إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث أبي سعيد: إن الله خير عبدًا بين الدنيا وبين ما عنده

3654- وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: ((حدَّثنا)) (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنَدِيُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: ((حدَّثنا)) وفي «اليونينية» بالجمع فقط (أَبُو عَامِرٍ) عبدُ الملك بنُ عمرٍو العَقَديُّ قال: (حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ) بضمِّ الفاء وفتح اللَّام وسكون التحتيَّة بعدَها حاء مهملة، ابنُ سليمانَ الخُزاعيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَالِمٌ أَبُو النَّضْرِ) بالنون المفتوحة والضاد المعجمة الساكنة، القرشيُّ المدنيُّ (عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ) بضمِّ الموحَّدة وسكون المهملة، و«سعيد»: بكسر العين، مولى [1] ابنِ الحضرميِّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ) في مرضه قبل موتِهِ بثلاثِ ليالٍ (وَقَالَ) بالواو: (إِنَّ اللهَ) عزَّ وجلَّ (خَيَّرَ عَبْدًا) من التخيير (بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ) عزَّ وجلَّ في الآخرة (فَاخْتَارَ ذَلِكَ الْعَبْدُ مَا عِنْدَ اللهِ) عزَّ وجلَّ (قَالَ) أبو سعيدٍ: (فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ) الصديقُ [2] رضي الله عنه (فَعَجِبْنَا لِبُكَائِهِ أَنْ يُخْبِرَ)
ج6ص83
بالموحَّدة، مِن الخَبَرِ (رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ عَبْدٍ خُيِّرَ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُو الْمُخَيَّرُ) بفتح التحتيَّة المشدَّدة (وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ) رضي الله عنه (أَعْلَمَنَا) بالمراد مِنَ الكلام المذكور، فبكى حُزْنًا على فِراقه عليه الصلاة والسلام (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ مِنْ أَمَنِّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ) بفتح الهمزة والميم وتشديد النون؛ أفعلُ تفضيلٍ مِنَ «المَنِّ» بمعنى: العطاء والبذل، أي: إنَّ من [3] أبذلِ الناس لنفسِه ومالهِ (أَبَا بَكْرٍ) بالنصب اسمُ «إنَّ»، والجارُّ والمجرور خبرُها، وهذا واضحٌ، ولبعضهم فيما قاله في «الفتح» وغيره: ((أبو بكر)) بالرفع، ووُجِّه بتقدير ضميرِ الشأن، أي: إنَّه والجارَّ والمجرور بعدَه خبرٌ مقدَّمٌ، و«أبو بكر» مبتدأٌ مؤخَّرٌ، أو على أنَّ مجموعَ الكُنية اسمٌ، فلا يُعرَبُ ما وقع فيها من الأداة، وقال صاحب «المصابيح»: قال [4] ابن بَرِّي: هو خبر «إنَّ» واسمُها محذوفٌ، و«من أمنِّ الناس» صفتُه، والمعنى: إن رجلًا أو إنسانًا من أمن الناس عليَّ، و«من» زائدة على رأي الكِسائيِّ، وهو ضعيف، وحملُه على حذف ضمير الشأن حملٌ على الشذوذ، ولو قيل: بأنَّ «إنَّ» بمعنى: نعم، و«أبو بكر» مبتدأٌ وما قبلَه خبرُه [5]؛ لاستقامَ مِن غير شذوذٍ ولا ضَعْفٍ. انتهى. أو هو على مذهب مَنْ جوَّز أن يُقال: علي بن أبو [6] طالب. قاله الكرمانيُّ. وفي حديث ابن عبَّاسٍ عند الطبرانيِّ رفعه: «ما أحدٌ أعظمُ عندي يدًا مِن أبي بكر واساني بنفسه وماله وأنكحني ابنتَه»، وفي حديث مالكِ بن دِينارٍ عند ابن عساكرَ عن أنسٍ رفعه: «إنَّ أعظمَ الناس علينا مَنًّا أبو بكر زوَّجني ابنتَه وواساني بنفسه، وإنَّ خيرَ المسلمين مالًا أبو بكر أعتقَ منه بلالًا، وحملني إلى دار الهجرة»، وعند ابنِ حِبَّانِ عن عائشةَ قالت [7]: أنفق أبو بكرٍ على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أربعينَ ألفَ دِرهمٍ (وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا) من الناس (غَيْرَ رَبِّي؛ لَاتَّخَذْتُ) منهم (أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا) لأنَّه أهلٌ لذلك لولا المانع؛ فإنَّ خُلَّةَ الرحمن تعالى لا تسعُ مُخالَّة شيءٍ غيرِه أصلًا، وسقط لفظ [8] «خليلًا» الثانية من «اليونينية»، وثبت [9] في فرعها التنكزي (وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ) أي: مودَّةُ الإسلام، أي: حاصلةٌ، وفي حديث ابن عبَّاس الآتي بعد باب إن شاء الله تعالى: «أفضل» [خ¦3657] وفيه إشكالٌ يُذكَر في