إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

[كتاب فضائل الصحابة]

بَابُ فَضَائِلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وسقط «الباب» لأبي ذرٍّ، فما بعدَه رفعٌ (وَمَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) [1] في زمن نبوته ولو ساعة (أَوْ رَآهُ) في حال حياته ولو لحظةً مع زوال المانع مِنَ الرؤية كالعمى، حالَ كونِه في [2] وقت الصحبة أو الرؤية (مِنَ الْمُسْلِمِينَ) العقلاء ولو أنثى أو عبدًا أو غيرَ بالغ أو جِنِّيًّا أو مَلَكًا على القول ببعثته إلى الملائكة (فَهْوَ مِنْ أَصْحَابِهِ) خبرُ المبتدأِ الذي هو «مَنْ» الموصول، و«صحب» [3] صِلَتُه، ودخول الفاء في «فهو» لتضمُّنِ المبتدأ [4] معنى الشرط، و«أو» في قوله: «أو رآه» للتقسيم، والضمير المنصوب للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، أو [5] للصاحب، والاكتفاء بمجرَّدِ الرؤيةِ مِن غير مجالسة ولا مماشاة ولا مكالمة مذهبُ الجمهور مِنَ المحدِّثين والأصوليِّينَ؛ لشرف منزلتِهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، فإنَّه كما صرَّح به غيرُ واحدٍ إذا رآه مسلمٌ أو رأى مسلمًا لحظةً طُبِعَ قلبُه على الاستقامة، إذ إنَّه بإسلامه متهيِّءٌ للقبول، فإذا قابل ذلك النور المحمَّديَّ أشرق عليه فظهر أثرُه في قلبه وعلى جوارحه، والصحبةُ لغةً: تتناول ساعة فأكثر [6]، وأهلُ الحديث كما قال النوويُّ قد نقلوا الاستعمال في الشرع والعرف على وَفق اللغة، وإليه ذهب الآمدي واختاره ابنُ الحاجب، فلو حلف لا يصحُبه حَنِثَ بلحظةٍ، وعدَّ في «الإصابة» مَن حضر معه عليه الصلاة والسلام حجَّة الوداع من أهل مكَّة والمدينة والطائف وما بينهما من الأعراب، وكانوا أربعين ألفًا؛ لحصول [7] رؤيتِهِم له صلَّى الله عليه وسلَّم وإن لم يرهم هو، بل ومن [8] كان مؤمنًا به [9] زمن الإسراء إن ثبت أنَّه عليه الصلاة والسلام كُشِفَ له في ليلته عن جميع مَن في الأرض فرآه وإن لم يلقه؛ لحصول الرؤية مِن جانبه صلَّى الله عليه وسلَّم، وهذا كغيرهِ يَرُدُّ على ما قاله صاحب «المصابيح»: ليس الضميرُ المستتر في قول البخاري: «أو رآه» يعود على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ لأنَّه يلزم عليه أن يكون مَن وقع عليه بصرُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم صحابيًّا، وإن لم يكن هو قد وقع بصرُه على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم [10]، ولا قائلَ به. انتهى. وأمَّا ابنُ أمِّ مكتوم وغيرُه ممَّن كان من الصحابة أعمى فيدخل في قوله: «ومَن صحب»، وكذا في قوله [11]: «أو رآه النبي صلَّى الله عليه وسلَّم» على [12] ما لا يخفى، وقول الحافظ الزين العراقي في «شرح ألفيته»: إن في دخول الأعمى الذي جاء إليه صلَّى الله عليه وسلَّم ولم يصحبه ولم يجالسه في قول البخاري في «صحيحه»: «مَن صحب النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم ورآه [13]» نظرٌ، ظاهرُه أنَّ في نسختِه التي وقف عليها: «ورآه» بواو العطف من