إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: هذا أثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنة

1367- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ: مَرُّوا) ولأبي ذَرٍّ: ((مُرَّ)) بضمِّ الميم مبنيًّا للمفعول (بِجَنَازَةٍ، فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا) في رواية النَّضر بن أنسٍ عند الحاكم فقالوا: كان يحبُّ الله ورسوله، ويعمل بطاعة الله، ويسعى فيها (فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم: وَجَبَتْ، ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا) قال في رواية الحاكم المذكورة: فقالوا: كان يُبغض الله ورسوله، ويعمل بمعصية الله، ويسعى فيها (فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام: (وَجَبَتْ) واستعمال الثَّناء في الشَّرِّ لغةٌ شاذَّةٌ، لكنَّه استُعمِل هنا للمشاكلة؛ لقوله: «فأثنوا عليها خيرًا»، وإنَّما مُكِّنوا من الثَّناء بالشَّرِّ مع الحديث الصَّحيح في «البخاري» في «النَّهي عن سبِّ الأموات» [خ¦1393] لأنَّ النهي عن سبِّهم إنَّما هو في حقِّ غير المنافقين والكفَّار، وغير [1] المتظاهر بالفسق والبدعة، وأمَّا هؤلاء؛ فلا يحرم سبُّهم، للتحذير من طريقتهم، ومن [2] الاقتداء بآثارهم، والتَّخلُّق بأخلاقهم، قاله النَّوويُّ (فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) لرسول الله صلى الله عليه وسلم مستفهمًا له [3]: (ما وَجَبَتْ؟ قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (هَذَا أَثْنَيْتُمْ [4] عَلَيْهِ خَيْرًا فَوَجَبَتْ [5] لَهُ الْجَنَّةُ، وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ) والمراد بالوجوب: الثُّبوت، أو هو في صحَّة الوقوع كالشَّيء الواجب، والأصل أنَّه لا يجب على الله شيءٌ، بل الثَّواب فضله، والعقاب عدله، لا يُسأل عمَّا يفعل [6] (أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ فِي الأَرْضِ) ولفظه في «الشَّهادات» [خ¦2642]: «المؤمنون شهداء الله في الأرض»، فالمراد: المخاطبون بذلك من الصَّحابة ومن كان على صفتهم من الإيمان، فالمعتبر شهادة أهل الفضل والصِّدق [7]، لا الفَسَقة؛ لأنَّهم قد يثنون على من يكون مثلهم، ولا من بيْنه وبين الميِّت عداوةٌ؛ لأنَّ شهادة العدوِّ لا تُقبَل، قاله الدَّاوديُّ، وقال المظهريُّ: ليس معنى قوله: «أنتم شهداء الله في الأرض» أي: الَّذي يقولونه في حقِّ شخصٍ يكون كذلك حتَّى يصير من يستحقُّ الجنَّة من أهل النَّار بقولهم، ولا العكس، بل معناه: أنَّ الَّذي أثنوا عليه خيرًا رأوه منه كان ذلك علامة كونه [8] من أهل الجنَّة، وبالعكس، وتعقَّبه الطِّيبيُّ في «شرح المشكاة» بأنَّ قوله: «وجبت» _بعد ثناء الصَّحابة_ حكمٌ عقَّبَ وصفًا مناسبًا، فأشعر بالعلِّيَّة، وكذا الوصف بقوله: «أنتم شهداء الله في الأرض»؛ لأنَّ الإضافة فيه للتَّشريف بأنَّهم بمنزلةٍ عاليةٍ عند الله، فهو كالتَّزكية من الرَّسول لأمَّته وإظهار عدالتهم بعد شهادتهم لصاحب الجنازة، فينبغي أن يكون لها أثرٌ ونفعٌ في حقِّه، قال: وإلى معنى هذا يومىء قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143]. انتهى. وقال النَّوويُّ: قال بعضهم: معنى الحديث: أنَّ الثَّناء بالخير لمن أثنى عليه أهل الفضل، وكان ذلك مطابقًا للواقع، فهو من أهل الجنَّة، وإن كان غير مطابقٍ فلا، وكذا عكسه، قال: والصَّحيح أنَّه على عمومه، وأنَّ من مات فألهم الله النَّاس الثَّناء عليه
ج2ص458
بخيرٍ؛ كان دليلًا على أنَّه من أهل الجنَّة، سواءٌ كانت أفعاله تقتضي ذلك أم لا، فإنَّ الأعمال داخلةٌ تحت المشيئة، وهذا الإلهام يُستَدلُّ به على تعيينها، أو بهذا تظهر فائدة الثَّناء. انتهى.
ج2ص459


[1] في (د): «وحقُّ غير».
[2] «من»: ليس في (د).
[3] في (ب) و(س): «عن قوله».
[4] في (د): «أثبتم»، وهو تصحيفٌ.
[5] في (م): «فوجب».
[6] في غير (د) و(س): «يفعله».
[7] «والصدق»: ليس في (د).
[8] في (د): «لكونه».