إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: عجبت من هؤلاء اللاتي كن عندي فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب

3683- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) إبراهيمُ بنُ سعدِ بنِ إبراهيمَ بنِ عبدِ الرَّحمن بنِ عوفٍ (عَنْ صَالِحٍ) هو ابنُ كَيسانَ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّدِ بنِ مسلمٍ الزُّهريِّ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الْحَمِيدِ) بنُ عبد الرَّحمن بنِ زيدِ بن الخطَّابِ (أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سَعْدٍ) بسكون العين (أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَاهُ) سعدَ بنَ أبي وقَّاصٍ (قَالَ) وسقط لأبي ذَرٍّ من قوله «حدثنا علي [1] بن عبد الله» إلى قوله: «أنَّ أباه قال»: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذَرِّ: ((حدَّثنا)) (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ المدنيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بنِ إبراهيمَ بنِ عبد الرَّحمن بنِ عوفٍ (عَنْ صَالِحٍ) هو ابنُ كَيسانَ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ) أي: ابنِ الخطَّاب (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ) رضي الله عنه أنَّه [2] (قَالَ: اسْتَأْذَنَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) رضي الله عنه، وسقط لأبي ذَرٍّ «ابنُ الخطَّاب» (عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدَهُ نِسْوَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ يُكَلِّمْنَهُ) هنَّ مِن أزواجه؛ لقوله: (وَيَسْتَكْثِرْنَهُ) أي: يطلبن منه أكثرَ ممَّا يُعطيهِنَّ، وفي «مسلمٍ»: أنَّهنَّ يطلبْنَ النَّفقةَ حالَ كونِهِنَّ (عَالِيَةً أَصْوَاتُهُنَّ عَلَى صَوْتِهِ) قبلَ النَّهي عن رفع الصَّوت على صوتِه، أو كان ذلك مِن طبعِهِنَّ، قاله ابن المُنَيِّر ومِن قبلِه القاضي عياض، وفي الفرع وأصله: ((عاليةٌ)) بالرَّفع أيضًا على الصفةِ (فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) سقط «ابنُ الخطَّاب» لأبي ذَرٍّ (قُمْنَ فَبَادَرْنَ الْحِجَابَ) أسرعْنَ إليه (فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَدَخَلَ عُمَرُ وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَضْحَكُ) مِنْ فِعْلِهِنَّ (فَقَالَ عُمَرُ: أَضْحَكَ اللهُ سِنَّكَ يَا رَسُولَ اللهِ) مُرادُه: لازمُ الضحكِ وهو السُّرورُ، لا الدُّعاء بالضَّحك (فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَجِبْتُ مِنْ هَؤُلَاءِ) النِّسوة (اللاَّتِي كُنَّ عِنْدِي) يرفعنَ أصواتَهُنَّ (فَلَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ ابْتَدَرْنَ الْحِجَابِ، فَقَالَ) ولأبي ذَرٍّ: ((قال)) (عُمَرُ: فَأَنْتَ أَحَقُّ أَنْ يَهَبْنَ) بفتح الأوَّل والثَّاني [3] مِنَ الهيبة [4]؛ يُوقِّرْنَ (يَا رَسُولَ اللهِ،
ج6ص100