غير ألف، فيكون التعريف مركَّبًا من الصحبة والرؤية معًا، فلا يدخل الأعمى كما قال، لكن في جميع ما وقفتُ عليه من الأصول المعتمدة: «أو» التي للتقسيم، وهو الظاهر، لا سيما وقد صرَّح غيرُ واحدٍ بأنَّ البخاريَّ تَبِعَ في هذا التعريف شيخهَ ابنَ [14] المدينيِّ، والمنقولُ عنه «أو» بالألف، وأمَّا الصغير الذي لا يميِّز كعبدِ الله بن الحارث بن نوفل، وعبد الله بن أبي طلحة الأنصاريِّ ممَّن حنَّكَه صلَّى الله عليه وسلَّم أو دعا [15] له، ومحمَّد بن أبي بكر الصديق المولود قبل وفاته صلَّى الله عليه وسلَّم بثلاثة أشهر وأيام، فهو وإن لم تصحَّ [16] نسبةُ [17] الرؤية إليه صحابيٌّ؛ مِن حيثُ إنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم رآه كما مشى عليه غيرُ واحدٍ ممَّن [18] صنَّفَ في الصحابة، وأحاديثُ هؤلاء مِن قَبيل مراسيل كبار التابعين، ثم إنَّ التقييد بالإسلام يُخرِجُ من رآه في حال الكفر فليس بصاحبٍ على المشهور ولو أسلم كرسول قيصر، وإنْ أخرج له الإمامُ أحمدُ في «مسنده»، وقد زاد الحافظ ابن حجر كشيخه الزين العراقي في التعريف: ومات على الإسلام؛ ليُخرج مَنِ ارتدَّ بعد أنْ رآه مؤمنًا ومات على الرِّدَّة؛ كابن خَطَل [19]، فلا يُسَمَّى صحابيًّا، بخلافِ مَنْ مات بعد رِدَّتِه مُسلمًا في حياتِه صلَّى الله عليه وسلَّم أو بعدَه [20] سواء لقيه ثانيًا أم لا.
وتُعقِّب بأنَّه يسمَّى قبل الرِّدَّة صحابيًّا، ويكفي ذلك في صِحَّة التعريف؛ إذْ لا يُشترط فيه الاحتراز عن المُنافي العارض [21]، ولذا لم يحترزوا في تعريف المؤمن عن الردَّة العارضة لبعض أفراده، فمَن زاد في التعريف أراد تعريف مَن يُسمَّى صحابيًّا بعد انقراض
ج6ص79
الصحابة لا مطلقًا، وإلَّا لزمه ألَّا يسمَّى الشخصُ صحابيًّا [22] في حال حياته، ولا يقولُ بهذا أحد كذا قرره الجلال المحليِّ، لكن انتَزَع بعضُهم من قول الأشعريِّ: أنَّ مَن مات مرتدًّا تبيَّن أنَّه لم يزل كافرًا _لأنَّ الاعتبار بالخاتمة_ صِحَّةَ إخراجِه؛ فإنَّه يصحُّ أن يُقال: لم يَرَهُ مؤمنًا، لكن في هذا الانتزاع نظرٌ؛ لأنَّه حين رؤياه [23] كان مؤمنًا في الظاهر، وعليه مدارُ الحكمِ الشرعيِّ فيُسمَّى صحابيًّا. قاله شيخُنا في «فتح المغيث».
ج6ص80


[1] قوله: «وسقط الباب لأبي ذر...»: سقط من (م).
[2] «في»: ليس في (م).
[3] في (م): «صحة».
[4] في غير (د): «الابتداء».
[5] في (م): «و».
[6] في غير (ب) و(س): «وكثر».
[7] في (م): «بحصول».
[8] في (م): «إن».
[9] «به»: ليس في (ص)، وزيد بعده في (م): «و».
[10] قوله: «وإن لم يكن هو قد وقع بصره...»: سقط من (ص) و(م).
[11] في (ب): «قولهم».
[12] في (ص): «لما».
[13] في (ص) و(م): «أو رآه».
[14] «ابن»: ليس في (م).
[15] في (د): «ودعا».
[16] في (د) و(ص) و(م): «يصح».
[17] في (م): «نسبته إلى».
[18] في (م): «من».
[19] في (م): «حنظل».
[20] في غير (د) و(م) زيادة: «على».
[21] في (ص) و(م): «المعارض».
[22] قوله: «بعد انقراض الصحابة لا مطلقًا...»: سقط من (م).
[23] في (ب) و(س): «رؤيته».