إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

باب ذكر الجن وثوابهم وعقابهم

(12) (بابُ ذِكْرِ) وجود (الْجِنِّ وَ) ذكر (ثَوَابِهِمْ) على الطَّاعات (وَ) ذكر (عِقَابِهِمْ) على المعاصي، وقد دلَّت على وجودهم نصوص الكتاب والسُّنَّة، مع إجماع [1] كافَّة العلماء في عصر الصَّحابة والتَّابعين عليه، وتواتر نقله [2] عن الأنبياء _صلوات الله وسلامه عليهم_ تواترًا ظاهرًا يعلمه الخاصُّ والعامُّ، فلا عبرة بإنكار الفلاسفة والباطنيَّة وغيرهم ذلك، وفي «المبتدأ» لإسحاق بن بشرٍ القرشيِّ: عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: «خلق الله تعالى الجنَّ قبل آدم بألفي سنةٍ» وفي «ربيع الأبرار» للزَّمخشريَّ: عن أبي هريرة [3] مرفوعًا: «إنَّ الله خلق الخلق أربعة أصنافٍ: الملائكة والشَّياطين والجنَّ والإنس، ثمَّ جعل هؤلاء الأربعة [4] عشرة أجزاءٍ فتسعةٌ منهم الملائكة وجزءٌ واحدٌ الشَّياطين والجنُّ والإنس، ثمَّ جعل هؤلاء الثَّلاثةَ عشرةَ أجزاءٍ فتسعةٌ منهم الشَّياطين [5] وواحدٌ [6] الجنُّ والإنس، ثمَّ جعل الجنَّ والإنس عشرة أجزاءٍ فتسعةٌ منهم الجنُّ وواحدٌ منهم الإنس» قال صاحب «آكام المرجان»: فعلى هذا تكون نسبة الإنس من الخلق كنسبة الواحد من الألف، ونسبة الجنِّ من الخلق كنسبة التِّسعة من الألف، ونسبة الشَّياطين من الخلق كنسبة التِّسعين من الألف، ونسبة الملائكة من الخلق كنسبة التِّسع مئةٍ من الألف، وقد ثبت في القرآن والسُّنَّة: أنَّ أصل الجنِّ النَّار، كما أنَّ أصل الإنس الطِّين. فإن قلت: إذا ثبت أنَّهم من النَّار، فكيف تحرقهم الشُّهب عند استراقهم السَّمع، والنَّار لا تحرق النَّار؟ أجيب: بأنَّه ليس المراد أنَّ الجنِّيَّ نارٌ حقيقةً وإن كان أصله منها، كما أنَّ الآدميَّ ليس طينًا وإن كان أصله منه، وفي حديث عروض الشَّيطان [7] له في صلاته: أنَّه خنقه [8] حتَّى وجد برد ريقه على يده، ولو كانت ذاته نارًا محرقةً لَمَا كان له ريقٌ باردٌ، بل ولا ريقَ أصلًا. وقد اختُلِف في صفتهم: فقال أبو يَعلى بن الفرَّاء: هم أجسامٌ مُؤلَّفةٌ وأشخاصٌ مُركَّبةٌ [9]، يجوز أن تكون رقيقةً، وأن تكون كثيفةً؛ إذ لا يمكن معرفتها على التَّعيين إلَّا بالمشاهدة، أو بإخبار الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم، وكلٌّ مفقودٌ، وقول المعتزلة: «إنَّما هم أجسامٌ رقيقةٌ ولرقَّتهم لا نراهم» مردودٌ، فإنَّ الرِّقَّة ليست بمانعةٍ [10] عن الرُّؤية، ويجوز أن يخفى عن رؤيتنا بعض الأجسام الكثيفة إذا لم يخلق الله فينا إدراكها، وقد روى [11] إسحاق في «المبتدأ» عن عكرمة عن ابن عبَّاسٍ: لمَّا خلق الله سوميا أبا الجنِّ _وهو الَّذي خُلِقَ من مارجٍ من نارٍ_ قال تبارك وتعالى: تمنَّ، قال: أتمنَّى أن نَرى ولا نُرَى، وأن نغيب في الثَّرى، وأن يصير