إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

باب حديث الإسراء

(41) (باب حَدِيثِ الإِسْرَاءِ) سقط التَّبويب لأبي ذرٍّ (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {سُبْحَانَ}) تنزيهٌ لله تعالى عن السُّوء، وهو علمٌ للتَّسبيح؛ كعثمان للرَّجل، قال الرَّاغب: السَّبْح: المَرُّ السَّريع في الماء أو في الهواء، يُقال: سبح سبحًا وسباحةً، واستُعير لِمَرِّ النُّجوم في الفلك؛ كقوله تعالى: {كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [الأنبياء: 33] ولجري [1] الفرس: {وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا} [النَّازعات: 3] ولسرعة الذَّهاب في العمل: {إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا} [المزَّمِّل: 7] [2] والتَّسبيح أصله التَّنزيه للباري جلَّ وعلا، والمرُّ [3] السَّريع في عبادته عزَّ وجلَّ، وجُعِل ذلك في فعل الخير؛ كما جُعِل الإبعاد في الشَّرِّ وقيل: أبعده الله، ثمَّ جُعِل التَّسبيح عامًّا في العبادات قولًا كانت [4] أو فعلًا أو نيَّةً، قال تعالى: {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ} [الصَّافَّات: 143] وقال عزَّ وجلَّ: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ} [البقرة: 30] و«سبحان»: أصله مصدرٌ؛ كغفران، قال أبو البقاء: «سبحان» اسمٌ واقعٌ موقع المصدر، وقد اشتقَّ منه سبَّحت والتَّسبيح، ولا يكاد يُستعمَل إلَّا مضافًا؛ لأنَّ الإضافة تبيِّن مَنْ المُعظَّم، فإذا أُفرِد عن الإضافة كان اسمًا علمًا للتَّسبيح، لا ينصرف للتَّعريف، والألف والنُّون في آخره مثل: عثمان، وقال ابن الحاجب: والدَّليل على أنَّ «سبحان» علمُ التَّسبيح قول الشَّاعر: [من السَّريع]
~قد قلت لمَّا جاءني فخرُه: سبحان مِنْ علقمةَ الفاخرِ
ولولا أنَّه عَلَمٌ لوجب صرفه؛ لأنَّ الألف والنُّون في غير الصِّفات إنَّما تمنع مع العلميَّة، ولا يُستعمَل [5] عَلَمًا إلَّا شاذًّا، وأكثر استعماله مضافًا وليس بعَلَمٍ، لأنَّ الأعلام لا تُضاف ({الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ}) سيِّدنا محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم، و«أسرى» و«سرى» واحدٌ، لكن قال السُّهيليُّ: تسامح اللُّغويُّون في «سرى» و«أسرى» وجعلوهما بمعنًى واحدٍ، واتَّفقت الرُّواة على تسمية الإسراء به عليه السَّلام إسراءً، ولم يسمِّه أحدٌ منهم «سرى» فدلَّ على أنَّهم لم يحقِّقوا فيه العبارة؛ ولذلك لم يُختلَف في تلاوة «أسرى» دون «سرى» وقال: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} [الفجر: 4] فدلَّ على أنَّ «السَّريَ» من سريتَ إذا سرتَ ليلًا، وهي مُؤنَّثَةٌ، تقول: طالت سراك اللَّيلة، والإسراء متعدٍّ في المعنى، لكن حُذِف مفعوله كثيرًا حتَّى ظنَّ أهل اللُّغة [6] أنهَّما بمعنًى لِمَا رأوهما غير متعدِّيين في اللَّفظ إلى مفعولٍ، وإنَّما {أَسْرَى بِعَبْدِهِ} أي: جعل البراق يسري به، وحُذِف المفعول للدَّلالة عليه؛ إذ المقصود بالخبر ذكره، لا ذكر الدَّابَّة التي سرت به. انتهى. ({لَيْلًا}) نُصِب على الظَّرفيَّة، وقيَّده باللَّيل والإسراء لا يكون إلَّا باللَّيل؛ للتَّأكيد، أو ليدلَّ بلفظ التَّنكير على تقليل مدَّة الإسراء، أو أنَّه أسرى به في بعض اللَّيل من مكَّة إلى الشَّام مدَّة أربعين ليلةً ({مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}) رُوِي أنَّه من بيت أمِّ هانئٍ، فالمراد بـ {الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}: الحرم كلُّه؛ لإحاطته بالمسجد والتباسه به، وكان الإسراء به يقظةً؛ إذ لا فضيلة للحالم ولا مزيَّة للنَّائم ({إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى} [الإسراء: 1] ) هو بيت المقدس لأنَّه لم يكن حينئذٍ وراءه مسجدٌ، وهو معدن الأنبياء من لدن الخليل؛ ولذا جُمِعوا له هناك كلُّهم، فأَمَّهم في محلَّتهم ودارهم؛ ليدلَّ ذلك على أنَّه الرَّئيس المُقدَّم والإمام الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم وشرَّف وكرَّم، وسقط قوله «من المسجد الحرام....» إلى آخره لأبي ذرٍّ.
ج6ص202


[1] في غير (ب) و(س): «لمجرى»، وهو تحريفٌ.
[2] قوله: «ولسرعة الذَّهاب في العمل:... [المزَّمِّل: 7]» سقط من (ص).
[3] «والمرُّ»: ضُرِب عليها في (م)، وكُتِب في الهامش: (والمراد).
[4] في (ص) و(م): «كان».
[5] في (ص) و(م): «تُستعمَل».
[6] «أهل اللُّغة»: من (م).