إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: الثلث والثلث كبير إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من

1295- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ) سعدٍ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم يَعُودُنِي) بالدَّال المهملة (عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ) سنة عشرٍ من الهجرة (مِنْ وَجَعٍ) اسمٌ لكلِّ مرضٍ (اشْتَدَّ بِي) أي: قوي عليَّ (فَقُلْتُ: إِنِّي قَدْ بَلَغَ بِي مِنَ الْوَجَعِ) الغاية (وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُنِي) من الولد (إِلَّا ابْنَتِ [1] ) كذا كُتِبَ في «اليونينيَّة» بالتَّاء المثنَّاة [2] الفوقيَّة المجرورة لا بالهاء، قيل [3]: هي عائشة، وقيل: إنَّها أمُّ الحَكَم الكبرى، قيل: ما [4] كانت له عصبةٌ، وقيل: معناه: لا يرثني من أصحاب الفروض سواها، وقيل: من النِّساء، وهذا قاله قبل أن يولد له الذُّكور (أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟) بهمزة الاستفهام على الاستخبار (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (لَا) تتصدَّق بالثُّلثين (فَقُلْتُ): أتصدَّق (بِالشَّطْرِ؟) أي بالنِّصف [5]، وللحَمُّويي والمُستملي: ((فالشَّطر)) بالفاء، والرَّفع بالابتداء، والخبر محذوفٌ، تقديره: فالشَّطر أتصدَّق به؟ وقيَّده [6] الزَّمخشريُّ في «الفائق» بالنَّصب بفعلٍ مضمرٍ، أي: أوجب الشَّطر، وقال السُّهيليُّ في «أماليه»: الخفض فيه أظهر من النَّصب؛ لأنَّ النَّصب بإضمار: أفعل، والخفض معطوفٌ [7] على قوله: «بثلثي مالي» (فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام: (لَا) تتصدق بالشَّطر (ثُمَّ قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (الثُّلُثُ) بالرَّفع، فاعلُ فعلٍ محذوفٍ، أي: يكفيك الثُّلث، أو خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: المشروع الثُّلث، أو مبتدأٌ حُذِفَ خبره، أي: الثُّلث كافٍ، والنَّصب على الإغراء، أو بفعلٍ مضمرٍ، أي: أعطِ الثُّلث (وَالثُّلْثُ كَبِيرٌ) بالموحَّدة، مبتدأٌ وخبرٌ (أَوْ) قال: (كَثِيرٌ) بالمثلَّثة (إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ) بالذَّال المعجمة وفتح الهمزة في «اليونينيَّة» تترك (وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً [8] ) فقراءَ (يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ) يطلبون الصَّدقة من أكفِّ النَّاس، أو يسألونهم بأكفِّهم، و«أَنْ تذر» بفتح الهمزة: على أنَّها مصدريَّةٌ، فهي وصِلَتُها في محلِّ رفعٍ على الابتداء، والخبر: «خيرٌ»، وبالكسر: على أنَّها شرطيَّةٌ، والأصل كما قاله [9] ابن مالكٍ: إن تركت ورثتك أغنياء فخيرٌ، أي: فهو خيرٌ لك، فحذف فاء [10] الجواب؛ كقوله تعالى: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ} [البقرة: 180]، أي: فالوصيَّة على ما خرَّجه الأخفش، ثمَّ عطف على قوله: «إنَّك أن تذر» ما هو علَّةٌ للنَّهي عن الوصيَّة بأكثر من الثُّلث، فقال: (وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ) أي: ذاته (إِلَّا أُجِرْتَ) بضمِّ الهمزة، مبنيًّا للمفعول (بِهَا) أي بتلك النَّفقة (حَتَّى مَا تَجْعَلُ) أي: الَّذي تجعله (فِي فيِّ امْرَأَتِكَ) وقول الزَّركشيِّ كابن بطَّالٍ: «تجعلُ» برفع اللَّام، و«ما» كافَّةٌ كفَّت «حتَّى» عن عملها، تعقَّبه صاحب «مصابيح الجامع» فقال: ليس كذلك؛ إذ لا معنى للتَّركيب حينئذٍ إن تأمَّلت، بل هي [11] اسمٌ موصولٌ، و«حتَّى» عاطفةٌ، أي: إلَّا أُجِرت بتلك النَّفقة الَّتي تبتغي بها وجه الله، حتَّى بالشَّيء الَّذي تجعله في فم امرأتك، ثمَّ أورد على نفسه سؤالًا، فقال: فإن قلت: يُشتَرط في «حتَّى» العاطفة على المجرور أن يُعاد الخافض؟ وأجاب بأنَّ ابن مالكٍ قيَّده بألَّا تتعيَّن «حتَّى» للعطف؛ نحو: عجبت من القوم حتَّى بنيِّهم، قال ابن هشامٍ: يريد أنَّ الموضع الَّذي يصحُّ أن تحلَّ «إلى» فيه محلَّ «حتَّى» العاطفة، فهي محتملةٌ للجارَّة، فيُحتاج حينئذٍ إلى إعادة الجارِّ عند قصد العطف؛ نحو: اعتكفت في الشَّهر حتَّى في آخره بخلاف المثال وما في الحديث، ثمَّ أورد [12] سؤالًا آخر، فقال: فإن قلت: لا يُعطَفُ على الضَّمير المخفوض إلَّا بإعادة الخافض؟ وأجاب بأنَّ المختار عند ابن مالكٍ وغيره خلافه؛ وهو المذهب الكوفيُّ؛ لكثرة شواهده نظمًا ونثرًا، على أنَّه لو جُعِل العطف على المنصوب المتقدِّم، أي: لن [13] تنفق نفقة حتَّى الشَّيء الَّذي تجعله في فيِّ [14] امرأتك إلَّا أُجِرت؛ لاستقام، ولم يرد شيءٌ