كهلُنا شابًّا، قال: فأُعطِي ذلك، فهم يَرون ولا يُرَون، وإذا ماتوا، غُيِّبوا في الثَّرى، ولا يموت كهلهم [12] حتَّى يعود شابًّا، يعني: مثل الصَّبيِّ، ثمَّ يُرَدُّ إلى أرذل العمر. انتهى. فخلق الله تعالى في عيون الجنِّ إدراكًا يرون به الإنس ولا يرونهم [13]. لأنَّه تعالى لم يخلق لهم ذلك الإدراك، قال تعالى: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ} [الأعراف: 27] وهو يتناول أوقات الاستقبال من غير تخصيصٍ. قال ابن عساكر في كتاب «الزَّهادة في طلب الشَّهادة» فيما نقله عنه في «الآكام» [14]: وممَّن تُرَدُّ شهادته ولا تسلم له عدالته من يزعم أنَّه يرى الجنَّ عيانًا، ويدَّعي أنَّ له منهم إخوانًا، ثمَّ روى بسنده إلى حرملة قال: سمعت الشَّافعيَّ يقول: من زعم أنَّه يرى الجنَّ، أبطلنا شهادته، لقوله تعالى في كتابه الكريم: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ} [الأعراف: 27] وعن الرَّبيع: سمعت الشَّافعيَّ رضي الله عنه يقول: من زعم من أهل العدالة أنَّه يرى الجنَّ أبطلنا [15] شهادته، لأنَّ الله تعالى يقول: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ}... الآية، إلَّا أن يكون نبيًّا. قال في «الفتح»: وهذا محمولٌ على من يدَّعي رؤيتهم على صورهم الَّتي خُلِقوا عليها، وأمَّا من زعم أنَّه يراهم بعد أن يتطوَّروا [16] على صورة شيءٍ من الحيوان فلا، وقد تواترت الأخبار بتطوُّرهم في صورٍ شتَّى فيتصوَّرون في صورة [17] بني آدم، كما أتى الشَّيطان قريشًا في صورة سراقة بن مالك بن جُشْعمٍ [18] لمَّا أرادوا الخروج إلى بدرٍ، {وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ} [الأنفال: 48] وفي صورة شيخٍ نجديٍّ لمَّا اجتمعوا بدار النَّدوة.
ج5ص303
وفي صورة الحيَّات. ففي «التِّرمذيِّ» عن أبي سعيدٍ الخدريِّ مرفوعًا: «إنَّ بالمدينة نفرًا من الجنِّ، فإذا رأيتم من هذه الهوامِّ شيئًا فآذنوه ثلاثًا، فإذا [19] بدا لكم فاقتلوه» وفي صورة الكلاب. واختُلِف في ذلك، فقيل: هو تخييلٌ فقط، ولا قدرة لهم على تغيير خلقتهم والانتقال في الصُّور، وإنَّما يجوز أن يعلِّمهم الله كلماتٍ وضربًا من ضروب الأفعال إذا تكلَّموا بها وفعلوها نقلهم الله تعالى من صورةٍ إلى صورةٍ، فيُقال: إنَّهم قادرون على التَّصوير والتَّخييل على معنى أنَّهم قادرون على قولٍ إذا قالوه نقلهم الله من صورةٍ إلى أخرى، وأمَّا تصوير أنفسهم فذلك محالٌ، لأنَّ انتقال الصُّورة إلى [20] أخرى إنَّما يكون بنقض البنية وتفريق الأجزاء، وإذا نُقِضت بطلت [21] الحياة واستحال وقوع الفعل بالجملة، وكذا القول في تشكُّل الملائكة، وقد ذكر ابن أبي الدُّنيا في «مكائد الشَّيطان» [22] وابن أبي شيبة. قال ابن حجرٍ: بإسنادٍ صحيحٍ: إنَّ الغيلان ذُكِروا عند عمر فقال: إنَّ أحدًا لا يستطيع أن يتغيَّر عن صورته الَّتي خلقه الله تعالى عليها، ولكن لهم سَحَرةٌ كسَحَرتكم، فإذا رأيتم ذلك فآذنوا. وفي حديث عبد الله بن عُبَيد بن عُمَيرٍ قال: سُئِل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغيلان. قال: «هم سَحَرة الجنِّ» ورواه إبراهيم بن هراسة عن جرير بن حازم بن عبد الله بن عُبَيدٍ، عن جابرٍ وصله. وروى الطَّبرانيُّ بإسنادٍ حسنٍ عن أبي ثعلبة الخشنيِّ رضي الله عنه: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «الجنُّ ثلاثة أصنافٍ: صنفٌ لهم أجنحةٌ يطيرون في الهواء، وصنفٌ حيَّاتٌ، وصنفٌ يحلُّون ويظعنون» ورواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد. وفي حديث أبي الدَّرداء مرفوعًا: «خلق الله الجنَّ ثلاثة أصنافٍ: صنفٌ حيَّاتٌ وعقارب وخشاش الأرض، وصنفٌ كالرِّيح في الهواء، وصنفٌ كبني آدم عليهم الحساب والعقاب. وخلق الله بني آدم أصنافًا: صنفٌ منهم [23] كالبهائم. قال الله تعالى: {إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان: 44] وصنفٌ أجسادهم أجساد بني آدم وأرواحهم أرواح الشَّياطين، وصنفٌ في ظلِّ الله يوم لا ظلَّ إلَّا ظلُّه» قال [24] ابن حبَّان: رواه يزيد بن سفيان الرُّهاويُّ، عن أبي المنيب، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن أبي سلمة، عن أبي الدَّرداء ويزيد بن سفيان ضعَّفه يحيى وأحمد وابن المدينيِّ، واختُلِف في الجنِّ هل يأكلون ويشربون؟ والصَّحيح الَّذي عليه الجمهور: أنَّهم يأكلون ويشربون، ويدلُّ لذلك الأحاديث الصَّحيحة والعمومات الصَّريحة. منها: حديث أميَّة بن مَخْشِيٍّ عند أبي داود: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسًا ورجلٌ يأكل، ولم يسمِّ حتَّى إذا [25] لم يبق من طعامه إلَّا لقمةٌ، فلمَّا رفعها إلى فِيْهِ، قال: بسم الله أوَّله وآخره، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثمَّ قال: «ما زال الشَّيطان يأكل معه، فلمَّا ذكر اسم الله استقاء ما في بطنه» وفي «الصَّحيحين» [26] أنَّ الجنَّ سألوه صلى الله عليه وسلم الزَّاد فقال: «كلُّ عظمٍ ذُكِر اسم الله عليه يقع في يد أحدهم [27] أوفر ما يكون [28] لحمًا، وكلُّ بعرٍ علفٌ لدوابِّهم»، وفي «البخاريِّ»: أنَّ الرَّوث والعظم طعام الجنِّ [29] [خ¦3860] وفي أبي داود: «كلُّ عظمٍ لم يُذكَر اسم الله عليه» فالأوَّل: محمولٌ على الجنِّ المؤمنين، والثَّاني: في حقِّ الشَّياطين. وفي هذا ردٌّ على من زعم أنَّ الجنَّ لا تأكل ولا تشرب، وتأوَّل قوله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الشَّيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله» على المجاز، أي: أكلٌ يحبُّه الشَّيطان ويدعو إليه ويزيِّنه. قال ابن عبد البرِّ: وهذا ليس بشيءٍ، ولا معنى لحمل شيءٍ من الكلام على