إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض

3197- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) العنزيُّ الزَّمِن قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ) الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ) عبد الرَّحمن (عَنْ) أبيه (أَبِي بَكْرَةَ) نُفَيع بن [1] الحارث الثَّقفيِّ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ: الزَّمَانُ) قال التُّوربشتيُّ: اسمٌ لقليل الوقت وكثيره، وأراد به ههنا السَّنة (قَدِ اسْتَدَارَهُ) أي: الله، ولأبي الوقت: ((استدار)) بحذف الضَّمير، يعني: عاد إلى زمنه المخصوص (كَهَيْئَتِهِ) الهيئة: صورة الشَّيء وشكله وحالته، والكاف صفةُ مصدرٍ محذوفٍ، أي: استدار استدارةً مثل حالته، والَّذي في «اليونينيَّة»: ((قال [2]: الزَّمان قد استدار كهيئته)) (يَوْمَ خَلَقَ) الله (السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ) ولأبي ذرٍّ: ((كهيئة)) بحذف الضَّمير ((يوم خَلَقَ اللهُ)) بذكر الفاعل _لا إله إلا هو_ ولابن عساكر: ((والأرضين)) بالجمع (السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا) جملةٌ مُستأنَفةٌ مبيِّنةٌ للجملة الأولى، وأراد: أنَّ الزَّمان في انقسامه إلى الأعوام والأشهر عاد إلى أصل الحساب والوضع الَّذي
ج5ص254
ابتدأ منه، وذلك أنَّ العرب كانوا إذا جاء شهرٌ حرامٌ وهم محاربون أحلُّوه وحرَّموا مكانه شهرًا آخر، حتَّى رفضوا خصوص الأشهر، واعتبروا مُجرَّد العدد، وهو النَّسيء المذكور في قوله تعالى: {إِنَّمَا النَّسِيْءُ} أي: تأخير حرمة الشَّهر إلى آَخَرَ {زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} [التَّوبة: 37]. لأنَّه تحريم ما أحلَّ الله وتحليل ما حرَّمه، فهو كفرٌ آَخَرُ ضمُّوه إلى كفرهم. قيل: أوَّل من أحدث ذلك جنادة بن عوفٍ الكنانيُّ، كان يقوم على جملٍ [3] في الموسم [4] فينادي: إنَّ آلهتكم قد أحلَّت لكم المُحرَّم فأحِلُّوه، ثمَّ ينادي في القابل: إنَّ آلهتكم قد حرَّمت عليكم المحرَّم [5] فحرِّموه، يفعل ذلك كلَّ سنةٍ بعد سنةٍ، فينتقل المُحرَّم من شهرٍ إلى شهرٍ حتَّى جعلوه في جميع شهور السَّنة، فلمَّا كانت تلك السَّنة عاد إلى زمنه المخصوص به قبل، ودارت السَّنة كهيئتها [6] الأولى، فاقتضى الدَّور أن يكون الحجُّ في ذي الحجَّة كما شرعه الله تعالى، وقول الزَّمخشريِّ: وقد وافقت حجَّة الوداع ذا الحجَّة، وكانت حجَّة أبي بكرٍ قبلها في ذي القعدة قاله مجاهدٌ [7] وفيه نظرٌ؛ إذ كيف تصحُّ حجَّة [8] أبي بكرٍ وقد وقعت في ذي القعدة، وأنَّى [9] هذا وقد قال الله تعالى: {وَأَذَانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ} الآية [التَّوبة: 3]... وإنَّما نُودِي [10] بذلك في حجَّة أبي بكرٍ، فلو لم تكن في ذي الحجَّة لَمَا قال الله تعالى: {يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ} قاله ابن كثيرٍ. ونقل الحافظ ابن حجرٍ: أنَّ يوسف بن عبد الملك زعم في كتابه «تفضيل الأزمنة»: أنَّ هذه المقالة صدرت من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في شهر مارس [11]، وهو «آدار بالرُّوميَّة» [12]، وهو «برمهات» [13] بالقبطيَّة.
(مِنْهَا) أي: من السَّنة (أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ: ثَلَاثَةٌ) ولابن عساكر: ((ثلاثٌ)) بحذف التَّاء، لأنَّ الشَّهر الَّذي هو واحدُ الأشهرِ بمعنى اللَّيالي، فاعتُبِر لذلك تأنيثه [14] (مُتَوَالِيَاتٌ) هي (ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ) عطفٌ على ثلاثٍ، لا على «والمُحرَّم» وأضافه إلى «مضرٍ» لأنَّها كانت تحافظ على تحريمه أشدَّ من محافظة سائر العرب، ولم يكن يستحلُّه أحدٌ من العرب (الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ) ذكره تأكيدًا وإزاحة للرَّيب الحادث فيه من النَّسيء، وقيل: الأشبه أنَّه تأسيسٌ، وذلك أنَّهم _كما مرَّ_ كانوا يؤخِّرون الشَّهر من موضعه إلى شهرٍ آخر، فينتقل عن وقته الحقيقيِّ، فقال صلى الله عليه وسلم: «رجبُ مُضَرَ الَّذي بين جُمَادَى وشعبان، لا رجب الَّذي هو عندكم وقد أنسأتموه» قيل: والحكمة في جعل المُحرَّم أوَّل السنَّة: ليحصل الابتداء بشهرٍ حرامٍ، ويُختَم [15] بشهرٍ حرامٍ، ويتوسَّط [16] بشهرٍ حرامٍ _وهو رجب_ وأمَّا توالي شهرين [17] في الآخر، فلإرادة تعضيد [18] الختام، والأعمال بخواتيمها.
