إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: ائذن له وبشره بالجنة

          3674- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِسْكِينٍ) أي: ابن نُميلة بالنُّون مصغَّرًا، اليمانيُّ نزيل بغداد (أَبُو الحَسَنِ) قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ) التِّنِّيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ) بنُ بلالٍ القرشيُّ التَّيميُّ مولى القاسم بن محمَّد بن أبي بكر الصديق وكان بربريًّا (عَنْ شَرِيكِ ابْنِ أَبِي نَمِرٍ) بفتح النُّون وكسر الميم، نسبه لجده، واسمُ أبيه: عبدُ الله (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ) أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو مُوسَى) عبدُ الله بنُ قيسٍ (الأَشْعَرِيُّ) ☺ (أَنَّهُ تَوَضَّأَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ خَرَجَ) منه، قال أبو موسى: (فَقُلْتُ: لَأَلْزَمَنَّ) بفتح اللَّام الأولى آخره نون توكيدٍ ثقيلةٌ (رَسُولَ اللهِ صلعم ، وَلَأَكُونَنَّ) بفتح اللَّام والنُّون الثَّقيلة أيضًا (مَعَهُ يَوْمِي هَذَا، قَالَ: فَجَاءَ) أبو موسى (المَسْجِدَ، فَسَأَلَ عَنِ النَّبِيِّ صلعم ، فَقَالُوا) له: (خَرَجَ وَوَجَّهَ) بفتح(1) الواو والجيم المشدَّدة بصيغة الماضي، أي: توجَّه، أي: وجَّه نفسَه (هَهُنَا) وسقط لأبي ذَرٍّ: الواو الأولى، مع تشديد الجيم، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: ”وجْه“ بسكون الجيم مضافًا إلى الظرف؛ وهو «ههنا» أي: جهة كذا، قال أبو موسى: (فَخَرَجْتُ) من المسجد (عَلَى إِثْرِهِ) بكسر الهمزة وسكون المثلَّثة، ولأبي ذَرٍّ: ”أَثَرِه“ بفتح الهمزة والمثلَّثة (أَسْأَلُ عَنْهُ) ╕ (حَتَّى) وجدتُه (دَخَلَ بِئْرَ أَرِيسٍ) بفتح الهمزة وكسر الرَّاء وسكون التَّحتيَّة بعدها سين(2) مهملة، مصروفٌ في الفرع وأصله، ونصَّ عليه ابنُ مالكٍ، بستانٌ بالقُرب مِن قُباء، قال أبو موسى: (فَجَلَسْتُ عِنْدَ البَابِ، وَبَابُهَا مِنْ جَرِيدٍ حَتَّى قَضَى رَسُولُ اللهِ صلعم حَاجَتَهُ فَتَوَضَّأَ، فَقُمْتُ إِلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى(3) بِئْرِ أَرِيسٍ وَتَوَسَّطَ قُفَّهَا) بضمِّ القاف وتشديد الفاء؛ حافَّةُ البئر، أو الدَّكَّةُ(4) التي حولها (وَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ) الكريمتين (وَدَلَّاْهُمَا) أي: أرسلَهُما (فِي البِئْرِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ) سلام الله وصلاته عليه (ثُمَّ انْصَرَفْتُ فَجَلَسْتُ عِنْدَ البَابِ، فَقُلْتُ: لَأَكُونَنَّ بَوَّابَ رَسُولِ اللهِ) ولأبي ذَرٍّ: ”بوابًا للنبيِّ“ ( صلعم اليَوْمَ) وسقط لفظ «اليوم» في الفرع وثبت في «اليونينيَّة»، وزاد المؤلِّف في «الأدب» [خ¦7097] من رواية محمَّد بن جعفر عن شريك: ولم يأمرني‼، وفي «صحيح أبي عَوانة» من طريق عبد الرحمن بن حَرْمَلة عن سعيد بن المسيَّب: فقال لي: «يا أبا موسى؛ املك عليَّ الباب» فانطلق فقضى حاجته وتوضأ، ثم جاء فقعد على قُفِّ البئر، وعند التِّرمذيِّ من طريق أبي(5) عثمان عن أبي موسى: فقال لي: «يا أبا موسى؛ املك عليَّ الباب(6) فلا يدخل عليَّ أحد» وهذا مع حديث الباب ظاهرُه التعارُض، وجَمَعَ بينهما النَّوويُّ باحتمال أنَّه ╕ أمرَه بحفظ الباب أوَّلًا إلى أن يَقضي حاجتَه ويتوضَّأ(7)؛ لأنَّها حالة يستترُ فيها، ثم حفظ الباب أبو موسى بعد ذلك مِن تلقاءِ نفسه. انتهى. / وأمَّا قولُه: «فقلت: لأكوننَّ» فقال في «الفتح»: فيَحتمل(8) أنَّه لمَّا حدَّث نفسه بذلك؛ صادف أمرَ النَّبيِّ صلعم بأنْ يحفظَ عليه الباب (فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ) الصديقُ ☺ (فَدَفَعَ البَابَ) مستأذنًا في الدخول(9) (فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ، فَقُلْتُ: عَلَى رِسْلِكَ) بكسر الرَّاء، أي: تمهَّل وتأنَّ (ثُمَّ ذَهَبْتُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ هَذَا أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ) في الدخول عليك (فَقَالَ: ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالجَنَّةِ، فَأَقْبَلْتُ حَتَّى قُلْتُ لِأَبِي بَكْرٍ: ادْخُلْ، وَرَسُولُ اللهِ صلعم يُبَشِّرُكَ بِالجَنَّةِ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ) ☺ (فَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ رَسُولِ اللهِ صلعم مَعَهُ فِي القُفِّ، وَدَلَّى رِجْلَيْهِ فِي البِئْرِ كَمَا صَنَعَ النَّبِيُّ صلعم ، وَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ) موافقةً له ╕ ، وليكونَ أبلغَ في بقائِه ╕ على حالتهِ وراحتِه، بخلاف ما إذا لم يفعل ذلك، فربَّما استحيا منه فيرفع رجليه الشَّريفتين، قال أبو موسى: (ثُمَّ رَجَعْتُ فَجَلَسْتُ) على الباب (وَقَدْ) كنتُ قبلُ (تَرَكْتُ أَخِي) أبا بردةَ عامرًا أو أخي أبا رُهْمٍ (يَتَوَضَّأُ وَيَلْحَقُنِي، فَقُلْتُ: إِنْ يُرِدِ اللهُ بِفُلَانٍ خَيْرًا _يُرِيدُ أَخَاهُ_) أبا بُردة أو أبا رُهْمٍ (يَأْتِ بِهِ، فَإِذَا إِنْسَانٌ يُحَرِّكُ البَابَ) مستأذنًا (فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، فَقُلْتُ) له: (عَلَى رِسْلِكَ، ثُمَّ جِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلعم فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: هَذَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ يَسْتَأْذِنُ، فَقَالَ: ائْذَنْ لَهُ، وَبَشِّرْهُ بِالجَنَّةِ، فَجِئْتُ فَقُلْتُ) له: (ادْخُلْ، وَبَشَّرَكَ رَسُولُ اللهِ صلعم بِالجَنَّةِ) زاد أبو عثمانَ في روايته الآتية إن شاء الله تعالى في «مناقب عثمان» [خ¦3693] «فحمد الله»، وكذا قال في عثمان (فَدَخَلَ، فَجَلَسَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلعم فِي القُفِّ عَنْ يَسَارِهِ، وَدَلَّى رِجْلَيْهِ فِي البِئْرِ) وسقط قوله: «فدخل» لأبي ذَرٍّ (ثُمَّ رَجَعْتُ فَجَلَسْتُ، فَقُلْتُ: إِنْ يُرِدِ اللهُ بِفُلَانٍ خَيْرًا يَأْتِ بِهِ) يريد به(10) أخاه (فَجَاءَ إِنْسَانٌ يُحَرِّكُ البَابَ) مستأذنًا (فَقُلْتُ) له: (مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ(11) فَقُلْتُ) له: (عَلَى رِسْلِكَ، فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ) ولأبي ذَرٍّ: ”إلى النَّبيِّ“ ( صلعم فَأَخْبَرْتُهُ) زاد أبو عثمان [خ¦3693] «فسكت هُنيهَةً»(12) (فَقَالَ: ائْذَنْ لَهُ، وَبَشِّرْهُ بِالجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى تُصِيبُهُ)‼ هي البلية(13) التي صار بها شهيد الدَّار مِنْ أذى المحاصرةِ والقتلِ وغيره (فَجِئْتُهُ فَقُلْتُ لَهُ: ادْخُلْ، وَبَشَّرَكَ رَسُولُ اللهِ صلعم بِالجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى تُصِيبُكَ) زاد في رواية أبي عثمان [خ¦3695] «فحمد الله، ثمَّ قال: اللهُ المستعان» وفيه تصديقُ النَّبيِّ صلعم فيما أخبره به (فَدَخَلَ فَوَجَدَ القُفَّ قَدْ مُلِئَ) بالنَّبيِّ صلعم والعُمَرَين (فَجَلَسَ وُِجَاهَهُ) ╕ ؛ بضمِّ الواو وكسرها، أي: مُقابِلَه ╕ (مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ. قَالَ شَرِيكٌ) بالسَّند السَّابق، وفي نسخة «اليونينيَّة» وفرعها: ”قال شريك بن عبد الله“: (قَالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: فَأَوَّلْتُهَا) أي: جمعيةَ الصَّاحبين معه صلعم ومقابلةَ عثمانَ له (قُبُورَهُمْ) مِن جهةِ كونِ العُمَرَين مُصاحبينِ له عند الحضرة المقدَّسة، لا(14) من جهة أنَّ أحدهما في اليمين والآخر في اليسار، وأنَّ عثمان في البقيع مقابلًا لهم، قال النَّوويُّ: وهذا مِن باب الفِراسة الصادقة.
          وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الفتن» [خ¦7097]، ومسلمٌ في «الفضائل».


[1] في (م): «وبفتح».
[2] «سين»: ليس في (ص) و(م).
[3] في (م): «من».
[4] في (م): «البركة».
[5] كلمة: «أبي» سقطت من الأصل، وهي ثابتة في «الترمذي» و«الفتح».
[6] قوله: «فانطلق فقضى حاجته وتوضأ... أملك علي الباب» سقط من (ص) و(م).
[7] في (ص) و(م): «توضأ».
[8] في (ص): «فيحمل»، وفي (م): «فتحمل».
[9] في (ب): «الولوج».
[10] «به»: ليس في (ص) و(م).
[11] قوله «فقلت له: من هذا؟ فقال عثمان بن عفان»: سقط من(م).
[12] في (ص) و(ل) و(م): «هنية».
[13] في (م): «في الليلة».
[14] في (م): «إلا».