إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير

1361- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هو ابن جعفرٍ البيكنديُّ؛ كما في «مستخرج أبي نُعيم»، أو هو يحيى بن يحيى؛ كما جزم به أبو مسعودٍ في «الأطراف»، أو هو يحيى بن موسى المعروف بخت؛ كما وقع في رواية أبي عليِّ بن شبُّويه عن الفرَبْريِّ، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهو المعتمد، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازمٍ؛ بالخاء والزَّاي المعجمتين (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابن جبرٍ (عَنْ طَاوُسٍ) هو ابن كيسان (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم: أَنَّهُ مَرَّ) ولأبي ذَرٍّ: ((قال: مرَّ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم)) (بِقَبْرَيْنِ) أي: بصاحبيهما من باب تسمية الحالِّ باسم المحلِّ (يُعَذَّبَانِ، فَقَالَ: إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ) إزالته أو دفعه أو الاحتراز عنه، ويحتمل أن يكون نفي كونه كبيرًا باعتبار اعتقاد الاثنين المعذَّبين، أو اعتقاد مرتكبه مطلقًا، أو باعتبار اعتقاد المخاطبين، أي: ليس كبيرًا عندكم ولكنَّه كبير عند الله؛ كما جاء في رواية عند المؤلِّف [خ¦216]: «وما يعذَّبان في كبيرٍ بلى إنَّه كبيرٌ» [1] فهو كقوله: {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ} [النُّور: 15] (أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ [2] مِنَ الْبَوْلِ) يُحتَمل أن يحمل على حقيقته من الاستتار عن الأعين، ويكون العذاب على كشف العورة، أو على المجاز والمراد: التَّنزُّه من البول بعدم ملابسته، ورُجِّح، وإن كان الأصل الحقيقة؛ لأنَّ الحديث يدلُّ على أنَّ للبول بالنِّسبة إلى عذاب القبر خصوصيَّةً، فالحمل عليه أَولى _كما مرَّ_ في «الوضوء» [خ¦216] (وأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ) المحرَّمة، وخرج به ما كان للنَّصيحة، أو لدفع مفسدةٍ، والباء للمصاحبة، أي: يسير في النَّاس متَّصفًا بهذه الصِّفة، أو للسَّببيَّة، أي: يمشي بسبب ذلك (ثُمَّ أَخَذَ) عليه الصلاة والسلام (جَرِيدَةً رَطْبَةً، فَشَقَّهَا بِنِصْفَيْنِ) قال الزَّركشيُّ: دخلت الباء على المفعول زائدةً. انتهى. يعني: في قوله: «بنصفين»، وقد تعقَّبه صاحب «مصابيح الجامع» فقال: لا نسلِّم شيئًا من ذلك، أمَّا دعواه أنَّ «نصفين» مفعولٌ؛ فلأنَّ «شقَّ» إنَّما يتعدَّى لمفعولٍ واحدٍ، وقد أخذه وليس هذا بدلًا منه، وأمَّا دعوى الزِّيادة؛ فعلى خلاف الأصل، وليس هذا من محالِّ زيادتها، ثمَّ قال: والباء للمصاحبة، وهي ومدخولها ظرفٌ مسَتَقرٌّ [3] منصوب المحل [4] على الحال، أي: فشقَّها متلبِّسةً [5] بنصفين، ولا مانع من أن يجتمع الشَّقُّ وكونها ذات نصفين في حالةٍ [6] واحدةٍ، وليس المراد أنَّ [7] انقسامها إلى نصفين كان ثابتًا قبل الشَّقِّ، وإنَّما هو معه وبسببه، ومنه قوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ} [النَّحل: 12]. انتهى. (ثُمَّ غَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ) منهما (وَاحِدَةً، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟ فَقَالَ: لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا) العذاب (مَا لَمْ يَيْبَسَا) [8] بالمثنَّاة التَّحتيَّة المفتوحة وفتح الموحَّدة وكسرها في «اليونينيَّة» بالتَّذكير باعتبار عَود الضَّمير إلى العُودين، و«ما» مصدريَّةٌ زمانيَّةٌ، أي: مدَّة دوامهما إلى زمن اليبس، و«لعلَّ» [9] بمعنى: «عسى» فلذا استُعمِلَ استعماله في اقترانه بـ «أن» وإن كان الغالب في «لعلَّ» التَّجرُّد، وليس في الجريد [10] معنًى يخصُّه، ولا في الرَّطب معنًى ليس في اليابس، وإنَّما ذلك خاصٌّ ببركة يده الكريمة، ومن ثمَّ استنكر الخطَّابيُّ وضع النَّاس الجريد ونحوه على القبر، عملًا بهذا الحديث، وكذلك الطَّرطوشيُّ [11] في «سراج الملوك» قائلين بأنَّ ذلك خاصٌّ بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ لبركة [12] يده المقدَّسة وبعلمه بما في القبور، وجرى على ذلك ابن الحاجِّ في «مدخله»، وما تقدَّم من أنَّ بريدة بن
ج2ص453
الحُصَيب أوصى بأن يُجعل في قبره جريدتان محمولٌ على أنَّ ذلك رأيٌ له لم يوافقه أحدٌ من الصَّحابة عليه، أو أنَّ المعنى فيه: أنَّه [13] يسبِّح ما دام رطبًا، فيحصل التَّخفيف ببركة التَّسبيح، وحينئذٍ فيطرد في كلِّ ما فيه رطوبةٌ من الرَّياحين والبقول وغيرها، وليس لليابس تسبيحٌ، قال تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} [الإسراء: 44] أي: شيءٌ حيٌّ، وحياة كلِّ شيءٍ بحسبه، فالخشب ما لم ييبس، والحجَر ما لم يُقطع من معدنه، والجمهور على [14] أنَّه على حقيقته؛ وهو قول المحقِّقين؛ إذ العقل لا يحيله، أو بلسان الحال باعتبار دلالته على الصَّانع، وأنَّه منزَّهٌ.
وسبق في «باب من الكبائر ألَّا يستتر من بوله» من «الوضوء» [خ¦216]، مزيدٌ لما ذكرته هنا.
ج2ص454


[1] «بلى إنَّه كبيرٌ»: مثبتٌ من (د) و(س).
[2] في (ص): «يستبرئ».
[3] في (د): «مستترٌ»، وهو تحريفٌ.
[4] «المحل): ليس في (ب).
[5] «متلبِّسة»: ليس في (د)، وفي (ص): «ملتبسة»، وكذا في مصابيح الجامع..
[6] في (د): «حالٍ»، وكذا في مصابيح الجامع.
[7] «أنَّ»: ليس في (د).
[8] في هامش (ص): (قوله: «ما لم ييبسا»: قال الحلبيُّ نقلا عن شيخه ابن الملقِّن: إنَّ الجريدتين أورقتا من ساعتهما، وإنَّه عليه الصلاة والسلام فرح بذلك، وقال: خُفِّف عنهما بسبب شفاعتي). انتهى.
[9] زيد في (د): «في الحديث».
[10] في (م): «التَّجريد)، وهو تحريفٌ.
[11] في هامش (ص): (قوله: «الطَّرطوشيُّ»، قال في «القاموس»: طَـُرشوشةٌ؛ بالضَّمِّ وتُفتَح؛ بلدٌ بالأندلس. انتهى. يُنسَب إليها أبو بكرٍ الطَّرطوشيُّ المالكيُّ، مصنِّف كتاب «سراج الملوك»). انتهى. «ابن خِلِّكَان».
[12] في (د): «ببركة».
[13] في (د): «أن».
[14] «على»: مثبتٌ من (م).