إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: خلق الله آدم وطوله ستون ذراعًا

3326- وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: ((حدَّثنا)) (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّامٍ الصَّنعانيُّ (عَنْ مَعْمَرٍ) بميمين مفتوحتين بينهما عينٌ مُهمَلةٌ ساكنةٌ، هو ابن راشدٍ (عَنْ هَمَّامٍ) بفتح الهاء وتشديد الميم الأولى، هو ابن منبِّهٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ: خَلَقَ اللهُ) عَزَّ وَجَلَّ (آدَمَ) عليه السلام، زاد عبد الرَّزَّاق عن مَعْمَرٍ: «على صورته» والضَّمير لآدم، أي: أنَّ الله أوجده على الهيئة الَّتي خلقه [1] عليها، لم ينتقل [2] في النَّشأة [3] أحوالًا، ولا تردَّد في الأرحام أطوارًا، بل خلقه كاملًا سويًّا، وعُورِض هذا التَّفسير بقوله في حديثٍ آخر: «خُلِق آدم على صورة الرَّحمن» وهي إضافة تشريفٍ وتكريمٍ، لأنَّ الله تعالى خلقه في [4] صورةٍ لم يشاكلها شيءٌ من الصُّور في الكمال والجمال (وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا) بقدر ذراع نفسه، أو بقدر الذِّراع المتعارَف يومئذٍ عند المخاطبين، ورجِّح الأوَّل: بأنَّ ذراع كلِّ أحدٍ مثل ربعه، فلو كان بالذِّراع المعهود، لكانت يده قصيرةً في جنب طول جسده، وزاد أحمد من حديث سعيد بن المسيَّب عن أبي هريرة مرفوعًا: «في سبعة أذرعٍ عرضًا» (ثُمَّ قَالَ) تعالى له: (اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ) من التَّحيَّة، وهذه (تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ) من بعدك. وفي «التِّرمذيِّ» من حديث أبي هريرة: «لمَّا خلق الله آدم ونفخ فيه الرُّوح عطس، فقال: الحمد لله، فحمد الله بإذنه...» الحديثَ إلى قوله: «اذهب إلى أولئك الملائكة _إلى ملأ منهم جلوسٌ_» (فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ. فَقَالُوا: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللهِ، فَزَادُوهُ: وَرَحْمَةُ اللهِ) وهذا أوَّل مشروعيَّة السَّلام، وتخصيصه بالذِّكر، لأنَّه فتحٌ لباب المودَّة، وتأليفٌ لقلوب الإخوان المؤدِّي إلى استكمال الإيمان، كما في حديث مسلمٍ عن أبي هريرة مرفوعًا: «لا تدخلوا الجنَّة حتَّى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتَّى تحابُّوا، أَوَلَا [5] أدلُّكم على شيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السَّلام بينكم» (فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ) يدخلها وهو (عَلَى صُورَةِ آدَمَ) عليه السلام في الحسن والجمال والطُّول، ولا يدخلها على صورته من السَّواد، أو بوصفٍ من العاهات (فَلَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ) في الجمال والطُّول (حَتَّى الآنَ) فانتهى التَّناقص إلى هذه الأمَّة، فإذا دخلوا الجنَّة عادوا إلى ما كان عليه آدم من الجمال وطول القامة. وفي «كتاب مثير الغرام في زيارة القدس والخليل عليه السلام» لتاج الدِّين التَّدمريِّ ممَّا نقله عن ابن قتيبة في «المعارف»: أنَّ آدم عليه السلام كان أمرد، وإنَّما نبتت اللِّحية لولده بعده، وكان طوالًا كثير الشَّعر جعدًا أجمل البريَّة [6].
وحديث الباب أخرجه أيضًا في «الاستئذان» [خ¦6227]، ومسلمٌ في «صفة الجنَّة»، وصحَّحه ابن حبَّان، ورواه البزَّار والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ من حديث سعيدٍ المقبُريِّ وغيره عن أبي هريرة مرفوعًا: «إنَّ الله
ج5ص319
خلق آدم من ترابٍ فجعله طينًا، ثمَّ تركه حتَّى إذا كان حمأ مسنونًا خلقه وصوَّره، ثمَّ تركه حتَّى إذا كان صلصالًا كالفخَّار كان إبليس يمرُّ به فيقول: خُلِقت لأمرٍ عظيمٍ، ثمَّ نفخ الله فيه [7] من روحه، فكان أوَّلَ ما جرى فيه الرُّوح بصرُه وخياشيمُه، فعطس فقال: الحمد لله. فقال الله: يرحمك ربُّك...» الحديثَ.
