إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: دخل أبو بكر على امرأة من أحمس يقال لها زينب

3834- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُوعَوَانَةَ) الوضَّاح بن عبد الله اليشكريُّ (عَنْ بَيَانٍ) بفتح المُوحَّدة وتخفيف التَّحتيَّة (أَبِي بِشْرٍ) بكسر المُوحَّدة وسكون المُعجَمة، ابن بِشْرٍ _بالمُوحَّدة والمُعجَمة_ ككنيته، الأحمسيِّ الكوفيِّ (عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المُهمَلة والزَّاي، واسمه عوفٌ، أنَّه (قَالَ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق رضي الله عنه (عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ أَحْمَسَ) بحاءٍ وسينٍ مُهمَلتين وفتح الميم؛ قبيلةٍ من بجيلة، وليست من الحمس الذين هم من قريشٍ (يُقَالُ لَهَا) للمرأة: (زَيْنَبُ) بنت المهاجر كما في «طبقات [1] ابن سعدٍ» أو بنت جابرٍ كما ذكر [2] أبو موسى المدينيُّ في «ذيل الصَّحابة» عن ابن منده في «تاريخ النِّساء» له، أو زينب بنت عوفٍ كما ذكر الدَّارقطنيُّ في «العلل» قال: وذكر ابن عيينة عن إسماعيل أنَّها جدَّة إبراهيم بن المهاجر، قال في «الفتح»: والجمع بين هذه الأقوال ممكنٌ فمن قال: بنت المهاجر نسبها إلى أبيها، أو بنت جابرٍ نسبها إلى جدِّها [3] الأدنى، أو بنت عوفٍ نسبها إلى جدِّها الأعلى (فَرَآهَا) أبو بكرٍ (لا تَكَلَّمُ) بحذف أحد المثلين (فَقَالَ: مَا لَهَا لَا تَكَلَّمُ؟ قَالُوا: حَجَّتْ مُصْمِتَةً) بضمِّ الميم الأولى وكسر الثَّانية وسكون الصَّاد المُهمَلة، اسم فاعلٍ من أصمت رباعيًّا، يُقال: أَصمت _بفتح أوَّله_ إصماتًا، وصَمَت _بفتحتين_ صُمُوتًا وصمتًا وصُمَاتًا، أي: ساكتةً (قَالَ لَهَا: تَكَلَّمِي، فَإِنَّ هَذَا) أي: تركَ الكلام (لَا يَحِلُّ، هَذَا) الصُّمات (مِنْ عَمَلِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَتَكَلَّمَتْ) وعند الإسماعيليِّ: أنَّ المرأة قالت له: كان بيننا وبين قومك [4] في الجاهليَّة شرٌّ، فحلفتُ إنِ اللهُ عافاني من ذلك ألَّا أكلِّم أحدًا حتَّى أحجَّ، فقال: إنَّ الإسلام يهدم ذلك فتكلَّمي (فَقَالَتْ) له: (مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ) لها: (امْرُؤٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، قَالَتْ: أَيُّ الْمُهَاجِرِينَ؟ قَالَ) لها: (مِنْ قُرَيْشٍ، قَالَتْ) له: (مِنْ أَيِّ قُرَيْشٍ أَنْتَ؟ قَالَ) لها: (إنَّكِ) بكسر الكاف (لَسَؤُولٌ) بلام التَّأكيد، وصيغة «فعول» المُذكَّر والمُؤنَّث فيها سواءٌ، والمعنى: إنَّك لَكثيرة السُّؤال (أَنَا أَبُو بَكْرٍ، قَالَتْ) له: (مَا بَقَاؤُنَا عَلَى هَذَا الأَمْرِ الصَّالِحِ) أي: دين الإسلام (الَّذِي جَاءَ اللهُ بِهِ بَعْدَ الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ) أبو بكرٍ رضي الله عنه: (بَقَاؤُكُمْ عَلَيْهِ مَا اسْتَقَامَتْ بِكُمْ) بالمُوحَّدة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: ((لكم)) باللَّام (أَئِمَّتُكُمْ) لأنَّ باستقامتهم تُقام الحدود وتُؤخَذ الحقوق ويُوضَع كلُّ شيءٍ موضعه (قَالَتْ) له: (وَمَا الأَئِمَّةُ؟ قَالَ) لها: (أَمَا) بالتَّخفيف (كَانَ لِقَوْمِكِ
ج6ص175
رُؤوسٌ وَأَشْرَافٌ يَأْمُرُونَهُمْ فَيُطِيعُونَهُمْ؟ قَالَتْ) له [5]: (بَلَى، قَالَ) لها: (فَهُمْ أُولَئِكِ عَلَى النَّاسِ) بكسر الكاف، واستُدِلَّ به: على أنَّ من نذر ألَّا يتكلَّم لم ينعقد نذره؛ لأنَّ أبا بكرٍ رضي الله عنه أطلق أنَّ ذلك لا يحلُّ، وأنَّه من فعل الجاهليَّة وأنَّ الإسلام هدم ذلك، ولا يقول أبو بكرٍ مثل هذا إلَّا عن توقيفٍ، فيكون في حكم المرفوع، وشرط المنذور كونه قربةً لم تتعيَّن كعتقٍ وعيادة مريضٍ وسلامٍ وتشييع جنازةٍ، فلو نذر غير قربةٍ كواجبٍ عينيٍّ كصلاة الظُّهر، أو معصيةٍ كشرب خمرٍ وصلاة بحدثٍ، أو مكروهٍ كصيام الدَّهر لمن خاف به ضررًا أو فوت حقٍّ أو مباحٍ كقيامٍ وقعودٍ وصمتٍ، سواءٌ نذر فعله أم تركه؛ لم يصحَّ نذره، أمَّا الواجب المذكور فلأنَّه لزم عينًا بإلزام الشَّرع قبل النَّذر، فلا معنى لالتزامه، وأمَّا المعصية فلحديث مسلمٍ: «لا نذر في معصية الله» وأمَّا المكروه والمباح فلأنَّهما لا يُتقرَّب بهما، وتأتي زيادةٌ لهذا في «النُّذور» _إن شاء الله تعالى_ بقوَّة الله ومعونته [خ¦6690قبل].
ج6ص176


[1] «كما في طبقات»: سقط من (ص) و(م).
[2] في غير (ب) و(س): «ذكره».
[3] في (ص): «لجدِّها».
[4] في (ب): «قومنا»، وهو تحريفٌ.
[5] «له»: ليس في (ص) و(م).