إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: لو كنت متخذًا من هذه الأمة خليلًا لاتخذته

3658- وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: ((حدَّثنا)) (حَمَّادُ ابْنُ زَيْدٍ) بنِ درهمٍ الجَهْضَميُّ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) بضمِّ الميم مصغَّرًا، أنَّه (قَالَ: كَتَبَ أَهْلُ الْكُوفَةِ) أي: بعضُهم، وهو عبدُ الله بنُ عُتبةَ بنِ مسعودٍ، وكان ابنُ الزبير جعلَه على قضاء الكوفة كما أخرجه أحمدُ (إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ) عبدِ الله (فِي) مسألة (الْجَدِّ) وميراثِه (فَقَالَ) ابنُ الزبير [1] مُجيبًا لابنِ عُتبةَ: (أَمَّا الَّذِي قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فيه: (لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ خَلِيلًا؛ لَاتَّخَذْتُهُ) فإنَّه (أَنْزَلَهُ أَبًا) أي: أنزلَ الجدَّ منزلةَ الأبِ في استحقاق [2] الميراث، وفيه أنَّه أفتاهم بمثل قولِ أبي بكرٍ، وسيأتي إن شاء الله تعالى مزيد لذلك في «باب ميراث الجد مع الأخوة» في [3] «كتاب الفرائض» [خ¦6737قبل] (يَعْنِي) ابنُ الزبير بالذي أنزل الجدَّ أبًا (أَبَا بَكْرٍ) الصديق [4]، والغرضُ منه هنا قوله: «لو كنتُ متَّخِذًا خليلًا»، وقد أشعر هذا بأنَّ درجةَ الخُلَّة أرفعُ مِن درجة المحبَّة، وقد ثبتتْ محبَّتُه لجماعةٍ مِن أصحابِه كأبي بكرٍ وفاطمةَ، ولا يعكِّرُ عليه اتِّصافُ إبراهيمَ بالخُلَّة ومحمَّدٍ بالمحبَّة، فتكونُ المحبَّةُ أرفعُ مِن رُتبة الخُلَّة؛ إذ محمَّد عليه الصلاة والسلام قد ثبتتْ له الخُلَّة أيضًا كما في حديث ابن مسعود عند مسلمٍ: «وقد اتخذ اللهُ صاحبكم خليلًا»، وأمَّا ما ذكره القاضي عياض في «الشفا» من الاستدلال لتفضيل مقامِ المحبَّة على الخُلَّة: بأنَّ الخليل قال: {لَا تُخْزِنِي} [الشعراء: 87] والحبيب قيل له: {يَوْمَ لَا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ} [التحريم: 8] إلى غير ذلك ممَّا ذكره ففيه نظرٌ؛ لأنَّ مقتضى الفرق بين الشيئين أن يكون [5] في حدِّ ذاتهما؛ يعني: باعتبار مدلول خليل وحبيب، فما ذكره يقتضي تفضيل ذات محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم على ذات إبراهيم عليه الصلاة والسلام من غير نظرٍ إلى ما جعله علَّةً معنويَّة في ذلك من وصف المحبَّة والخُلَّة، فالحقُّ أنَّ الخُلَّة أعلى وأكمل وأفضل من المحبَّة، ثم إنَّ قوله عليه الصلاة والسلام: «لو كنتُ متَّخِذًا خليلًا غير ربِّي» يُشعر [6] بأنَّه لم يكن له خليلٌ مِن بني آدم، وأمَّا [7] ما أخرجه أبو الحسن الحربي في «فوائده» من حديث أُبيِّ بن كعب قال: إنَّ أحدثَ عهدي بنبيِّكم قبل موتِه بخمس: دخلتُ عليه وهو يقول: «إنَّه لم يكن نبيُّ إلَّا وقد اتَّخذ مِن أُمَّتِه خليلًا، وإنَّ خليلي أبو بكرٍ، فإنَّ الله عزَّ وجلَّ اتَّخذني خليلًا كما اتَّخذ إبراهيمَ خليلًا»؛ فهو معارَض بحديث جُندُب عند مسلمٍ: أنَّه سمع النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقول قبل موته بخمس: «إنِّي أبرأ إلى الله عزَّ وجلَّ أن يكون لي منكم خليل»، والذي في «الصحيح» لا يُقاومه غيرُه، وعلى تقدير ثبوت حديث أُبي رضي الله عنه: فيمكن الجمعُ [8] بينهما؛ بأنَّه إنَّما برئ من ذلك تواضعًا لربِّه وإعظامًا
ج6ص86
له، ثم أذن الله له فيه [9] في ذلك اليوم؛ لِمَا رأى من تشوُّقِهِ إليه، وإكرامًا لأبي بكر رضي الله عنه بذلك، وحينئذٍ فلا تنافي بين الخبرين. قاله في «الفتح».
وهذا الحديث من أفراده.
ج6ص87


[1] قوله: «في مسألة الجد...»: ليس في (م).
[2] في غير (ب) و(د): «استحقاقه».
[3] في (ب) و(د) و(س): «من».
[4] «الصديق»: ليس في (د).
[5] في غير (م): «يكونا».
[6] في (م): «يشير».
[7] في (ص) و(م) «فأما».
[8] في (ص) و(م): «أن يجمع».
[9] ليست في (م).