المجاز إذا أمكنت فيه الحقيقة بوجهٍ ما، وأمَّا قول بعضهم: أكل الجنِّ صحيحٌ، ولكنَّه تشمُّمٌ واسترواحٌ، لا مضغٌ و [30]بلعٌ، وإنَّما المضغ والبلع لذوي الجثث، فلا دليل عليه، وكونهم أجسادًا رقيقةً لا يمنع أن يكونوا ممَّن يأكل ويشرب، وبالجملة فالقائلون: إنَّ الجنَّ لا تأكل ولا تشرب إن أرادوا جميعهم فباطلٌ، لمصادمتهم الأحاديث الصَّحيحة، وإن أرادوا صنفًا منهم فمحتملٌ، لكنَّ العمومات تقتضي أنَّ الكلَّ يأكلون ويشربون. وقول الله تعالى: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ} [الرحمن: 56] يدل على أنه يتأتى من الجن الطمث وهو الافتضاض، وهو الجماع الَّذي يكون معه تدمية من الفرج، أو المسيس من المجامعة، وكذا قوله تعالى: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي} [الكهف: 50]
ج5ص304
فإنه يدل على أنهم يتناكحون لأجل الذرية، ورقَّتهم لا تمنع من توالدهم إذا كان ما يلدونه رقيقًا، ألا ترى أنا قد نرى من الحيوان ما لا يتبين للطافته إلا بالتأمل، ولا يمنع ذلك من التوالد، وغالب ما توجد الجن في مواضع النجاسات كالحمامات والحشوش والمزابل، وكثير من أهل الضلالات والبدع _المُظْهِرين للزهد والعبادة على غير الوجه الشرعي_ يأوون إلى مواضع الشياطين المنهيِّ عن الصلاة فيها، يقع لهم فيها بعض مكاشفات، لأن الشياطين تنزل عليهم فيها، وتخاطبهم ببعض الأمر كما تُخاطب الكهان، وكما كانت تدخل في الأصنام وتكلِّم عابديها.
واختلف: هل هم مكلفون؟ فذهب الحشوية إلى أنهم مضطرون إلى أفعالهم وليسوا مكلفين، والَّذي عليه الجمهور: أنهم مكلفون مخاطبون مثابون على الطاعات معاقبون على المعاصي (لِقَوْلِهِ) عَزَّ وَجَلَّ: ({يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ}) في موضع رفع صفة لرسل ({يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي} [الأنعام: 130] إلى قوله: {عَمَّا يَعْمَلُونَ}) وسقط لأبي ذر «إلى قوله: {عَمَّا يَعْمَلُونَ}» وقال: ((الآية)) ويحتمل أن تكون {يَقُصُّونَ} صفة ثانية [31] لرسل، وأن تكون في موضع نصب على الحال وصاحبها {رُسُلٌ} وإن كان نكرة؛ لتخصيصه بالوصف أو الضمير المستتر في منكم، وزعم الفراء: أن في الآية حذف مضاف، أي: ألم يأتكم رسل من أحدكم، يعني: من جنس الإنس، كقوله تعالى: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} [الرَّحمن: 22] وإنَّما يخرجان من الملح، فالتَّقدير: يخرج [32] من أحدهما، وإنَّما يحتاج [33] إلى ذلك، لأنَّ الرُّسل عنده مختصَّةٌ بالإنس، يعني: أنَّه يعتقد أنَّ الله تعالى ما أرسل للجنِّ رسولًا منهم، بل إنَّما أرسل إليهم الإنس، ولم يرسل من الجنِّ إلَّا بواسطة رسالة الإنس، لقوله تعالى: {وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ} [الأحقاف: 29] وعلى هذا فلا يحتاج إلى تقدير