍ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ) الآن بعد موت العشرة المُبشَّرة الذين منهم سعدُ بن أبي وقَّاصٍ: (إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَّا لِعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ) وقوله: «يمشي على الأرض» صفةٌ مُؤكِّدةٌ لـ «أحدٍ» كما في قوله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ} [الأنعام: 38] لمزيد التَّعميم والإحاطة [1]، لكن استُشكِل: بأنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم قال لجماعةٍ: إنَّهم من أهل الجنَّة غيرَ ابنِ سلامٍ، ويبعد ألَّا يطَّلع سعدٌ على ذلك، وما أُجيب به: _بأنَّه كَرِهَ تزكيةَ نفسه؛ لأنَّه أحد المُبشَّرين بذلك_ مُتعقَّبٌ: بأنَّه لا يستلزم أن ينفي سماعه مثل ذلك في حقِّ غيره، وما سبق من التَّقدير بالآن بعد موت العشرة إلى آخره _ممَّا أجاب به في «الفتح»، وأيَّده برواية الدَّارقطنيِّ من طريق إسحاق بن الطَّبَّاع [2] عن مالكٍ: ما سمعتُ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقول لحيٍّ يمشي: إنَّه من أهل الجنَّة، وبما عنده من طريق عاصم بن مُهَجِّعٍ عن مالكٍ: لرجلٍ حيٍّ_ ينفي الاستشكال، لكنَّه يعكِّر عليه ما عند الدَّارقطنيِّ من طريق سعيد بن داود عن مالكٍ بلفظ: سمعت النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: «لا أقول لأحدٍ من الأحياء: إنَّه من أهل الجنَّة إلَّا لعبد الله ابن سلامٍ» وبلغني أنَّه قال: «وسلمانَ الفارسيَّ» لكن قال الحافظ ابن حجرٍ: إنَّ هذا السِّياق مُنكَرٌ. انتهى. وأجاب النَّوويُّ: بأنَّ سعدًا قال: «ما سمعتُ» ونفي سماعه ذلك لا يدلُّ على نفي البشارة لغيره، وإذا اجتمع النَّفي والإثبات؛ فالإثبات مُقدَّمٌ عليه. انتهى. وقال الكرمانيُّ: لفظ: «ما سمعتُ» لم ينفِ أصل الإخبار بالجنَّة لغيره (قَالَ) سعد بن أبي وقَّاصٍ رضي الله عنه: (وَفِيهِ) في عبد الله بن سلامٍ (نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الأحقاف: 10] ) زاد أبو ذرٍّ: (({عَلَى مِثْلِهِ}))... (الآيَةَ) كذا قال الجمهور: إنَّ الشَّاهد هو عبد الله بن سلامٍ، وعُورِض: بأنَّ ابن سلامٍ إنَّما أسلم بالمدينة والأحقاف مكِّيَّة، وأُجيب: بأنَّها مكِّيَّة إلَّا قوله: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ}... إلى آخر الآيتين، ومعنى الآية: أخبروني ماذا تقولون إن كان القرآن من عند الله وكفرتم به أيُّها المشركون وشهد شاهدٌ من بني إسرائيل على مثله؟ والمثل صلةٌ؛ يعني: عليه، أي: على أنَّه من عند الله، فآمن الشَّاهد واستكبرتم عن الإيمان به، وقيل: الشَّاهد التَّوراة، ومثل القرآن هو التَّوراة، فشهد موسى على
ج6ص164
التَّوراة ومحمَّدٌ على الفرقان، فكلُّ واحدٍ يصدِّق الآخر؛ لأنَّ التَّوراة مشتملةٌ على البشارة بمحمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم، والقرآن مصدِّقٌ للتَّوراة (قَالَ) أي: عبد الله بن يوسف التِّنِّيسيُّ: (لَا أَدْرِي قَالَ مَالِكٌ) الإمام: (الآيَةَ) أي: نزولها في هذه القصَّة من قِبَل نفسه (أَو فِي) إسناد هذا (الْحَدِيثِ) وعند ابن منده في «الإيمان» من طريق إسحاق بن يسارٍ [3] عن عبد الله بن يوسف الحديث والزِّيادة، وفيه: قال إسحاق: فقلت لعبد الله بن يوسف: إنَّ أبا مُسْهِرٍ حدَّثنا بهذا عن مالكٍ، ولم يذكر هذه الزِّيادة، فقال عبد الله بن يوسف: إنَّ مالكًا تكلَّم به عقب الحديث، وكانت معي ألواحي فكتبت؛ فلذا قال: «لا أدري...» إلى آخره، وقد أخرج الإسماعيليُّ والدَّارقطنيُّ في «غرائب مالكٍ» من طريق أبي مُسْهِرٍ وعاصم بن مُهَجِّعٍ وعبد الله بن وهبٍ وغيرهم كلُّهم عن مالكٍ: بدون هذه الزِّيادة، فالظَّاهر أنَّها مُدرَجةٌ من هذا الوجه، وعند الدَّارقطنيُّ من رواية ابن وهبٍ التَّصريحُ بأنَّها من قول مالكٍ، نعم عند ابن مردويه من حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما، وعند التِّرمذيِّ من حديث ابن سلامٍ نفسه، وعند ابن حبَّان من حديث عوفٍ: أنَّها نزلت في عبد الله بن سلامٍ، قاله [4] في «الفتح».
وحديث الباب أخرجه مسلمٌ في «الفضائل».
ج6ص165


[1] في (ص): «والأصالة».
[2] في (ب): «القطاع»، وهو تحريفٌ.
[3] في (ب): «بشَّارٍ»، وهو تصحيفٌ.
[4] في (م): «قال»، وهو تحريفٌ.