إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: إن الشمس والقمر لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته ولكنهما

3201- وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) ابن يحيى أبو سعيدٍ الجعفيُّ الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرٌو) _بفتح العين_ ابن الحارث [1] المصريُّ (أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِيهِ) القاسم بن محمَّد بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق رضي الله عنهم (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: أَنَّهُ كَانَ يُخْبِرُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يخْسِفَانِ) بفتح أوَّله على أنَّه لازمٌ وسكون الخاء المعجمة وكسر السِّين المهملة، ويجوز ضمُّ أوَّله على أنَّه متعدِّ، أي: لا يُذْهِبُ اللهُ نورَهما (لِمَوْتِ أَحَدٍ) من العظماء (وَلَا لِحَيَاتِهِ) لم يقل أحدٌ: إنَّ الكسوف لحياة أحدٍ، فَذِكْرُ ذلك إنَّما هو تتميمٌ [2] للتَّقسيم، أو لدفع توهُّم من يقول: لا يلزم من نفي كونه سببًا للفقد ألَّا [3] يكون سببًا للإيجاد، فعمَّ عليه الصلاة والسلام النَّفيَ [4]، لدفع هذا التَّوهُّم، وهذا القول صدر منه صلى الله عليه وسلم لمَّا مات ابنه إبراهيم وقال النَّاس: إنَّما كُسِفت لموته، إبطالًا لِمَا كان أهل الجاهليَّة يعتقدونه من تأثيرهما (وَلَكِنَّهُمَا) أي: خسوفهما (آيَتَانِ) ولأبي ذرٍّ: ((آيةٌ)) بالإفراد (مِنْ آيَاتِ اللهِ) الدَّالَّة على وحدانيَّته وعظيم قدرته (فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا) بالتَّثنية، أي: كسوف كلِّ واحدٍ منهما على انفراده، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: ((فإذا رأيتموه)) أي: الكسوف (فَصَلُّوا) أي: صلاة الكسوف. وحكمة الكسوف: أنَّ الله تعالى لمَّا أجرى في سابق علمه أنَّ الكواكب تُعبَد من دونه _وخاصَّةً النَّيِّرين_ قضى عليهما بالخسوف والكسوف، وجعلهما لها [5] بمنزلة الحتوف، وصيَّر ذلك دلالةً على أنَّهما مع [6] إشراق نورهما وما يظهر من حسن آثارهما مأموران مقهوران، في مصالح العباد مُسيَّران، وفي يوم القيامة مُكوَّران [7]، فعَبَدة الشَّمس زعمت أنَّها مَلَكٌ من الملائكة له نفسٌ وعقلٌ، ومنها: نور الكواكب وضياء العالم، وهي مَلَك الفلك. فلذا يستحقُّ [8] التَّعظيم والسُّجود. ومن سنَّتهم إذا
ج5ص259
نظروا إلى الشَّمس قد أشرقت سجدوا لها، وقالوا: ما أحسنك من نورٍ لا تقدر الأبصار أن تمتدَّ بالنَّظر إليك، فلكِ المجد والتَّسبيح، وإيَّاك نطلب وإليك نسعى لندرك السُّكنى بقربك... إلى غير ذلك ممَّا نُقِل عنهم من الخرافات. فسبحان من حجبهم عن رؤية الحقائق، وحاد بهم عن متون الطَّرائق، فجهلوا أنَّ صفات المخلوق تباين صفات الخالق، وأنَّ العبادة لا يستحقُّها إلَّا من هو للحَبِّ والنَّوى فالق.
وأمَّا مطابقة الحديث للتَّرجمة، فمن حيث إنَّ الكسوف والخسوف العارضين [9] لهما من صفاتهما، وقد مرَّ هذا الحديث في «أبواب كسوف الشَّمس» [خ¦1042] من «كتاب الصَّلاة».
ج5ص260


[1] «ابن الحارث»: ليس في (د) و(س).
[2] في (م): «ذلك إمَّا تتميمًا».
[3] «لا»: سقط من (ص) و(م).
[4] في (م): «اكتفى» وهو تحريفٌ.
[5] في (د): «لهما» وليس في (م).
[6] في (م): «من» وهو تحريفٌ.
[7] في (د) و(ص): «يُكوَّران».
[8] في (د): «استحقَّ».
[9] في (ص) و(م): «العارض».