موضعه إن شاء الله تعالى (لَا يَبْقَيَنَّ) بنون التأكيد المشدَّدة (فِي الْمَسْجِدِ بَابٌ) رُفِعَ على الفاعليَّة، والنهيُ راجعٌ للمكلَّفينَ لا إلى الباب، فكنَّى بعدم البقاء عن عدم الإبقاء؛ لأنه لازمٌ له كأنَّه قال: لا يُبقيه أحدٌ حتى لا يبقى (إِلَّا) بابًا (سُدَّ) فحذفَ المستثنى، والفعلُ صفتُه (إِلَّا بَابَ أَبِي بَكْرٍ) بنصب «بابَ» على الاستثناء، أو برفعه على البدل، وهو استثناءٌ مفرَّغ، والمعنى: لا تُبقوا بابًا غيرَ مسدودٍ إلَّا باب أبي بكرٍ فاتركوه بغيرِ سَدٍّ، قيل: وفيه [10] تعريض بالخلافة له [11]؛ لأنَّ ذلك إن أُريد به الحقيقة فذاك [12]؛ لأنَّ أصحاب المنازل الملاصقة للمسجد كان لهم الاستطراق منها إلى المسجد، فأمر بسدِّها سِوى خوخة أبي بكر؛ تنبيهًا للناس على الخلافة؛ لأنَّه يخرجُ منها إلى المسجد للصلاة، وإن أُريد به المجاز فهو كنايةٌ عن الخلافة وسدِّ أبواب المقالة دون التطرق والتطلع إليها، قال التوربشتيُّ: وأرى المجاز أقوى؛ إذ لم يصحَّ عندنا أنَّ أبا بكر كان له منزل بجنب المسجد، وإنَّما كان منزله بالسُّنْح من عوالي المدينة. انتهى. وتعقَّبه في «الفتح»: بأنَّه استدلالٌ ضعيفٌ؛ لأنَّه لا يلزم من كون منزله كان [13] بالسُّنْح ألَّا يكون له دارٌ مجاورةٌ للمسجد، ومنزله الذي كان بالسُّنْح هو منزلُ أصهارِه مِنَ الأنصار، وقد كان له إذ ذاك زوجةٌ أخرى، وهي أسماءُ بنتُ عُميسٍ بالاتِّفاق، وقد ذكر عمرُ بنُ شَبَّة في «أخبار المدينة»: أنَّ دار أبي بكرٍ التي [14] أذن له في إبقاء الخوخة منها إلى المسجد كانت ملاصقةً للمسجد، ولم تزل بِيَدِ أبي بكر حتى احتاج إلى شيءٍ يعطيه لبعض مَن وفد عليه فباعَها، فاشترتها منه [15] أم المؤمنين حفصةُ بأربعةِ آلافِ دِرهمٍ، وقد وقع في حديث سعد بن أبي وقَّاصٍ عند أحمدَ والنَّسائيِّ بإسنادٍ قويٍّ: «أمر رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم بسدِّ الأبواب الشارعة في المسجد وتَرْكِ باب عليٍّ»، وفي روايةٍ للطبرانيِّ في «الأوسط» برجالٍ ثقاتٍ من الزيادة: «فقالوا: يا رسول الله سددت أبوابنا [16]؟! فقال: ما أنا
ج6ص84
سدْدتُها، ولكنَّ اللهَ سَدَّها» ونحوُه عند أحمدَ والنَّسائيِّ والحاكم ورجالُه ثقاتٌ عن زيد بن أرقمَ وابن عبَّاسٍ وزاد: «فكان يدخلُ المسجدَ وهو جنب [17] ليس له طريقٌ غيرُه» رواه أحمدُ والنَّسائيُّ ورجالُه ثقاتٌ، ونحوه من حديث جابر بن سَمُرة عند الطبرانيِّ، وبالجملة فهي [18] كما قاله _الحافظُ ابنُ حَجَرٍ_ أحاديثُ يقوِّي بعضُها بعضًا، وكلُّ طريقٍ منها صالحٌ للاحتجاج فضلًا عن مجموعها، لكن ظاهرها يُعارِضُ حديثَ الباب، والجمعُ بينهما بما دلَّ عليه حديث أبي سعيدٍ عند الترمذيِّ: أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم قال لعليٍّ: «لا يحلُّ لأحدٍ أن يطرق هذا المسجد غيري وغيرك»، والمعنى: أنَّ باب عليٍّ كان إلى جهة المسجد، ولم يكن لبيته بابٌ غيرُه، فلذلك لم يأمره [19] بِسدِّه، ومحصَّلُ الجمعِ أنَّ الأمر بسدِّ الأبواب [20] وقع مرتين، ففي الأولى استثنى عليًا لِمَا ذُكر، وفي الأخرى استثنى أبا بكرٍ، ولكن لا يتمُّ ذلك إلَّا بأنْ يُحمَلَ ما في قِصَّةِ عليٍّ على الباب الحقيقي، وما في قِصَّةِ أبي بكر على الباب المجازي، والمراد به: الخوخة كما صرَّح به في بعض طرقه، وكأنَّهم لمَّا أُمِروا بسَدِّ الأبواب سَدُّوها، وقد صرَّح أبو بكرٍ الكَلاباذيُّ في «معاني الأخبار»: بأنَّ بيت أبي بكرٍ كان له بابٌ مِن خارج المسجد، وخوخةٌ إلى داخل المسجد، وبيتُ عليٍّ لم يكن له بابٌ إلَّا مِن داخل المسجد. انتهى ملخصًا من «فتح الباري».
ج6ص85


[1] «مولى»: ليس في (ص).
[2] «الصديق»: ليس في (د).
[3] «من»: ليس في (د) و(م).
[4] في (د): «وقال».
[5] في (د): «خبر».
[6] في النسخ: «أبي»، ولا يصح.
[7] في (ب) و(س): «قال».
[8] في (ب) و(س): «سقطت لفظة».
[9] في (ب) و(س): «ثبتت».
[10] في (د): «فيه».
[11] «له»: مثبت من (د) و(س).
[12] «فذلك»: ليس في (ب).
[13] «كان»: ليس في (د).
[14] في (ص) و(م): «الذي».
[15] «منه»: ليس في (د).
[16] في (ب) و(س) و(ص): «أبوابها».
[17] زيد في (ب): «و».
[18] «فهي»: مثبت من (د) و(س).
[19] في غير (د): «يأمر».
[20] في (م): «الباب».