إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

آداب طالب الحديث

[آداب طالب الحديث]
وليُصلِح النِّيَّة في التَّحديث؛ بحيث يكون مخلصًا لا يريد بذلك غرضًا [1] دنيويًّا، بعيدًا عن حبِّ الرِّياسة ورعوناتها، وليقرأ الحديث بصوتٍ حسنٍ فصيحٍ مرتَّلٍ، ولا يسرده سردًا؛ لئلَّا يلتبس أو يمنع السَّامع من إدراك بعضه، وقد تسامح بعض النَّاس في ذلك، وصار يعجِّل استعجالًا بحيث يمنع السَّامع من إدراك حروف كثيرةٍ بل كلماتٍ، والله تعالى بمنِّه وكرمه يهدينا سواء السَّبيل.
(لطيفةٌ): أنبأني الحافظ نجم الدِّين ابن الحافظ تقيِّ الدِّين، وقاضي القضاة أبو المعالي محبُّ الدِّين، المكِّيَّان بها، والمحدِّث العلَّامة ناصر الدِّين أبو الفرج المدنيُّ بها، قالوا: أخبرنا الإمام زين الدِّين بن الحسين وآخرون عن قاضي القضاة أبي عمر عبد العزيز بن قاضي القضاة بدر الدِّين الكنانيِّ، قال: قرأت على الأستاذ أبي حيَّان محمَّد بن يوسف بن عليٍّ، قال: حدَّثنا الأستاذ أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزُّبير، قال أبو عمر: ولي منه إجازةٌ، قال: حدَّثنا القاضي أبو عبد الله محمَّد بن عبد الله بن أحمد الأزديُّ، قال: حدَّثنا أبو عبد الله محمَّد بن حسن بن عطيَّة (ح): قال أبو حيَّان: وأنبأنا الأصوليُّ أبو الحسين ابن القاضي أبي عامر بن ربيعٍ عن أبي الحسن أحمد بن عليٍّ الغافقيُّ، قال: أخبرنا عياضٌ (ح)، قال أبو حيَّان: وكتب لنا الخطيب أبو الحجَّاج يوسف بن أبي رُكانَة عن القاضي أبي القاسم أحمد بن عبد الودود بن سَمَجُون، قال عياضٌ [2]: أخبرنا القاضي أبو بكرٍ محمَّد بن عبد الله بن العربي المعافريُّ، قال: أخبرنا أبو محمَّدٍ هبة الله بن أحمد الأكفانيُّ، قال: حدَّثنا الحافظ عبد العزيز بن أحمد بن محمَّدٍ الكنانيُّ الدِّمشقيُّ، قال [3]: حدَّثنا أبو عصمة نوح بن الفرغانيِّ، قال: سمعت أبا المظفَّر عبد الله بن محمَّد بن عبد الله بن قتٍّ الخزرجيَّ، وأبا بكرٍ محمَّد بن عيسى البخاريَّ، قالا [4]: سمعنا أبا ذرٍّ عمَّار بن محمَّد بن مخلد التَّميميَّ يقول: سمعت أبا المظفَّر محمَّد بن أحمد بن حامد بن الفضل البخاريَّ يقول: لمَّا عُزِل أبو العبَّاس الوليد بن إبراهيم بن زيدٍ [5] الهَمَذَانيُّ عن قضاء الرَّيّ؛ ورد بخارى سنة ثمان عشرة وثلاث مئةٍ؛ لتجديد مودَّةٍ كانت بينه وبين أبي الفضل البلعميِّ، فنزل في جوارنا، فحملني معلِّمي أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم الخُتَّليُّ إليه، فقال له: أسألك أن تحدِّث هذا الصَّبيَّ عن مشايخك، فقال: ما لي سماعٌ، قال: فكيف وأنت فقيهٌ؟ فما هذا؟ قال: لأنِّي لمَّا بلغت مبلغ الرِّجال؛ تاقت نفسي إلى معرفة الحديث ورواية الأخبار وسماعها، فقصدت محمَّد بن إسماعيل البخاريَّ ببخارى صاحب «التاريخ»، والمنظور إليه في علم الحديث، وأعلمته مرادي، وسألته الإقبال على ذلك، فقال لي: يا بنيَّ؛ لا تدخل في أمرٍ إلَّا بعد معرفة حدوده، والوقوف على مقاديره، فقلت: عرِّفني _رَحِمَك الله_ حدود ما قصدتك له، ومقادير ما سألتك عنه، فقال لي: اعلم أنَّ الرَّجل لا يصير محدِّثًا كاملًا في حديثه إِلَّا بعد أن يكتب أربعًا مع أربعٍ، كأربعٍ مثل أربعٍ، في أربعٍ عند أربعٍ، بأربعٍ على أربعٍ، عن أربعٍ لأربعٍ، وكلُّ هذه الرُّباعيَّات لا تتمُّ إلَّا بأربعٍ مع أربعٍ، فإذا تمَّت له كلُّها؛ هان عليه أربعٌ، وابتُلِي بأربعٍ، فإذا صبر على ذلك، أكرمه الله تعالى في الدنيا بأربعٍ، وأثابه في الآخرة بأربعٍ.
قلت له: فسِّر لي _رحمك الله_ معاني ما ذكرت من أحوال هذه الرُّباعيات، من قلب صافٍ بشرحٍ كافٍ وبيانٍ شافٍ؛ طلبًا للأجْر الوافي، فقال: نعم؛ الأربعة التي يُحتَاج إلى كتبها هي: أخبار الرَّسول صلى الله عليه وسلم وشرائعه، والصَّحابة رضي الله عنهم ومقاديرهم،