وأمَّا مطابقة الحديث للتَّرجمة فقال العينيُّ: تتأتَّى بالتَّعسُّف، لأنَّ الأحاديث المذكورة فيها التَّصريح بسبع أرضين، وهنا المذكور لفظ الأرض فقط، ولكنَّ المراد منه سبع أرضين أيضًا. انتهى [19]. ولا تعسُّف فقد سبق في هذا الحديث هنا أنَّ رواية ابن عساكر: ((والأرضين)) بالجمع، قال الحافظ ابن كثيرٍ: ومراد البخاريِّ بذكر هذا الحديث هنا: تقرير معنى قوله تعالى: {اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} [الطَّلاق: 12] أي: في العدد، كما أنَّ عدَّة الشُّهور الآن اثنا عشر شهرًا؛ مطابقةً لعدَّة الشُّهور عند الله في كتابه الأوَّل، فهذه مطابقةٌ في الزَّمان، كما أنَّ تلك مطابقةٌ في المكان.
فائدة: السَّنة مشتملةٌ على ثلاث مئةٍ وأربعةٍ وخُمُسين يومًا وخمس يومٍ [20] وسدس يوم، كذا [21] ذكره صاحب «المُهذَّب» من الشَّافعيَّة في «الطَّلاق» قالوا: لأنَّ شهرًا منها ثلاثون، وشهرًا تسعٌ وعشرون، إلَّا ذا الحجَّة فإنَّه تسعٌ وعشرون يومًا وخُمُس يومٍ وسُدُس يومٍ [22]، واستشكله بعضهم وقال: لا أدري ما وجه زيادة الخُمُس والسُّدُس؟! وصحَّح بعضهم: أنَّ السَّنَة الهلاليَّة ثلاثُمئةٍ وخمسةٌ وخمسون يومًا، وبه جزم ابن دحية في «كتاب التَّنوير» وذلك مقدار قطع البروج الاثني عشر الَّتي ذكرها الله تعالى في كتابه، وسُمِّي العام عامًا؛ لأنَّ الشَّمس عامت فيه حتَّى قطعت جملة الفلك؛ لأنَّها تقطع الفلك [23] كلَّه في السَّنة مرَّةً، وتقطع في كلِّ شهرٍ برجًا من البروج الاثني عشر. قال تعالى: {وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: 40] وفرَّق بعضهم بين السَّنة والعام: بأنَّ العام من أوَّل المُحرَّم إلى آخر ذي الحجَّة، والسَّنة من كلِّ يومٍ إلى مثله من [24] القابلة. نقله ابن الخبَّاز في «شرح اللُّمع» له.
وهذا
ج5ص255
الحديث يأتي بأتمَّ من هذا في «حجَّة الوداع» [خ¦4406] آخر «المغازي» _إن شاء الله تعالى_ وبالله المستعان.
ج5ص256


[1] «بن»: سقط من (د).
[2] زيد في (د): «إنَّ» وليس في «اليونينيَّة».
[3] في (م): «جبلٍ» وهو تحريفٌ.
[4] في (م): «المواسم».
[5] في (ب) و(س): «المحلَّل» والمثبت موافقٌ لما في كتب السِّيرة.
[6] في (د): «كهيآتها».
[7] «قال مجاهدٌ»: ليس في (ص).
[8] في (د) و(ص) و(م): «يصحُّ حجُّ».
[9] في (م): «وإلى» وهو تحريفٌ.
[10] في (ص): «نوى» وهو تحريفٌ.
[11] في (م): «وهو مارس». وفي (ص): «وهو شهر آذار»،
[12] قوله: «بالرُّوميَّة»: ليس في (د).
[13] في (ص): «برهمت».
[14] قوله: «بحذف التاء؛ لأن... تأنيثه» ضُرِب عليه في (م).
[15] في (ب) و(س): «والختم».
[16] في (ب) و(س): «والتَّوسُّط».
[17] في (ص) و(م): «شهران» ولا يصحُّ.
[18] في (م): «تقضية»، وزيد بعده في (ص): «بعض».
[19] «انتهى»: ليس في (م).
[20] «وخمس يومٍ»: سقط من (س) و(ص).
[21] في (د): «كما».
[22] «يومٍ»: ليس في (م).
[23] «لأنَّها تقطع الفلك»: ليس في (د).
[24] «من»: ليس في (ص).