إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ

3673- وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) أبو الحسن العسقلانيُّ الخراسانيُّ الأصل، قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج (عَنِ الْأَعْمَشِ) سليمانَ بنِ مِهرانَ الكوفيِّ أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ ذَكْوَانَ) أبا صالحٍ الزياتِ (يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعدِ بنِ مالكٍ (الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ [1] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي) شاملٌ لِمَنْ لابسَ الفِتَنَ منهم وغيِره [2]؛ لأنَّهم مجتهدون في تلك الحروب، متأوَّلون [3]، فسبُّهُم حرامٌ مِن محرماتِ الفواحش، ومذهبُ الجمهور أنَّ مَن سَبَّهم يُعزَّر ولا يُقتل، وقال بعضُ المالكيَّة: يقتل، ونقل عياضٌ في «الشفا» عن مالك بن أنس وغيرِه أنَّ مَن أبغض الصحابة وسبَّهم فليس له في فيءِ المسلمينَ حقٌّ، ونَزَعَ [4] بآية الحشر {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِنْ بَعْدِهِمْ} الآية [الحشر: 10] وقال: من غاظه [5] أصحاب محمَّد فهو كافر، قال الله تعالى: {لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} [الفتح: 27] ورُوِي حديث: «مَن سبَّ أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يَقبَلُ اللهُ منه صَرْفًا ولا عَدْلًا»، وقال المولى سعد الدين التفتازاني: إنَّ سبَّهم والطعنَ فيهم إن كان ممَّا يخالف الأدلة القطعيَّة فكفرٌ؛ كقذف عائشة رضي الله عنها، وإلا فبدعةٌ وفِسْقٌ، وقد قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «اللهَ اللهَ في أصحابي، لا تتَّخِذُوهم غرضًا مِن بعدي، فمَن أحبَّهم؛ فبِحُبِّي أحبَّهم ومَن أبغضَهُم [6] فببُغْضِي أبغضَهم، ومَن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومَن آذى الله؛ فيوشكُ أن يأخذَه» (فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا) زاد البُرقانيُّ في «المصافحة» من طريق أبي بكر بن عيَّاش [7] عن الأعمش: «كلَّ يومٍ» (مَا بَلَغَ) من الفضيلة والثواب (مُدَّ أَحَدِهِمْ) من الطعام الذي أنفقه (وَلَا نَصِيفَهُ) بفتح النون وكسر الصاد المهملة؛ بوزن رغيف [8]: النصف، وفيه أربع لغات: «نصف» بكسر النون وضمها وفتحها، و«نصيف» بزيادة تحتيَّة، أي: نصف المد، وذلك لِمَا يقارنُه من مزيد الإخلاص وصدق النية وكمال النفس.
وقال الطِّيبيُّ: ويمكن أن يقال: فضيلتُهم بحسب فضيلة إنفاقهم، وعظم موقعها، كما قال تعالى: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ} [الحديد: 10] أي: قبل فتح مكَّةَ، وهذا في الإنفاق، فكيف بمجاهدَتِهِم وبذلِهِم أرواحَهم ومُهَجَهُم، وقد أورد في «الكواكب» سؤالًا فقال: فإن قلتَ: لِمَنِ الخطابُ في قوله: «لا تسبُّوا أصحابي» والصحابةُ هم الحاضرون؟ وأجاب: بأنَّه لغيرِهم مِنَ المسلمين المفروضين في العقل، جعل مَن سيُوجَدُ كالموجود، ووجودَهم المترقب كالحاضر، وتعقَّبه في «الفتح»: بوقوع التصريح في نفس [9] الحديث كما يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى: بأنَّ المخاطبَ بذلك خالدُ بنُ الوليد، حيث كان بينه وبين عبد الرحمن بن عوف شيءٌ فسبَّه خالد، وهو مِنَ الصحابة الموجودين إذ ذاك باتفاق، وقرَّر أنَّ قوله: «فلو أنفق أحدُكم...» إلى آخره فيه إشعارٌ: بأنَّ المراد بقوله أولًا: «أصحابي» أصحابٌ مخصوصون، وإلَّا فالخطابُ كان أولًا للصحابة، وقال: «لو أنَّ أحدُكم أنفق» فنهيُ بعضِ مَن أدرك النبي صلَّى الله عليه وسلَّم وخاطبه بذلك عن سبِّ مَن سبقه؛ يقتضي زجرَ مَن [10] لم يدركِ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم ولم يخاطبه عن سبِّ مَن سبقه مِن باب أولى، وتعقَّبه في «العمدة»: بأنَّ الحديث [11] الذي فيه قِصَّةُ خالدٍ لا يدُلُّ على أنَّه المخاطبُ بذلك فإن الخطاب لجماعةٍ، ولئن سلَّمنا أنَّه المخاطب فلا نُسَلِّم أنَّه [12] كان إذ ذاك صحابيًّا بالاتفاق؛ إذ يحتاج إلى دليل، ولا يظهر ذلك إلَّا بالتاريخ. انتهى.
