إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد

1390- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) بفتح العين الوضَّاح (عَنْ هِلَالٍ) هو ابن حُمَيدٍ الجهنيُّ، زاد أبوا ذرٍّ والوقت: ((هو الوزَّان [1] ) ) (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ) ولابن عساكر: ((لم يقم فيه)): (لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ) في بعض الطُّرق الاقتصار على لعن اليهود، وحينئذٍ فقوله: «قبور أنبيائهم مساجد» واضحٌ، فإنَّ النَّصارى لا يقولون بنبوَّة عيسى، بل البنوَّة أو الإلهيَّة، أو غير ذلك على اختلاف مللهم الباطلة، بل [2] ولا يزعمون موته حتَّى يكون له قبرٌ، وعلى هذا فيشكل قوله: «اليهود والنَّصارى» وتعقيبه بقوله: «اتَّخذوا»، وأُجِيبَ بإمَّا أن يكون الضَّمير يعود على اليهود فقط؛ بدليل الرِّواية الأخرى، وإمَّا بأنَّ المراد من [3] أمروا بالإيمان بهم من الأنبياء السَّابقين؛ كنوحٍ وإبراهيم، قالت عائشة: (لَوْلَا ذَلِكَ؛ أُبْرِزَ قَبْرُهُ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول، و«قبرهُ» بالرَّفع: نائب الفاعل، ولأبي ذَرٍّ: ((أَبرز قبره [4] ) ) بفتح الهمزة (غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ) عليه الصلاة والسلام (أَوْ خُشِيَ) بضمِّ الخاء مبنيًّا للمفعول، والفاعل الصَّحابةُ أو عائشة (أَنَّ يُتَّخَذَ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه، قبره (مَسْجِدًا، وَ) بالإسناد المذكور (عَنْ هِلَالٍ) الوزَّان (قَالَ: كَنَّانِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَ) الحال أنه (لَمْ يُولَدْ لِي) ولدٌ؛ لأنَّ الغالب أنَّ الإنسان لا يُكنَّى إلَّا باسم أوَّل أولاده، ونبَّه المؤلِّف بذلك على لقيِّ هلالٍ لعروة، واختُلِفَ في كنية هلالٍ، والمشهور أبو عمرو [5].
وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذَرٍّ: ((حدَّثني)) (مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) المروزيُّ، المجاور بمكَّة، قال: (أَخْبَرَنَا [6] عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ) بالمثنَّاة التَّحتيَّة والشِّين المعجمة (عَنْ سُفْيَانَ) بن دينارٍ على الصَّحيح (التَّمَّارِ) بالمثنَّاة الفوقيَّة، من كبار التَّابعين،
ج2ص476
لكنَّه لم يُعرَف له روايةٌ عن صحابيٍّ (أَنَّهُ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ رَأَى قَبْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم مُسَنَّمًا) بضمِّ الميم وتشديد النُّون المفتوحة، أي: مرتفعًا، زاد أبو نُعيمٍ في «مستخرجه»: وقبر أبي بكر وعمر كذلك، واستدلَّ به على أنَّ المستحبَّ تسنيم القبور، وهو قول أبي حنيفة ومالكٍ وأحمد والمزنيِّ وكثيرٍ من الشَّافعيَّة، وقال أكثر الشَّافعيَّة، ونصَّ عليه الشَّافعيُّ: التَّسطيح أفضل من التَّسنيم؛ لأنَّه [7] صلى الله عليه وسلم سطَّح قبر إبراهيم، وفعلُه حجَّةٌ، لا فعل غيره، وقول سفيان التَّمَّار لا حجَّة فيه كما قال البيهقيُّ؛ لاحتمال أنَّ قبره صلى الله عليه وسلم وقبرَي [8] صاحبيه لم تكن [9] في الأزمنة الماضية مسنَّمةً، وقد روى أبو داود بإسنادٍ صحيحٍ: أنَّ القاسم بن محمَّد بن أبي بكرٍ قال: دخلت على عائشة، فقلت لها: اكشفي لي عن قبر النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، فكشفت عن ثلاثة قبورٍ، لا مشرفةٍ ولا لاطئةٍ، مبطوحةٍ ببطحاء العرصة الحمراء، أي: لا مرتفعةٌ كثيرًا، ولا لاصقةٌ بالأرض، كما بيَّنه في آخر الحديث، يقال: لَطِىء؛ بكسر الطَّاء، ولَطَأ؛ بفتحها، أي: لصق، ولا يُؤثِّر في أفضليَّة التَّسطيح كونه صار شعار [10] الرَّوافض؛ لأنَّ السُّنَّة لا تُترَك بموافقة أهل البدع فيها، ولا يخالف ذلك قولَ عليٍّ رضي الله عنه: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم ألَّا أدع [11] قبرًا مشرفًا إلَّا سوَّيته؛ لأنَّه لم يُرِد تسويته بالأرض، وإنَّما أراد تسطيحه جمعًا بين الأخبار، نقله في «المجموع» عن الأصحاب.