مضافٍ، وإن قلنا: إنَّ رسل الجنِّ من الإنس، لأنَّه يُطلق عليهم رسلٌ مجازًا لكونهم رسلًا بواسطة رسالة الإنس، والإجماع على أنَّ نبيِّنا صلى الله عليه وسلم مبعوثٌ إلى الثَّقلين _الجنِّ والإنس_، وتمسَّك قومٌ _منهم الضَّحَّاك_ وقالوا: بُعِث إلى كلِّ من الثَّقلين رسلٌ منهم، وإنَّ الله تعالى أرسل إلى الجنِّ رسولًا منهم، اسمه: يوسف. قال ابن جريرٍ: وأمَّا الَّذين قالوا بقول الضَّحَّاك، فإنهم قالوا: إنَّ الله تعالى أخبر أنَّ من الجنِّ رسلًا أُرسِلوا إليهم، ولو جاز أن يكون خبره عن رسل الجنِّ بمعنى: أنَّهم رسل الإنس، جاز أن يكون خبره عن رسل الإنس بمعنى [34]: أنَّهم رسل الجنِّ. قالوا: وفي فساد هذا المعنى ما يدلُّ على أنَّ الخبرين جميعًا بمعنى الخبر عنهم أنَّهم رسل الله تعالى؛ لأنَّ ذلك هو المعروف في الخطاب دون غيره. قال في «الآكام»: ويدلُّ لِمَا قاله الضَّحَّاك حديثُ ابن عبَّاسٍ عند الحاكم قال: {وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} [الطَّلاق: 12] قال: سبع أرضين، في كلِّ أرضٍ نبيٌّ كنبيِّكم، وآدم كآدمكم، ونوحٌ كنوحكم، وإبراهيم كإبراهيمكم، وعيسى كعيسى [35]. قال الذَّهبيُّ: إسناده حسنٌ، وله شاهدٌ عند الحاكم أيضًا عن ابن عبَّاسٍ، قال في قوله: {سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} قال: في كلِّ أرضٍ نحو إبراهيم صلى الله عليه وسلم. قال الذَّهبيُّ: حديثٌ على شرط الشَّيخين، رجاله أئمَّةٌ، وإذا تقرَّر أنَّهم مُكلَّفون، فهم مُكلَّفون بالتَّوحيد وأركان الإسلام، وأمَّا ما عداه من الفروع، فاختُلِف فيها لِمَا ثبت من النَّهي عن الرَّوث والعظم، وأنَّهما زاد الجنِّ. واختُلِف هل يُثابون على الطَّاعات؟ فروى ابن أبي الدُّنيا عن ليث بن أبي سُلَيمٍ قال: ثواب الجنِّ أن يُجاروا من النَّار، ثمَّ يُقال لهم: كونوا ترابًا. ورُوِي عن أبي حنيفة نحوه، وذهب الجمهور _وهو مذهب الأئمَّة الثَّلاثة_: أنَّهم يُثابون على الطَّاعة. وعن مالكٍ: أنَّه استدلَّ على [36] أنَّ عليهم العقاب ولهم الثَّواب [37] بقوله تعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [خ¦46] ثمَّ قال: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرَّحمن: 47] والخطاب للإنس والجنِّ، فإذا ثبت أنَّ فيهم مؤمنين والمؤمن من شأنه أن يخاف مقام ربِّه ثبت المطلوب، وهل يدخلون الجَنَّة كالإنس؟ والجمهور: على أنَّهم يدخلونها ولا يأكلون فيها ولا يشربون، بل يُلهَمون التَّسبيح والتَّقديس. وحكاه الكمال الدَّميريُّ عن مجاهدٍ واستغربه. وقال الحارث المحاسبيُّ: نراهم فيها ولا يرونا عكس ما في الدُّنيا،
ج5ص305
وقيل: لا يدخلونها بل يكونون [38] في ربضها، وهذا مأثورٌ عن مالكٍ والشَّافعيِّ وأحمد، وقيل: إنَّهم على الأعراف، وتوقَّف بعضهم عن الجواب في هذا.
