إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: الإيمان يمان هاهنا ألا إن القسوة وغلظ القلوب

3302- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هو القطَّان (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) ابن أبي خالدٍ الأحمسيِّ، مولاهم البجليِّ [1] (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (قَيْسٌ) هو ابن أبي حازمٍ البجليِّ (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو أَبِي مَسْعُودٍ) الأنصاريِّ البدريِّ أنَّه (قَالَ: أَشَارَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ نَحْو الْيَمَنِ فَقَالَ: الإِيمَانُ يَمَانٍ) مبتدأٌ وخبرٌ، وأصله: يمنيٌّ بياء النِّسبة، فحذفوا الياء للتَّخفيف وعوَّضوا الألف بدلها، أي: الإيمان منسوبٌ إلى أهل اليمن، وحمله ابن الصَّلاح على ظاهره وحقيقته، لإذعانهم إلى الإيمان من غير كبير [2] مشقَّةٍ على المسلمين، بخلاف غيرهم، ومن اتَّصف بشيءٍ وقوي إيمانه به نُسِب ذلك الشَّيء إليه، إشعارًا بكمال حاله فيه، فكذا حال أهل اليمن حينئذٍ، وحال الوافدين منهم في حياته وفي أعقابه، كأُوَيسٍ القرنيِّ وأبي مسلمٍ الخَولانيِّ وشبههما ممَّن سَلِمَ قلبه وقوي إيمانه، فكانت نسبة الإيمان إليهم بذلك إشعارًا بكمال إيمانهم، من غير أن يكون في ذلك
ج5ص308
نفيٌ له عن غيرهم، فلا منافاة بينه وبين قوله عليه الصلاة والسلام: «الإيمان في أهل الحجاز» ثمَّ المراد بذلك: الموجودون منهم حينئذٍ، لا كلُّ أهل اليمن في كلِّ زمانٍ، فإنَّ اللَّفظ لا يقتضيه. وصرفه بعضهم عن ظاهره. من حيث إنَّ مبدأ الإيمان من مكَّة، ثمَّ من المدينة حرسهما الله تعالى وردَّني إليهما ردًّا جميلًا. وحكى أبو عُبَيدٍ في ذلك أقوالًا، فقيل: مكَّة لأنَّها من تهامة، وتهامة [3] من أرض اليمن، وقيل: مكَّة والمدينة، فإنَّه يُرْوَى في [4] الحديث أنَّه صلى الله عليه وسلم قاله [5] وهو بتبوكَ، ومكَّة والمدينة حينئذٍ بينه وبين اليمن، وأشار إلى ناحية اليمن، وهو يريد مكَّة والمدينة، فقال: «الإيمان يمانٍ» فنسبهما إلى اليمن [6]؛ لكونهما حينئذٍ من ناحية اليمن، وقيل: المراد الأنصار، لأنَّهم [7] يمانيُّون في الأصل، فنُسِب الإيمان إليهم لكونهم أنصاره، وعُورِض: بأنَّ في بعض طرقه عند مسلمٍ: «أتاكم أهل اليمن»، والأنصار من جملة المخاطَبين بذلك، فهم إذًا غيرهم، وفي قوله في حديث الباب: «أشار بيده نحو اليمن» إشارةٌ إلى أنَّ المراد به أهلها حينئذٍ، لا الَّذين كان أصلهم منها (هَهُنَا، أَلَا) بالتَّخفيف (إِنَّ الْقَسْوَةَ وَغِلَظَ الْقُلُوبِ فِي الْفَدَّادِينَ) أي: المصوِّتين (عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الإِبِلِ) عند سوقهم لها (حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ) _بالتَّثنية_ جانبا رأسه، لأنَّه ينتصب في محاذاة مطلع الشَّمس، حتَّى إذا طلعت كانت بين قرني [8] رأسه، أي: جانبيه، فتقع السَّجدة له حين يسجد عبدة الشَّمس (فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ) متعلِّقٌ بـ «الفدَّادين». وقال الكرمانيُّ: بدلٌ منه. وقال النَّوويُّ: أي: القسوة في ربيعة ومضر الفدَّادين، والمراد: اختصاص المشرق بمزيدٍ من تسلُّط الشَّيطان ومن الكفر، كما [9] في الحديث الآخر [خ¦3301]: «رأس الكفر نحو المشرق» وكان ذلك في عهده صلى الله عليه وسلم حين قال ذلك، ويكون حين يخرج الدَّجَّال من المشرق، وهو فيما بينهما منشأ الفتن العظيمة، ومثار الكَفَرة التُّرْك العاتية الشَّديدة البأس.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الطَّلاق» [خ¦5303] و«المناقب» [خ¦3498] و«المغازي» [خ¦4387]، ومسلمٌ في «الإيمان».
ج5ص309


[1] في غير (ب) و(س): «العجليِّ»، وهو تحريفٌ.
[2] في (ص) و(م): «كثير».
[3] «وتهامة»: ليس في (د).
[4] زيد في (ب): «هذا».
[5] «قاله»: ليس في (ل).
[6] قوله: «وأشار إلى ناحية اليمن... فنسبهما إلى اليمن»: سقط من (د).
[7] «لأنَّهم»: ليس في (د).
[8] زيد في (م): «الشَّيطان».
[9] زيد في غير (د) و(م): «قال».