إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: آذني أصلي عليه

1269- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) أي ابن مسرهدٍ (قَالَ [1]: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيد) القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين؛ ابن عمر العمريِّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بضمِّ العين (رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ) بضمِّ الهمزة وفتح الموحَّدة وتشديد المثنَّاة التَّحتيَّة، ابن سلولٍ، رأس المنافقين (لَمَّا تُوُفِي) في ذي القعدة سنة تسعٍ، منصرَفَ رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك، وكانت مدَّة مرضه عشرين ليلةً، ابتداؤها من ليالٍ بقيت من شوَّال (جَاءَ ابْنُهُ) [2] عبد الله، وكان من فضلاء الصَّحابة وخيارهم (إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ) وسقط قوله «يا رسولَ الله» عند أبي ذرٍّ (أَعْطِنِي قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فِيهِ) بالجزم جواب الأمر، والضَّمير لعبد الله بن أُبَيٍّ (وَصَلِّ عَلَيْهِ وَاسْتَغْفِرْ لَهُ) ووقع عند الطَّبريِّ من طريق الشَّعبيِّ: لمَّا احتُضر عبد الله؛ جاء ابنه إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال: يا نبيَّ الله إنَّ أبي احتُضِر، فأُحبُّ أن تحضره وتصلِّي عليه؛ فكأنَّه كان يحمل أمر أبيه على ظاهر الإسلام، فلذلك التمس من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أن يحضر عنده ويصلِّي عليه، لا سيما وقد ورد ما يدلُّ على أنَّه فعل ذلك بعهدٍ من أبيه، فأخرج عبد الرَّزَّاق عن معمرٍ، والطَّبريُّ من طريق سعيدٍ، كلاهما عن قتادة قال: أرسل عبد الله بن أُبَيٍّ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فلمَّا دخل عليه [3]؛ قال: أهلكك حبُّ يهود؟ قال: يا رسول الله؛ إنَّما أرسلتُ إليك لتستغفر لي، ولم أرسل إليك لتوبِّخني، ثمَّ سأله أن يُعطيه قميصه يُكَفَّن فيه، قال في «الفتح»: وهذا مرسلٌ مع ثقة رجاله، ويعضده ما أخرجه الطَّبرانيُّ من طريق الحكَم بن أبَان، عن عكرمة عن ابن عبَّاسٍ [4]: لمَّا مرض عبد الله بن أُبَيٍّ؛ جاءه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، فقال: امنن عليَّ، فكفِّنِّي في قميصك وصلِّ عليَّ، قال الحافظ ابن حَجَرٍ: وكأنَّه أراد بذلك دفع [5] العار عن ولده وعشيرته بعد موته [6]، فأظهر الرَّغبة في صلاة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم عليه [7]، وقد [8] وقعت إجابته إلى سؤاله على حسب ما أظهر [9] من حاله، إلى أن كشف الله الغطاء عن ذلك؛ لِمَا [10] سيأتي إن شاء الله تعالى، قال: وهذا من أحسن الأجوبة، فيما يتعلَّق بهذه القصَّة (فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم قَمِيصَهُ) أي: أعطى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم قميصه لولده إكرامًا للولد، أو مكافأةً لأبيه عبد الله بن أُبيٍّ؛ لأنَّه لمَّا أُسِرَ العبَّاس ببدرٍ، ولم يجدوا له قميصًا يصلح له، وكان رجلًا طويلًا؛ فألبسه قميصه، فكافأه صلى الله عليه وسلم بذلك كي لا [11] يكون لمنافقٍ عليه يدٌ لم يكافئه عليها، أو لأنَّه ما سأل شيئًا قطُّ فقال: لا، أو إن ذلك كان قبل نزول قوله تعالى: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا} [التوبة: 84] وأمَّا قول المهلَّب: رجاء أن يكون معتقدًا لبعض ما كان يُظهر من الإسلام، فينفعه الله بذلك، فتعقَّبه ابن المنيِّر فقال: هذه هفوةٌ ظاهرةٌ، وذلك أنَّ الإسلام لا يتبعَّض، والعقيدة شيءٌ واحدٌ؛ لأنَّ بعض معلوماتها شرطٌ في البعض، والإخلال ببعضها إخلالٌ بجملتها، وقد أنكر الله تعالى على من آمن بالبعض وكفر بالبعض؛ كما أنكر على من كفر بالكلِّ. انتهى. (فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام: (آذِنِّي) بالمدِّ وكسر الذَّال المعجمة، أي: أعلمني (أُصَلِّي عَلَيْهِ) بعدم الجزم على الاستئناف، وبه جوابًا للأمر (فَآذَنَهُ) أعلمه (فَلَمَّا أَرَادَ) عليه الصلاة والسلام (أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ جَذَبَهُ عُمَرُ) ابن الخطَّاب (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) بثوبه (فَقَالَ: أَلَيْسَ اللهُ نَهَاكَ أَنْ تُصَلِّيَ) أي: عن الصَّلاة (عَلَى الْمُنَافِقِينَ) وفهم ذلك عمر رضي الله عنه من قوله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} [التَّوبة: 113] لأنَّه