ج1ص18
والتَّابعون وأحوالهم، وسائر العلماء وتواريخهم، مع أسماء رجالهم وكناهم وأمكنتهم وأحوالهم وأزمنتهم؛ كالتَّحميد مع الخطب، والدُّعاء مع التُّوسُّل، والبسملة مع السُّورة، والتَّكبير مع الصَّلوات؛ مثل: المُسنَدات والمُرسَلات والموقوفات والمقطوعات، في صغره وفي إدراكه، وفي شبابه وفي كهولته، عند فراغه وعند شغله، وعند فقره وعند غناه، بالجبال والبحار، والبلدان [6] والبراري، على الأحجار والأخزاف [7]، والجلود والأكتاف، إلى الوقت الذي يمكنه نقلها إلى الأوراق، عمَّن هو فوقه وعمَّن هو مثله وعمّن هو دونه، وعن كتاب أبيه يتيقَّن أنَّه بخطِّ أبيه دون غيره؛ لوجه الله تعالى طلبًا لمرضاته، والعمل بما وافق كتاب الله عزَّ وجلَّ منها، ونشرها بين طالبيها ومحبِّيها، والتَّأليف في إحياء ذكره بعده، ثمَّ لا تتمُّ له هذه الأشياء إلَّا بأربعٍ هي من كسب العبد؛ أعني: معرفة الكتابة واللُّغة والصَّرف والنَّحو، مع أربعٍ هي من إعطاء الله تعالى؛ أعني: القدرة والصِّحَّة والحرص والحفظ، فإذا تمَّت له هذه الأشياء كلُّها؛ هان عليه أربعٌ: الأهل والولد والمال والوطن، وابتُلِي بأربعٍ: بشماتة الأعداء، وملامة الأصدقاء، وطعن الجهلاء، وحسد العلماء، فإذا صبر على هذه المِحَن؛ أكرمه الله عزَّ وجلَّ في الدُّنيا بأربعٍ: بعزِّ القناعة، وبهيبة النفس، وبلذَّة العلم، وبحياة الأبد، وأثابه في الآخرة بأربعٍ: بالشَّفاعة لمن أرادهُ من إخوانه، وبظلِّ العرش يوم لا ظلَّ إلَّا ظلُّه، وبسقي من أراد من حوض نبيِّه صلى الله عليه وسلم، وبمجاورة النَّبيِّين في أعلى عليِّين في الجنَّة، فقد أعلمتك يا بنيَّ مجملًا لجميع ما سمعتُ من مشايخي، متفرِّقًا في هذا الباب، فأَقْبِلِ الآن إلى ما قصدتَ إليه أو دَعْ. فهالني قوله، فسكتُّ متفكِّرًا، وأطرقت متأدِّبًا، فلمَّا رأى ذلك منِّي؛ قال: وإن لم تُطِقْ حمل هذه المشاقِّ كلِّها؛ فعليك بالفقه، يمكنك تعلُّمه وأنت في بيتك قارٌّ ساكنٌ، لا تحتاج إلى بُعْد الأسفار، ووطء الدِّيار، وركوب البحار، وهو مع ذا ثمرةُ الحديث، وليس ثوابُ الفقيه دون ثواب المحدِّث في الآخرة، ولا عزُّه بأقلَّ من عزِّ المحدِّث. فلمَّا سمعت ذلك نقص عزمي في طلب الحديث، وأقبلت على دراسة الفقه وتعلُّمه إلى أن صرت فيه متقدِّمًا، ووقفت منه على معرفة ما أمكنني من تعلُّمه بتوفيق الله تعالى ومنَّته، فلذلك لم يكن عندي ما أُمليه على هذا الصَّبيِّ يا أبا إبراهيم، فقال له أبو إبراهيم: إنَّ هذا الحديث الواحد الذي لا يوجد عند غيرك خيرٌ للصَّبيِّ من ألف حديثٍ يجده عند غيرك. انتهى [8].
وقد قال الخطيب البغداديُّ الحافظ: إنَّ علم الحديث لا يَعْلق إِلَّا بمن قَصَر نفسه عليه، ولم يضمَّ غيره من الفنون إليه. وقال إمامنا الشَّافعيُّ رحمه الله تعالى: أتريد أن تجمع بين الفقه والحديث؟ هيهات. والله سبحانه وتعالى وليُّ التَّوفيق والعصمة، وله الحمد على كلِّ حالٍ، وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّد وآله وصحبه وسلم.
ج1ص19


[1] في (ب): «عرضًا»، وفي (ص) و (م): «عوضًا».
[2] في (ل): «قال وعياض».
[3] «قال»: مثبتٌ من (م).
[4] في (ب) و (س): «قال»، وفي (ص): «قال: سمعتُ».
[5] في (م): «يزيد»، وهو تحريفٌ.
[6] في (د): «الوديان».
[7] وفي (ص): «والأحزان»، ولعلَّه تحريفٌ، وفي (م): «الأجواف».
[8] قال السَّخاويُّ في «الجواهر والدرر في ترجمة الحافظ ابن حجر»، يقول أحمد بن علي بن حجر: إنني منذ قرأت هذه الحكاية إلى أن كتبت هذه الأسطر، وقلبي نافرٌ من صحَّتها، مستبعد لثبوتها، وتلوح أمارات الوضع عليها، وتُلمح إشارات التَّلفيق فيها، ولا يقع في قلبي أنَّ محمد بن إسماعيل البخاريَّ يقول هذا ولا بعضه.