إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: هل فيكم من أحد لم يقارف الليلة

1342- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ [1] ) العَوَقيُّ، بفتح الواو وبالقاف، الباهليُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ) قال الواقديُّ: اسمه عبد الملك، و«فُلَيحٌ» لقبٌ غَلَب عليه، وسقط «ابن سليمان» عند أبي ذَرٍّ، قال: (حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ) هو ابن أسامة [2] العامريُّ (عَنْ أَنَسٍ) هو ابن مالكٍ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: شَهِدْنَا بِنْتَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) أمَّ كلثومٍ زوجَ عثمان بن عفَّان (وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم جَالِسٌ عَلَى) جانب (الْقَبْرِ) الجملة اسميَّةٌ حاليَّةٌ (فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ) بفتح الميم، وفيه جواز البكاء حيث لا صياح ولا [3] غيره ممَّا ينكَر شرعًا كما سبق [خ¦1303] (فَقَالَ: هَلْ فِيكُمْ مِنْ أَحَدٍ لَمْ يُقَارِفِ اللَّيْلَةَ؟) بالقاف والفاء، أي: لم يُجامع أهله، ومثله في الكناية قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} [البقرة: 187] وقد كان من عادة أدب القرآن أن يكنِّي عن الجماع باللَّمس لبشاعة [4] التَّصريح، فعكس، فكنَّى عن الجماع بالرَّفث؛ وهو أبشع [5] تقبيحًا لفعلهم؛ لينزجروا عنه، وكذلك [6] كُنِّي [7] في هذا الحديث عن المباح بالمحظور؛ لصون جانب بنت الرَّسول عمَّا ينبئ عن الأمر المستهجن (فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ) زيد ابن سهلٍ الأنصاريُّ: (أَنَا) لم أقارف اللَّيلة (قَالَ) [8] عليه الصلاة والسلام: (فَانْزِلْ فِي قَبْرِهَا) ففيه: أنَّه لا يُنزِل [9] الميِّت في قبره إلَّا الرِّجال متى وُجِدُوا وإن كان الميِّت امرأةً، بخلاف النِّساء؛ لضعفهنَّ عن ذلك غالبًا، ولأنَّه معلومٌ أنَّه كان لبنت النَّبيِّ [10]صلى الله عليه وسلم محارم من النِّساء كفاطمة وغيرها، نعم؛ يُندَب لهنَّ _كما في «شرح المهذَّب»_ أن يَلِينَ حملَ المرأة من مغتسلها إلى النَّعش، وتسليمها إلى من في القبر، وحلَّ ثيابها فيه، وقد [11] كان عثمان أَولى بذلك [12] من أبي طلحة؛ لأنَّ الزَّوج أحقُّ [13] من غيره بمواراة زوجته وإن خالط غيرها من أهله [14] تلك اللَّيلة وإن لم يكن له حقٌّ في الصَّلاة؛ لأنَّ منظوره أكثر، لكنَّ عثمان رضي الله عنه قارف تلك اللَّيلة، فباشر جاريةً له وبنت رسول الله صلى الله عليه وسلم محتضَرةٌ، فلم يعجبه صلى الله عليه وسلم كونه شُغِل عن [15] المحتضرة بذلك؛ لصيانة جلالة [16] محلِّ ابنته صلى الله عليه وسلم، ورضي عنها، قال ابن المُنيِّر: فيه خصوصيَّةٌ، قال: (فَنَزَلَ) أبو طلحة (فِي قَبْرِهَا، فَقَبَرَهَا) أي: لحدها، وسقط قوله «فقبرها» عند الأَصيليِّ وأبي [17] ذَرٍّ وابن عساكر (قَالَ ابْنُ مُبَارَك) عبد الله، ولأبي ذَرٍّ: ((قال ابن المبارك)) بالتَّعريف، أي: ممَّا وصله الإسماعيليُّ: (قَالَ فُلَيْحٌ) يعني: ابن سليمان: (أُرَاهُ) بضمِّ الهمزة، أي: أظنُّه (يَعْنِي) بقوله: «يقارف» (الذَّنْبَ) لكنَّ المرجَّح التَّفسير الأوَّل، ويؤيِّده ما في بعض الرِّوايات بلفظ: ((لا يدخل القبر أحدٌ قارف أهله البارحة)) فتنحَّى عثمان رضي الله عنه، وقد قال ابن حزمٍ: مَعاذ اللهِ أن يتبجَّح أبو طلحة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنَّه [18] لم يذنب تلك اللَّيلة، لكن أنكر الطَّحاويُّ تفسيره بالجماع، وقال [19]: بل معناه: لم يقاول؛ لأنَّهم كانوا يكرهون الحديث بعد العشاء (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ مؤيِّدًا لقول ابن المبارك، عن فليحٍ: ({لِيَقْتَرِفُوا} [الأنعام: 113] ) معناه: (أَيْ: لِيَكْتَسِبُوا) أو أراد المؤلِّف بذلك توجيه الكلام المذكور، وأنَّ لفظ: المقارفة [20] في
ج2ص438
الحديث أُرِيدَ به ما هو أخصُّ من ذلك؛ وهو الجماع، وهذا الَّذي فسَّر به الآية موافقٌ لتفسير ابن عبَّاسٍ، ومشى عليه البيضاويُّ وغيره، فقال: {وَلِيَقْتَرِفُوا} من الآثام {مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ} [الأنعام: 113] وسقط في رواية الحَمُّويي والمُستملي، وثبت في رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ.
ج2ص439


[1] في (ب): «سليمان»، وليس بصحيحٍ.
[2] في (د): «أمامة»، وهو تحريفٌ.
[3] «لا»: ليس في (د).
[4] في (د): «لشناعة».
[5] في (د): «أشنع».
[6] في (ص): «لذلك».
[7] «كنِّيَ»: ليس في (د).
[8] في (م): «فقال».
[9] في (د): «يتولى».
[10] في (م): «رسول الله».
[11] «قد»: ليس في (د).
[12] «بذلك»: ليس في (د).
[13] في (د): «أولى».
[14] «من أهله»: مثبتٌ من (د) و(س).
[15] «هن»: ليس في (د).
[16] في (ص): «جلال».
[17] في (د): «ولأبي».
[18] في (د): «بأنْ».
[19] في (د): «وقيل».
[20] في (س): «المفارقة»، وهو تصحيفٌ.