إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

الصحيح وأصح الأسانيد وحكم تصحيح المتأخرين

[الصحيح وأصح الأسانيد وحكم تصحيح المتأخرين]
والصَّحيح:
ما اتَّصل سندُه بعدولٍ ضابطين بلا شذوذٍ، بألَّا يكون الثِّقة خالف أرجح منه حفظًا أو عددًا مخالفةً لا يمكن الجمع، ولا علَّةٍ خفيَّةٍ قادحةٍ مُجمَعٍ عليها، أي: إسناده صحيح، لا أنَّه مقطوعٌ به في نفس الأمر؛ لجواز خطأ الضَّابط الثِّقة ونسيانه، نعم؛ يُقطَع به إذا تواتر، فإن لم يتَّصل بأن حُذِف من أوَّل سنده أو جميعه لا وسطه؛ فمعلَّقٌ، وهو في «صحيح البخاريِّ» يكون مرفوعًا وموقوفًا، يأتي البحث فيه _إن شاء الله تعالى_ في الفصل التَّالي، والمختار: لا يُجزم في سندٍ بأنَّه أصحُّ الأسانيد مطلقًا غير مقيَّدٍ بصحابيِّ تلك التَّرجمة لعسر الإطلاق؛ إذ يتوقَّف على وجود درجات القبول في كلِّ فردٍ فردٍ من رواة السَّند المحكوم له، فإن قُيِّد بصاحبها [1] ساغ فيُقال مثلًا: أصحُّ أسانيد أهل البيت: جعفر بن محمَّدٍ عن أبيه عن جدِّه عن عليٍّ رضي الله عنهم، إذا كان الرَّاوي عن جعفرٍ ثقةً، وأصحُّ أسانيد الصِّدِّيق رضي الله عنه: إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازمٍ عن أبي بكرٍ، وأصحُّ أسانيد عمر رضي الله عنه: الزُّهريُّ عن سالمٍ عن أبيه عن جدِّه، وأصحُّ أسانيد أبي هريرة رضي الله عنه: الزُهريُّ عن سعيدِ بن المسيَّب عن أبي هريرة، وأصحُّ أسانيد ابن عمر: مالكٌ عن نافعٍ عن ابن عمر، وأصحُّ أسانيد عائشة: عبيد الله بن عمر عن القاسم عن عائشة رضي الله عنها وعنهم أجمعين.
ويُحكَم بتصحيح نحو جزءٍ نَصَّ على صحَّته مَنْ يُعتَمد عليه من الحفَّاظ النُّقَّاد، فإن لم ينصَّ على صحَّته معتَمدٌ فالظَّاهرُ جوازُ تصحيحه لمن تمكَّنت معرفتُه وقويَ إدراكُه، كما ذهب إليه ابن القطَّان والمنذريُّ والدِّمياطيُّ والسُّبكيُّ وغيرهم؛ خلافًا لابن الصَّلاح، حيث مَنَعَ لضعف أهل هذه الأزمان.
ج1ص8


[1] في (م): «بصحابي».