إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

باب مبعث النبي صلى الله عليه وسلم

(28) (باب مَبْعَثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مصدرٌ ميميٌّ من البعث؛ وهو الإرسال، هو (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الذي تكاملت فيه الخصال المحمودة، وهو اسم مفعولٍ من الصِّفة، على سبيل التَّفاؤل أنَّه سَيَكْثُر حمدُه، وسائر أسماء أوصافه عليه الصلاة والسلام راجعةٌ إليه، وتُوفِّي أبوه بعد شهرين من حمله، أو وهو في المهد، أو وهو ابن شهرين، والأوَّل أشهر (بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) اسمه شيبة الحمد؛ لأنَّه وُلِد وفي رأسه شيبةٌ، ولُقِّب بعبد المطَّلب لأنَّ عمَّه المطَّلب جاء به إلى مكَّة رديفه وهو بهيئةٍ بذَّةٍ؛ فكان يُسأل عنه فيقول: هو عبدي، حياءً من أن يقول: ابن أخي، وعاش مئةً وأربعين سنةً (بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ) واسم هاشمٍ عمرٌو، قيل له هاشمٌ؛ لأنَّه هشم الثَّريد بمكَّة لقومه في زمن المجاعة، و«مَنَاف» بفتح الميم وتخفيف النُّون، و«قُصيِّ» بضمِّ القاف تصغير قَصِيَ، أي: بَعُد؛ لأنَّه بَعُدَ عن عشيرته في بلاد قضاعة حين احتملته أمُّه، وصُغِّر على «فُعَيلٍ» لأنَّهم كرهوا اجتماع ياءاتٍ، فحذفوا إحداهنَّ وهي الثَّانية التي تكون في «فُعَيلٍ» فبقي على وزن «فُعَيلٍ» مثل: فُلَيسٍ، واسمه مجمَعٌ، وقال الشَّافعيُّ رحمه الله: يزيد، و«كِلَاب» _بكسر الكاف وتخفيف اللَّام_ ولُقِّب به لمحبَّته الصَّيد، وكان أكثر صيده بالكلاب، قال المُهلَّب وغيره: واسمه حكيمٌ أو عروة، و«مُرَّة» منقولٌ من اسم الحنظلة قاله السُّهيليُّ (بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ) و«كعب» أوَّل من جمَّع يوم العَرُوبَة، وكان فصيحًا خطيبًا، قيل: وسُمِّي كعبًا لستره على قومه ولين جانبه لهم، منقولٌ من كعب القدم، وقيل: لارتفاعه على قومه وشرفه فيهم، و«لُؤَيٍّ» بالهمزة في الأكثر، تصغير اللَّأي وهو الثَّور الوحشيُّ، و«غالِب» بالمُعجَمة وكسر اللَّام، و«فِهْر» بكسر الفاء وسكون الهاء؛ وهو من الحجارةِ الطَّويلُ والأملسُ، قيل: واسمه قريشٌ، وهو أبو قريشٍ، ومن [1] لم يكن من ولده فليس بقرشيٍّ، وقال آخرون: أصل قريشٍ النَّضر، محتجِّين بحديث الأشعث بن قيسٍ الكنديِّ قال: قدمت على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في وفد كندة فقلت: ألستم منَّا يا رسول الله؟ قال: «لا، نحن بنو النَّضر بن كنانة لا نقفو أمَّنا ولا ننتفي من أبينا» ذكره أبو عمر، وزاد في رواية أبي نُعيمٍ في «الرِّياضة»: قال أشعث: والله لا أسمع أحدًا نفى قريشًا من النَّضر بن
ج6ص183
كنانة إلَّا جلدته، وقيل: فهرٌ اسمه، وقريشٌ لقبه، ونقل الزُّبير عن الزُّهريِّ أنَّ أمَّه سمَّته قريشًا وسمَّاه أبوه فهرًا، و«النَّضْر» بفتح النُّون وسكون الضَّاد المُعجَمة، وسُمِّي به لوضاءته وجماله وإشراق وجهه (بْنِ كِنَانَةَ) بلفظ وعاء السِّهام (بْنِ خُزَيْمَةَ) بضمِّ الخاء وفتح الزَّاي المعجمتين، مُصغَّرًا (بْنِ مُدْرِكَةَ) بضمِّ الميم وسكون الدَّال المُهمَلة وكسر الرَّاء (بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ) بكسر الهمزة وسكون اللَّام، «إفعالٌ» من قولهم: «أَلْيَسَ» للشُّجاع الذي لا يفرُّ قاله ابن الأنباريِّ، وقال غيره: هو بهمزة وصلٍ، وهو ضدُّ الرَّجاء، و«مُضَر» بضمِّ الميم وفتح الضَّاد المُعجَمة، قيل: وسُمِّي به؛ لأنَّه كان يحبُّ شرب اللَّبن الماضر وهو الحامض، أو لأنَّه كان يمضر القلوب بحسنه وجماله (بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ) بكسر النُّون وفتح الزَّاي وبعد الألف راءٌ، من النَّزر وهو القليل، وقال أبو الفرج الأصبهانيُّ: لأنَّه كان فريد قومه، و«مَعَدٍّ» بفتح الميم والعين وتشديد الدَّال المهملتين، و«عدنان» بوزن «فَعْلان» من العدن، وقد روى أبو جعفر بن حبيبٍ في تاريخه «المُحبَّر» من حديث ابن عبَّاسٍ قال: «كان عدنان ومَعَدٌّ وربيعة ومُضَر وخزيمة وأسدٌ على ملَّة إبراهيم، فلا تذكروهم إلَّا بخيرٍ» وروى الزُّبير بن بكَّارٍ من وجهٍ آخر قويٍّ [2] مرفوعًا: «لا تسبُّوا مضر ولا ربيعة فإنَّهما كانا مسلمين»، وله شاهدٌ عند ابن حبيبٍ من مُرسَل سعيد بن المُسيَّب، وقد اقتصر البخاريُّ من هذا النَّسب الشَّريف على عدنان؛ لِمَا وقع من الاختلاف فيمن بين عدنان وبين إبراهيم الخليل [3]، وفيمن بين إبراهيم وآدم، وأخرج ابن سعدٍ عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كان إذا انتسب لم يجاوز في نسبه معدَّ ابن عدنان»، وقالت عائشة رضي الله عنها: «ما وجدنا من يعرف ما وراء عدنان إلى ما وراء قحطان» وقال ابن جريجٍ عن القاسم بن أبي مُرَّة عن عكرمة: أضلَّت نزارٌ نسبها من عدنان.
ج6ص184


[1] في (ب) و(س): «فمن».
[2] «قويٍّ»: ليس في (ص) و(م).
[3] «الخليل»: ليس في (ص).