ج6ص94
وليس في النسخة التي عندي من «الانتقاض» جواب عن ذلك.
(تَابَعَهُ) أي: تابع شعبةَ بنَ الحجَّاج المذكور (جَرِيرٌ) هو ابنُ عبد الحميد، فيما وصله مسلمٌ عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد بلفظ: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن ابن عوف شيءٌ، فسبَّه خالدٌ، فقال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لا تسبُّوا أحدًا من أصحابي»، وهذا ظاهرٌ في أنَّ المخاطب خالدٌ كما قال الحافظ، أمَّا كونه إذ ذاك مسلمًا فيُنظر (وَ) تابع شعبةَ أيضًا (عَبْدُ اللهِ بْنُ دَاوُدَ) بنِ عامرِ بنِ الربيعِ الخُرَيبِيُّ بضمِّ المعجمة وفتح الراء وسكون التحتية بعدَها موحَّدة مكسورة، فيما وصله أحمدٌ في «مسنده» عنه [13] بغير ذكر القِصَّة (وَ) تابعه أيضًا (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّدُ بنُ خازمٍ _بمعجمتين_ الضريرُ، ممَّا وصله أحمد في «مسنده» (وَ) تابعه أيضًا (مُحَاضِرٌ) بضمِّ الميم وفتح الحاء المهملة وبعد الألف ضاد معجمة فراء، ابنُ المُوَرِّع بضمِّ الميم وفتح الواو وتشديد الراء المكسورة بعدها عين مهملة، الكوفيُّ، ممَّا وصله أبو الفتح الحداد في «فوائده» فذكر مثل رواية جرير السابقة، لكن قال: «بين خالد بن الوليد وبين أبي بكر الصديق» بدل عبد الرحمن بن عوف، قال الحافظ ابن حجر: وقول [14] جرير أصحُّ، وكلٌّ مِنَ الأربعة روى ذلك (عَنِ الْأَعْمَشِ) سليمانَ بنِ مِهرانَ.
وحديث الباب أخرجه مسلمٌ [15] في «الفضائل»، وأبو داود في «السنة»، والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «المناقب»، وابن ماجه في «السنة».
ج6ص95


[1] في (م): «رسول الله».
[2] في (م): «غيرهم».
[3] في غير (ب) و(س): «يتأولون».
[4] في غير (ب) و(س): «ونوزع».
[5] في النسخ: «غاظ».
[6] في (م): «بغضهم».
[7] في (ص) و(م): «عبَّاس».
[8] في (ص): «رغيفه».
[9] في (م): «تضمن الأثر».
[10] في (م): «ما».
[11] «بأن الحديث»: ليس في (م).
[12] زيد في (م): «المخاطب بذلك أنه».
[13] «عنه»: ليس في (ص) و(م).
[14] في (م): «قوله».
[15] «مسلمٌ»: ليس في (ب).