ج2ص407
ممَّا تقدَّم. انتهى. وفيه: أنَّ المباح إذا قُصِد به وجه الله؛ صار طاعة ويُثاب عليه، وقد نبَّه عليه بأخسِّ [15] الحظوظ الدُّنيويَّة الَّتي تكون في العادة عند الملاعبة، وهو وضع اللُّقمة في فم الزَّوجة، فإذا قصد بأبعد الأشياء عن الطَّاعة وجهَ الله ويحصل به الأجر؛ فغيْرُه بالطَّريق الأَولى، قال سعدٌ: (فَقُلْتُ) ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر: ((قلت)): (يَا رَسُولَ اللهِ، أُخَلَّفُ) بضمِّ الهمزة وفتح اللَّام المشدَّدة مبنيًّا للمفعول؛ يعني بمكَّة بعد أصحابي المنصرفين معك، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((أأخلَّف)) بهمزة الاستفهام (بَعْدَ أَصْحَابِي؟ قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (إِنَّكَ لَنْ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((أن)) (تُخَلَّفَ) بعد أصحابك (فَتَعْمَلَ عَمَلًا صَالِحًا إِلَّا ازْدَدْتَ [16] بِهِ) أي بالعمل الصَّالح (دَرَجَةً وَرِفْعَةً، ثُمَّ لَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ) أي: بأن يطول عمرك، أي: إنَّك لن تموت بمكَّة، وهذا من إخباره عليه الصلاة والسلام بالمغيَّبات، فإنَّه عاش حتَّى فتح العراق، ولعلَّ: للتَّرجِّي إلَّا إذا وردت عن الله ورسوله، فإنَّ معناها: التَّحقيق، قال البدر الدَّمامينيُّ: وفيه دخول «أَنْ» على خبر «لعلَّ»، وهو قليلٌ، فيحتاج إلى التَّأويل (حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ) من المسلمين بما يفتحه الله على يديك من بلاد الشِّرك، ويأخذه المسلمون من الغنائم (وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ) من المشركين الهالكين على يديك وجندك (اللَّهُمَّ أَمْضِ) بهمزة قطعٍ؛ من الإمضاء؛ وهو الإنفاذ، أي: أتمم (لأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ) أي: الَّتي هاجروها من مكَّة إلى المدينة (وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ) بترك هجرتهم ورجوعهم عن مستقيم حالهم، فيخيب قصدهم، قال الزُّهريُّ فيما رواه أبو داود الطَّيالسيُّ، عن إبراهيم بن سعدٍ عنه: (لَكِنِ الْبَائِسُ) بالموحَّدة والهمزة، آخره سينٌ مهملةٌ: الَّذي عليه أثر البؤس، أي: شدَّة الفقر والحاجة (سَعْدُ ابْنُ خَوْلَةَ، يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) بفتح المثنَّاة التَّحتيَّة وسكون الرَّاء وبالمثلَّثة؛ مِنْ يَرْثي [17] (أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ) بفتح الهمزة، أي: لأجل موته بالأرض الَّتي هاجر منها، ولا يجوز الكسر على إرادة الشَّرط؛ لأنَّه كان انقضى وتمَّ، وهذا موضع التَّرجمة، لكن نازع الإسماعيليُّ المؤلِّف بأنَّ هذا ليس من مراثي الموتى، وإنَّما هو من إشفاق النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم من موته بمكَّة بعد هجرته منها، وكان يهوى أن يموت بغيرها، وكراهة ما حدث عليه من ذلك؛ كقولك: أنا أرثي لك ممَّا [18] جرى عليك، كأنَّه يتحزَّن عليه، قال الزَّركشيُّ: ثمَّ هو بتقدير تسليمه، فليس بمرفوعٍ، وإنَّما هو مدرَجٌ من قول الزُّهريِّ.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «المغازي» [خ¦4409] و«الدَّعوات» [خ¦6373] و«الهجرة» [خ¦3936] و«الطِّبِّ» [خ¦5659] و«الفرائض» [خ¦6733] و«الوصايا» [خ¦2742] و«النَّفقات» [خ¦5354]، ومسلمٌ في «الوصايا» وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه.
ج2ص408


[1] في (م): «ابنة».
[2] في (د): «في اليونينيَّة بالمثنَّاة».
[3] قوله: «كذا كُتِبَ في اليونينيَّة: بالتَّاء المثنَّاة الفوقيَّة المجرورة لا بالهاء، قيل»، سقط من (م).
[4] «ما»: سقط من (د).
[5] قوله: «أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ بهمزة الاستفهام على ... بِالشَّطْرِ؟ أي: بالنِّصف»، جاء في (د) سابقًا بعد قوله: «أم الحكم الكبرى».
[6] في (ص): «قيد».
[7] في (د(و(م): «مردودٌ».
[8] في هامش (ص): (قوله: «عالةً»: جمع: «عائل»؛ وهو الفقير، مِن: «عال، يعيل»؛ إذا افتقر). انتهى.
[9] في (ص): «قال».
[10] «فاء»: مثبتٌ من (م).
[11] «هي»: مثبتٌ من (د) و(س).
[12] «أورد»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[13] في (م): «أن»، وهو تحريفٌ.
[14] في (ب) و(س): «فم».
[15] في (د): «بأحسن»، وهوتصحيفٌ.
[16] في (م): «زدت»، وليس بصحيحٍ.
[17] زيد في (د): «له».
[18] في (ص): «بما).