إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

المرسل

والمُرسَل:
ما رفعه تابعيٌّ مطلقًا، أو تابعيٌّ كبيرٌ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وهو ضعيفٌ لا يُحتَجُّ به كما عند الشَّافعيِّ والجمهور، واحتجَّ به أبو حنيفة ومالكٌ وأحمد في المشهور عنه، فإن اعتُضِدَ بمجيئه من وجهٍ آخر مسندًا، أو مرسلًا أخذ مُرسِله العلم عن غير رجال المُرسَل الأوَّل؛ احتُجَّ به، ومن ثمَّ احتجَّ الشَّافعيُّ بمراسيل سعيد بن المسيَّب؛ لأنَّها وُجدت مسانيدَ من وجوهٍ أُخر.
قال النَّوويُّ: إنَّما اختلف أصحابنا المتقدِّمون في معنى قول الشَّافعيِّ: إرسال سعيد بن المسيِّب عندنا حسنٌ على قولين؛ أحدهما: أنها حجَّةٌ عنده، بخلاف غيرها من المراسيل؛ لأنَّها وُجِدت مُسنَدةً، ثانيهما: أنَّها ليست بحجَّةٍ عنده، بل كغيرها، وإنَّما رَجَّحَ الشَّافعيُّ بمُرسَله، والتَّرجيح بالمُرسَل جائزٌ.
قال الخطيب: والصَّواب الثَّاني، وأمَّا الأوَّل فليس بشيءٍ؛ لأنَّ في مراسيل سعيدٍ ما لم يوجد بحالٍ من وجهٍ يصحُّ، وأمَّا مُرسَل الصَّحابيِّ كابن عبَّاسٍ وغيره من صغار الصَّحابة عنه صلى الله عليه وسلم ممَّا لم يسمعوه منه فهو حُجَّةٌ، وإذا تعارض الوصل والإرسال بأن تختلف الثِّقات في حديثٍ، فيرويه بعضهم متَّصلًا وآخر مرسلًا؛ كحديث: «لا نكاحَ إلَّا بوليٍّ» رواه إسرائيلُ وجماعةٌ عن أبي إسحاق السَّبيعيِّ عن أبي بُردةَ عن أبي موسى عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ورواه الثَّوريُّ وشعبةُ عن أبي إسحاق عن أبي بردةَ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ فقيل: الحكم للمُسنِد إذا كان عدلًا ضابطًا، قال الخطيب: وهو الصَّحيح، وسُئِلَ عنه البخاريُّ فحَكَمَ لمن وصل، وقال: الزِّيادة من الثِّقة مقبولةٌ، هذا مع أنَّ المرسِل شعبة وسفيان، ودرجتهما في [1] الحفظ والإتقان معلومةٌ، وقِيلَ: الحكم للأكثر، وقِيلَ: للأحفظ، وإذا قلنا به وكان المرسِل الأحفظ فلا يُقدَح في عدالة الواصل وأهليَّته على الصَّحيح، وإذا تعارض الرَّفع والوقف بأن يرفع ثقةٌ حديثًا وقَفَهُ ثقةٌ غيرُه فالحكمُ للرَّافع؛ لأنَّه مُثبِتٌ وغيرُه ساكتٌ، ولو كان نافيًا فالمثبِت مقدَّمٌ، وتُقبَل زيادة الثِّقات مطلقًا على الصَّحيح، سواءً كانت من شخصٍ واحدٍ، بأن رواه مرَّةً ناقصًا، ومرَّةً أخرى وفيه تلك الزِّيادة، أو كانت الزيادة مِن غير مَن رواه ناقصًا، وقِيلَ: بل مردودةٌ مطلقًا، وقِيلَ: مردودةٌ منه، مقبولةٌ من غيره. وقال الأصوليُّون: إن اتَّحد المجلس ولم يحتمل غفلته عن تلك الزِّيادة غالبًا رُدَّتْ، وإن احتمل قُبِلت عند الجمهور، وإن جُهِلَ تعدُّدُ المجلس فأَوْلى بالقَبول من صورة اتِّحاده، وإن تعدَّدت يقينًا قُبِلَت اتِّفاقًا.
ج1ص9
ج1ص10


[1] في غير (ب): «من».