وفي حديث أبي موسى ممَّا أخرجه أبو داود وصحَّحه ابن حبَّان مرفوعًا: «إنَّ الله خلق آدم من قبضةٍ قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض» ففي هذا أنَّ الله تعالى لمَّا أراد إبراز آدم من العدم إلى الوجود قلبه في ستَّة أطوارٍ: طور التُّراب، وطور الطِّين اللَّازب، وطور الحمأ، وطور الصَّلصال، وطور التَّسوية، وهو جعل الخزفة الَّتي هي الصَّلصال عظمًا ولحمًا ودمًا، ثمَّ نفخ فيه الرُّوح، وقد خلق الله تعالى الإنسان على أربعة أضربٍ: إنسانٍ من غير أبٍ ولا أمٍّ، وهو آدم، وإنسانٍ من أبٍ لا غير، وهو حوَّاء، وإنسانٍ من أمٍّ لا غير، وهو عيسى، وإنسانٍ من أبٍ وأمٍّ، وهو الَّذي {خُلِق مِن مَاءٍ دَافِقٍ * يَخرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} [الطَّارق: 6-7] يعني: من صلب الأب وترائب الأمِّ، وهذا الضَّرب يتمُّ بعد ستَّة أطوارٍ أيضًا: النُّطفة، ثمَّ العلقة، ثمَّ المضغة، ثمَّ العظام، ثمَّ كسوة العظام لحمًا، ثمَّ نفخ الرُّوح فيه، وقد شرَّف الله تعالى هذا الإنسان على سائر المخلوقات، فهو صفوة العالم وخلاصته وثمرته، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء: 70] {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} [الجاثية: 13] ولا ريب أنَّ من خُلِقتْ لأجله وبسببه [8] جميع المخلوقات _علويُّها وسفليُّها_ خليقٌ بأن يرفلَ في ثياب الفخر على من عداه، وتمتدَّ إلى اقتطاف زهرات النُّجوم يداه، وقد خلقه الله تعالى واسطةً بين شريفٍ _وهو الملائكة_ ووضيعٍ _وهو الحيوان_ ولذلك كان فيه قوى العالمين، وأهلًا لسكنى الدَّارين، فهو كالحيوان في الشَّهوة [9]، وكالملائكة في العلم والعقل والعبادة، وخصَّه برتبة النُّبوَّة، واقتضت الحكمة أن تكون شجرة النُّبوَّة صنفًا مفردًا ونوعًا واقعًا بين الإنسان والملك، ومشاركًا لكلِّ واحدٍ منهما على وجهٍ، فإنَّه كالملائكة في الاطِّلاع على ملكوت السَّموات والأرض، وكالبشر في أحوال المطعم والمشرب، وإذا طهر الإنسان من نجاسته النَّفسيَّة وقاذوراته البدنيَّة [10] وجُعِل في جوار الله كان حينئذٍ أفضل من الملائكة، قال [11] تعالى: {وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ} [الرَّعد: 23] وفي الحديث: «الملائكة خدم [12] أهل الجنَّة». قال ابن كثيرٍ: واختُلِف هل وُلِد لآدم في الجنَّة؟ فقيل: لا، وقيل: وُلِد له فيها قابيل وأخته. قال: وذكروا: أنَّه كان يُولَد له في كلِّ بطنٍ ذكرٌ وأنثى، وفي «تاريخ ابن جريرٍ»: أنَّ حوَّاء ولدت لآدم أربعين ولدًا في عشرين بطنًا، وقيل: مئةً وعشرين بطنًا، في كلِّ بطنٍ ذكرٌ وأنثى، أوَّلهم قابيل وأخته أقليما [13]، وآخرهم عبد المغيث وأخته أمُّ [14] المغيث، وقيل: إنَّه لم يمت حتَّى رأى [15] من ذرِّيَّته من ولده وولد ولده أربع مئة ألف نسمةٍ، فالله أعلم.
وذكر السُّدِّيُّ عن ابن عبَّاسٍ وغيره: أنَّه كان يزوِّج ذكر كلِّ بطنٍ بأنثى الآخر، وأنَّ هابيل أراد أن يتزوَّج أخت قابيل فأبى، فأمرهما آدم أن يقرِّبا قربانًا، فنزلت نارٌ فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قابيل، فغضب وقال: لأقتلنَّك حتَّى لا تتزوَّج أختي، فقال: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27] وضربه فقتله، وكانت مدَّة حياة آدم ألف سنةٍ، وعن عطاءٍ الخراسانيِّ فيما [16] رواه ابن جريرٍ: أنَّه لمَّا مات آدم بكت الخلائق عليه سبعة أيَّامٍ.
ج5ص320


[1] زيد في (س): اسم الجلالة.
[2] في (ب): «يتنقَّل».
[3] في (ب) و(س): «النِّساء»، وفي (ل): «النَّشاء».
[4] في (ب) و(س): «على».
[5] في (ب) و(س): «ألا».
[6] قوله: «وفي كتاب مثير.... أجمل البرية»: جاء في (د)، بعد قوله الآتي: «صفة الجنَّة».
[7] «فيه»: ليس في (ص).
[8] في غير (د) و(م): «سببه».
[9] في (م): «الشَّهوات».
[10] في (ص): «الدَّنيَّة».
[11] زيد في غير (د) و(س): اسم الجلالة.
[12] في (ص) و(م): «خدَّام».
[13] في (ل): «قليمًا».
[14] في (ب) و(س): «أمة»، وكلاهما وقفتُ عليه في التَّفاسير.
[15] في (د): «نظر».
[16] في غير (د) و(م): «ممَّا».