({بَخْسًا}) في قوله تعالى: {فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا [39]} [الجنُّ: 13] أي [40]: (نَقْصًا) قاله يحيى الفرَّاء. والمراد: النَّقص في الجزاء، وفي الآية دليلٌ على ثبوت أنَّهم مُكلَّفون (قَالَ) ولأبي الوقت: ((وقال)) (مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفريابيُّ في قوله تعالى: ({وَجَعَلُوا بَيْنَهُ}) سبحانه وتعالى ({وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا} قَالَ [41] ) : هم (كُفَّارُ قُرَيْشٍ) قالوا: (الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللهِ، وَأُمَّهَاتُهُمْ) ولأبي ذرٍّ: ((وأمَّهاتهنَّ)) والأولى أوجه (بَنَاتُ سَرَوَاتِ الْجِنِّ) بفتحاتٍ، أي: ساداتهم (قَالَ اللهُ) عَزَّ وَجَلَّ: ({وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ}) أي: قائلي هذا القول، وهم الكفَّار ({لَمُحْضَرُونَ} [الصَّافَّات: 158] ) أي: (سَتُحْضَرُ لِلْحِسَابِ) وسُمِّي الملائكة جِنَّةً [42]، لاجتنانهم عن الأبصار. ({جُنْدٌ مُحْضَرُونَ} [يس: 75] ) في سورة يس، أي: (عِنْدَ الْحِسَابِ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: ((مُحضَرٌ)) بالإفراد، والصَّواب الأوَّل، وهو لفظ القرآن.
ج5ص306


[1] في (د): «اجتماع».
[2] في (م): «فعله».
[3] «عن أبي هريرة»: ليس في (م).
[4] «الأربعة»: ليس في (د).
[5] في (م): «الجنُّ» ولا يصحُّ.
[6] زيد في (ب) و(م): «منهم».
[7] في (ص) و(م): «الشَّياطين».
[8] في (د) و(م): «له حقيقةٌ».
[9] في (د) و(م): «مُؤلَّفةٌ».
[10] في (م): «مانعةً».
[11] زيد في غير (ب) و(س): «ابن».
[12] زيد في (د) و(م): «إلَّا».
[13] في (ب): «يراهم»، ثمَّ زيد في (د): «الإنس».
[14] في (د): «الإكمال» ولعلَّه تحريفٌ.
[15] في (ب) و(س) و(ص): «أُبطِلت».
[16] في (ب): «يتصوَّروا»، والمثبت موافقٌ لما في «الفتح» (6/396)، وكذا في الموضع اللَّاحق.
[17] في (ب) و(س): «بصورة».
[18] في (ل): «جعشم».
[19] في (د): «فإن».
[20] زيد في (ص): «صورةٍ».
[21] زيد في (ب) و(س): «تلك».
[22] في (م): «الشَّياطين».
[23] «منهم»: ليس في (د).
[24] في (م): «قاله» ولعلَّه تحريفٌ.
[25] «إذا»: ليس في (د).
[26] كذا قال، والحديث في مسلم (450) والترمذي (4258).
[27] في (ب): «أحدكم».
[28] في (د): «يأكلون» والمثبت موافقٌ لكتب الأحاديث.
[29] قوله: «وفي البخاري... طعام الجنِّ»: جاء في (ص) بعد قوله سابقًا: «في بطنه».
[30] زيد في غير (د) و(ص): «لا».
[31] «ثانيةً»: ليس في (ص).
[32] «يخرج»: ليس في (د).
[33] في (د): «احتاج».
[34] «بمعنى»: ليس في (د).
[35] في غير (د): «كعيساكم» والمثبت موافقٌ لما في «المستدرك».
[36] «على»: ليس في (م).
[37] قوله: «على أن عليهم... الثواب»، جاء في (د) بعد قوله الآتي: «{جَنَّتَانِ}».
[38] في غير (ب): «يكونوا» ولعلَّ المثبت هو الصَّواب.
[39] «{وَلَا رَهَقًا}»: مثبتٌ من (د).
[40] «أي»: ليس في (د).
[41] «قال»: سقط من (د).
[42] في (د): «جنًّا».