ثُمَّ قَالَ عُمَرُ) لهنَّ: (يَا عَدُوَّاتِ أَنْفُسِهِنَّ؛ أَتَهَبْنَنِي وَلَا تَهَبْنَ [5] رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقُلْنَ: نَعَمْ، أَنْتَ أَفَظُّ وَأَغْلَظُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بمعجمة فيهما، مِنَ الفظاظة والغِلْظة، بصيغة «أفعل» التَّفضيل المقتضية للشِّرْكة في أصل الفعل، لكن يُعارِضُه قولُه تعالى: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159] وأجيبَ: بأنَّ الذي في الآية يقتضي نفيَ وجودِ ذلك له صفةً لازمةً له، فلا يستلزمُ ما في الحديث، بل مجرَّدُ وجودِ الصِّفةِ له في بعض الأحوال كإنكارِ المنكَرِ مثلًا، وقد كان عليه الصلاة والسلام لا يواجِهُ أحدًا بما يَكرَهُ إلَّا في حقٍّ من حقوق الله عزَّ وجلَّ، وكان عمرُ مبالغًا في الزَّجرِ عن المكروهاتِ مطلقًا، وفي طلبِ المندوباتِ كلِّها، فمِن ثَمَّ قال النِّسوة له ذلك (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِيْهًا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ) بكسر الهمزة وسكون التَّحتيَّة منوَّنًا منصوبًا، قال في «الفتح»: وهي روايتنا، أي: لا [6] تبتدِئْنا بحديث، ولأبوي الوقت وذَرٍّ: ((إيهٍ)) بالكسر والتَّنوين، وفي بعضِها: بالكسر بغير تنوين [7] أي: حدِّثنا ما شئتَ، فكأنَّه يقول: أقبلْ على حديثٍ نَعْهَدُه منك، أو على أيِّ حديثٍ كان، وأعرضْ عنِ الإنكار عليهنَّ، وحكى السفاقسيُّ: «إيهِ» بكسرةٍ واحدةٍ في الهاء، وقال: معناه: كُفَّ عن لومِهِنَّ، وقال في «القاموس»: «إِيهِ» بكسر الهمزة والهاء وفتحها وتُنوَّن المكسورة؛ كلمةُ استزادة واستنطاق، و«إيهْ» بإسكان الهاء: زجرٌ بمعنى: حسبُك، و«إيِه» مبنيَّةٌ على الكسر، فإذا وُصِلَتْ نُوِّنَتْ، و«إيهًا» بالنَّصب وبالفتح: أمرٌ بالسُّكوت. انتهى. وقال في «المصابيح»: فإن قلت: قد صرَّحوا بأنَّ ما نُوِّنَ مِن أسماء الأفعال نكرةٌ، وما لم يُنَوَّن منها معرفةٌ، فعلى كونها معرفةً؛ فمن أيِّ أقسام المعارفِ هيَ؟ وأجاب: بأنَّ ابنَ الحاجب في «إيضاحه على المفصَّل» قال: إنَّه ينبغي إذا حُكِمَ بالتَّعريف أن تكون أعلامًا مُسمَّياتُها الفعلُ الذي هي بمعناه، فتكونُ علمًا لمفعوليته، وإذا حُكِمَ بالتَّنكير أن تكون لواحدٍ مِن آحاد الفعل الذي يتعدَّد اللفظُ به، واختَلَفَ حينئذٍ المعنى بالاعتبارين، فـ «صه» بدون تنوينٍ كـ «أسامة» وبالتَّنوين كـ «أسد»، وقال في «شرح المشكاة»: لا شَكَّ أنَّ الأمر بتوقيره صلَّى الله عليه وسلَّم مطلوبٌ لذاته تجب الاستزادةُ منه، فكان قولُ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إيه» استزادة منه في طلب توقيره وتعظيم جانبه، ولذلك عقَّبه بما يدُلُّ على استرضاءٍ ليس بعدَه استرضاء، إحمادًا منه صلَّى الله عليه وسلَّم لفِعاله كلِّها، لا سيَّما هذه الفَعلة حيث قال: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا) بفتح الفاء والجيم المشدَّدة، أي: طريقًا واسعًا (قَطُّ إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ) أي: لشِدَّة بأْسِه، خوفًا مِن أن يَفعلَ به شيئًا، فهو على ظاهرِه، أو هو على طريق ضربِ المَثَل، وأنَّ عمرَ فارَقَ سبيلَ الشيطان، وسلك سبيلَ السَّداد، فخالفَ كلَّ ما يُحبُّه الشَّيطان، قاله عياض، والأوَّلُ أَولى، وهذا لا يقتضي عِصمتَه؛ لأنَّه ليس فيه إلَّا فِرارُ الشَّيطان منه أنْ يشارِكَه في طريقٍ يسلُكُها، ولا يَمنعُ ذلك مِن وسوستِهِ له بحسَبِ ما تصلُ قُدرَتُه إليه.
وهذا الحديث سبق في «باب صفة إبليس وجنوده» [خ¦3294].
ج6ص101


[1] «علي»: ليس في (ص).
[2] «أنه»: مثبتٌ من (م).
[3] في (ص): «بفتح الهاء».
[4] «من الهيبة»: ليس في (ب) و(م).
[5] زيد في (ص): «بفتح الأول والثاني».
[6] «لا»: ضرب عليها في (م).
[7] في (م): «بالكسر بغير تنوين، وفي بعضها بالكسر والتنوين»، وسقط قوله: «وفي بعضها بالكسر بغير تنوين» من (ب) و(س).