1391- وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: ((حدَّثني)) (فَرْوَةُ) بفتح الفاء وسكون الرَّاء، ابن أبي المَغْرَاء؛ بفتح الميم وسكون الغين المعجمة، آخره راءٌ، يُمدُّ وُيقصَرُ، قال: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) ولأبي ذَرٍّ: ((عليُّ [12] بن مُسْهِرٍ)) بضمِّ الميم وسكون السِّين المهملة وكسر الهاء (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير، قال [13]: (لَمَّا سَقَطَ عَلَيْهِمُ) ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والكُشْمِيْهَنِيِّ: ((عنهم)) (الْحَائِطُ) أي: حائط حجرة عائشة رضي الله عنها (فِي زَمَانِ) إمرة (الْوَلِيدِ ابْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ) بن مروان حين أمر عمر بن عبد العزيز برفع القبر الشَّريف حتَّى لا يصلِّي إليه أحدٌ؛ إذ كان النَّاس يصلُّون إليه (أَخَذُوا فِي بِنَائِهِ؛ فَبَدَتْ) أي: ظهرت (لَهُمْ قَدَمٌ) بساقٍ وركبة؛ كما رواه أبو بكر الآجريُّ من طريق شعيب بن إسحاق عن هشامٍ، في القبر لا [14] خارجه (فَفَزِعُوا، وَظَنُّوا أَنَّهَا قَدَمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) وفي رواية الآجريِّ [15]: «ففزع عمر بن عبد العزيز» (فَمَا وَجَدُوا أَحَدًا يَعْلَمُ ذَلِكَ، حَتَّى قَالَ لَهُمْ عُرْوَةُ: لَا وَاللهِ مَا هِيَ قَدَمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم مَا هِيَ إِلَّا قَدَمُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) وعند الآجريِّ: «هذا [16] ساق عمر وركبته، فسُرِّي عن عمر بن عبد العزيز».
(وَعَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بالسَّند المذكور، وأخرجه المؤلِّف [17] في «الاعتصام» [خ¦7327] من وجهٍ آخر عن هشامٍ عن أبيه (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: أَنَّهَا أَوْصَتْ) ابن أختها أسماء (عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ) رضي الله عنهما (لَا تَدْفِنِّي مَعَهُمْ) مع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وصاحبيه (وَادْفِنِّي مَعَ صَوَاحِبِي) أمَّهات المؤمنين (بِالْبَقِيعِ) زاد الإسماعيليُّ من طريق عَبْدَةَ عن هشامٍ: وكان في بيتها موضع قبرها (لَا أُزَكَّى) بضمِّ الهمزة وفتح الزَّاي والكاف مبنيًا للمفعول، أي: لا يُثنَى عليَّ (بِهِ) أي: بسبب الدَّفن معهم (أَبَدًا) حتَّى [18] يكون لي بذلك مزيَّةٌ وفضلٌ، وأنا في نفس الأمر يحتمل ألَّا أكون كذلك.
وهذا الحديث من قوله: «وعن هشام» إلى آخر قوله: «أبدًا» ضُبِّب عليه في «اليونينيَّة [19]»، وثبت في غيرها [20].
ج2ص477


[1] في غير (د) و(س): «الوازن»، وهو تحريفٌ.
[2] «بل»: ليس في (د).
[3] في (د): «منه»، ولا يصحُّ.
[4] «قبره»: ليس في (ص) و(م).
[5] في غير (د): «عمرة»، وهو تحريفٌ.
[6] في (د): «حدَّثنا».
[7] في (ص): «لأنَّ النَّبيَّ».
[8] في (د) و(ص) و(م): «قبر».
[9] في (د): «لم يكونوا إلا»، وهو تحريفٌ.
[10] في (م): «لشعار».
[11] في (د) و(ص) و(م): «تدع».
[12] «علي»: ليس في (د).
[13] زيد في (د): «قال».
[14] زيد في (م): «في».
[15] في غير (د): «أخرى».
[16] في (ص): «ما هذا إلَّا».
[17] في (د): «المصنِّف».
[18] في (د): «أي: لا».
[19] في (م): «الفرع».
[20] في (م): «غيره».