ج2ص391
لم يتقدَّم نهيٌ عن الصَّلاة على المنافقين بدليل أنَّه قال في آخر هذا الحديث: فنزلت: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا} [التوبة: 84] وفي «تفسير سورة براءة» [خ¦4670] من وجهٍ آخرَ عن عبد الله بن عمر، فقال: تصلِّي عليه وقد نهاك الله أن تستغفر لهم؟ (فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام: (أَنَا بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ) بخاءٍ معجمةٍ مكسورةٍ ومثنَّاةٍ تحتيَّةٍ مفتوحةٍ، تثنية: خِيَرَة، كعِنَبَة، أي: أنا مخيَّرٌ بين الأمرين الاستغفار وعدمه (قَالَ الله تعالى: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ}) قال البيضاويُّ: يريد التَّساوي بين الأمرين في عدم الإفادة لهم، كما نصَّ عليه بقوله: ({إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ} [التَّوبة: 80]) فقال عليه الصلاة والسلام: «لأزيدنَّ على السَّبعين» [خ¦4670] ففهم من السَّبعين العدد المخصوص؛ لأنَّه الأصل (فَصَلَّى) عليه الصلاة والسلام (عَلَيْهِ) أي: على عبد الله بن أُبَيٍّ (فَنَزَلَتْ) آية: ({وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا} [التَّوبة: 84]) لأنَّ الصَّلاة دعاءٌ للميِّت واستغفارٌ له، وهو ممنوعٌ في حقِّ الكافر، وإنَّما لم ينه عن التَّكفين في قميصه، ونهى عن الصَّلاة عليه؛ لأنَّ الضِّنَّة بالقميص كان مخلًّا بالكرم، ولأنَّه كان مكافأةً لإلباسه العبَّاس قميصه كما مرَّ، وزاد أبو ذرٍّ في روايته: (({وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ})) أي: ولا تقف على قبره للدَّفن أو الزِّيارة، واستُشكِلَ تخييره عليه الصلاة والسلام بين الاستغفار لهم وعدمه مع قوله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} الآية [12] [التَّوبة: 113] فإنَّ هذه الآية نزلت بعد موت أبي طالبٍ حين قال: «والله لأستغفرنَّ لك ما لم أُنهَى عنك» [خ¦1360] وهو متقدِّمٌ على الآية الَّتي فهم منها التَّخيير، وأُجِيبَ بأنَّ المنهيَّ عنه في هذه الآية استغفارٌ مرجوُّ الإجابة، حتَّى لا [13] يكون مقصوده تحصيل المغفرة لهم؛ كما في أبي طالبٍ، بخلاف استغفاره للمنافقين، فإنَّه استغفار لسانٍ [14] قصد به تطييب قلوبهم. انتهى.
وفي الحديث: أنَّه تحرم الصَّلاة على الكافر، ذمِّيٍّ وغيره. نعم؛ يجب دفن الذِّمِّيِّ وتكفينه، وفاءً بذمَّته؛ كما يجب إطعامه وكسوته حيًّا، وفي معناه المعاهد والمؤمن؛ بخلاف الحربيِّ والمرتدِّ والزِّنديق، فلا يجب تكفينهم ولا دفنهم، بل يجوز إغراء الكلاب عليهم إذ لا حرمة لهم، وقد ثبت أمره عليه الصلاة والسلام بإلقاء قتلى بدرٍ في القليب بهيئتهم، ولا يجب غسل الكافر؛ لأنَّه ليس من أهل التَّطهير، ولكنَّه يجوز، وقريبه الكافر أحقُّ به.
وهذا الحديث أخرجه البخاريُّ أيضًا في «اللِّباس» [خ¦5796] و«التفسير» [خ¦4670]، ومسلمٌ في «اللِّباس» وفي «التَّوبة» والتِّرمذيُّ في «التَّفسير» وكذا النَّسائيُّ فيه وفي «الجنائز» وابن ماجه فيه.
ج2ص392


[1] «قال»: ليس في (د).
[2] زيد في (ص) و(م): «بن»، وليس بصحيحٍ.
[3] «عليه»: ليس في (د).
[4] زيد في (د): «قال».
[5] في (ب): «رفع».
[6] «بعد موته»: سقط من (د).
[7] «عليه»: ليس في (د).
[8] «قد»: ليست في (د) و(م).
[9] في (د): «ظَهَرَ»، كذا في الفتح.
[10] في (د) و(س): «بما».
[11] في (د): «لئلَّا».
[12] «الآية»: ليس في (ص) و(م).
[13] «لا»: ليس في (ص) و (م).
[14] في غير (د) و(س): «لِشأنٍ».