إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: أي عم قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله

3884- وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ ((حدَّثني)) بالإفراد (مَحْمُودٌ) هو ابن غيلان العدويُّ مولاهم المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّام بن نافعٍ الحميريُّ مولاهم أبو بكرٍ الصَّنعانيُّ (قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ الأزديُّ الأسديُّ [1] مولاهم البصريُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ (عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ) سعيدٍ (عَنْ أَبِيهِ) المُسيَّب بن حَزْنٍ _بفتح المهملة وسكون الزَّاي_ ابن أبي وهبٍ المخزوميِّ، له ولأبيه صحبةٌ (أَنَّ أَبَا طَالِبٍ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ) قبل أن يدخل في الغرغرة (دَخَلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدَهُ أَبُو جَهْلٍ) عمرو بن هشام بن المغيرة عدوُّ الله فرعون هذه الأمَّة (فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام له: (أَيْ عَمِّ قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، كَلِمَةً) نُصِب بدلًا من مقول القول وهو: «لا إله إلَّا الله» (أُحَاجُّ) بضمِّ الهمزة بعدها حاءٌ مُهمَلةٌ وبعد الألف جيمٌ مُشدَّدةٌ، وفي «الجنائز» [خ¦1360]: «أشهد» (لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ) بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزومٍ، وقد أسلم عبد الله هذا يوم الفتح، واستُشهِد في غزوة حُنينٍ (يَا أَبَا طَالِبٍ تَرْغَبُ) ولأبي ذرٍّ: ((أترغب)) بهمزة الاستفهام (عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَالَا يُكَلِّمَانِهِ حَتَّى قَالَ آخِرَ شَيْءٍ كَلَّمَهُمْ بِهِ): أنا (عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ) له (النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ) كما استغفر إبراهيم لأبيه، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ ((لأستغفرنَّ [2] له))؛ بالهاء بدل الكاف (مَا لَمْ أُنْهَ) بضمِّ الهمزة وسكون النُّون مبنيًّا للمفعول (عَنْهُ) أي: ما لم ينهني الله عن الاستغفار له (فَنَزَلَتْ: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوكَانُوا أُولِي قُرْبَى}) أي: ما صحَّ الاستغفارُ في حكم الله وحكمته ({مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [التَّوبة: 113] ) من بعد ما ظهر لهم أنَّهم ماتوا على الشِّرك، فهو كالعلَّة للمنع من الاستغفار لهم، وسقط لأبي ذرٍّ من قوله «{وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى}....» إلى آخره، وقال بعد قوله: «{لِلْمُشْرِكِينَ} إلى {أَصْحَابُ الْجَحِيمِ}» (وَنَزَلَتْ) في أبي طالبٍ، وفي نسخةٍ ((ونزل)): ({إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص: 56] ) أي: أحببت هدايته، أو أحببته لقرابته، أي: ليس ذلك إليك، إنَّما عليك البلاغ، والله يهدي من يشاء، وله الحكمة البالغة والحجَّة الدَّامغة، وقد كان أبو طالبٍ يحوطه عليه الصلاة والسلام وينصره ويحبُّه حبًّا طبيعيًّا لا شرعيًّا، فسبق القدر فيه واستمرَّ على كفره، ولله الحجَّة السَّامية، ولا تنافيَ بين هذه الآية وبين قوله [3]: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشُّورى: 52] لأنَّ الذي أثبته وأضافه إليه الدَّعوة، والذي نفى عنه هداية التَّوفيق وشرح الصَّدر، ويأتي مزيدٌ لِمَا ذُكِر هنا في «تفسير سورة براءة» [خ¦4675] بعون الله.
ج6ص201


[1] «الأسديُّ»: ليس في (ب).
[2] «لأستغفرنَّ»: ليس في (ص) و(م).
[3] «وبين قوله»: ليس في (م).