إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: بعث عمر الناس في أفناء الأمصار يقاتلون المشركين

3159- وبه قال: (حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ يَعْقُوبَ) البغداديُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّقِّيُّ) بفتح الرَّاء وكسر القاف المُشدَّدتين نسبةً إلى الرَّقَّة مدينةٌ بالقرب من الفرات، قال: (حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بسكون العين المهملة وفتح الفوقيَّة وكسر الميم _وليس هو المُعَمَّر بفتح المُهمَلة وتشديد الميم المفتوحة، ولا المَعْمَر [1] بن راشدٍ_ قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين وفتح المُوحَّدة مُصغَّرًا، ابن جبير بن حَيَّة (الثَّقَفِيُّ) قال: (حَدَّثَنَا بَكْرُ ابْنُ عَبْدِ اللهِ) بسكون الكاف (الْمُزَنِيُّ) البصريُّ (وَزِيَادُ بْنُ جُبَيْرٍ) بضمِّ الجيم وفتح المُوحَّدة، وهو عمُّ سعيد بن عُبيد الله، كلاهما (عَنْ) والد زيادٍ (جُبَيْرِ بْنِ حَيَّةَ) بفتح الحاء المهملة والتَّحتيَّة المُشدَّدة، ابن مسعودٍ الثَّقفيِّ أنَّه (قَالَ: بَعَثَ عُمَرُ) بن الخطَّاب رضي الله عنه (النَّاسَ فِي أَفْنَاءِ الأَمْصَارِ) بفتح الهمزة وسكون الفاء وفتح النُّون ممدودًا، و«الأمصار» بالميم، ولم أره بالنُّون في أصلٍ من الأصول، والمِصْرُ: المدينةُ العظيمة (يُقَاتِلُونَ الْمُشْرِكِينَ) فلمَّا كانوا [2] بالقادسيَّة إذا هم [3] في الجيش الَّذين أرسلهم يَزْدَجَرْد إلى قتال المسلمين، فوقع بينهم قتالٌ عظيمٌ لم يُعهَد مثله مُستهَلَّ المُحرَّم سنة أربع عشرة، وأبلى في ذلك اليوم جماعةٌ من الشُّجعان كطُلَيحة [4] الأسديِّ وعمرو بن معد يكرب وضرار بن الخطَّاب، وأرسل الله تعالى في ذلك اليوم ريحًا شديدةً أرمت خيام الفُرْس من أماكنها، وهرب رستم مقدم الجيش وأدركه المسلمون وقتلوه، وانهزمت [5] الفرس [6]، وقتل المسلمون منهم خلقًا كثيرًا، ولم يزل المسلمون وراءهم إلى أن دخلوا مدينة الملك، وهي المدائن الَّتي فيها إيوان كسرى، وكان الهُرْمُزَان _وهو [7] بضمِّ الهاء وسكون الرَّاء وضمِّ الميم وتخفيف الزَّاي، واسمه رستم_ من جملة الهاربين، ووقعت بينه وبين المسلمين وقعةٌ، ثمَّ وقع الصُّلح بينه وبينهم، ثمَّ نقضه، فجمع أبو موسى الأشعريُّ رضي الله عنه الجيش وحاصروه، فسأل الأمان إلى أن يُحمَل إلى عمر رضي الله عنه، فوجَّهه أبو موسى [8] مع أنسٍ إليه (فَأَسْلَمَ الْهُرْمُزَانُ) طائعًا وصار عمر يقرِّبه ويستشيره (فَقَالَ) له: (إِنِّي مُسْتَشِيرُكَ فِي مَغَازِيَّ هَذِهِ) بتشديد ياء «مغازيَّ [9]» أي: فارسٍ وأصبهان وأذربيجان كما عند ابن أبي شيبة، أي: بأيِّها نبدأ، لأنَّ الهرمزان كان أعلمَ بشأنها من غيره. (قَالَ) الهرمزان: (نَعَمْ، مَثَلُهَا) أي: الأرض الَّتي دلَّ عليها السِّياق (وَمَثَلُ مَنْ فِيهَا مِنَ النَّاسِ مِنْ عَدُوِّ الْمُسْلِمِينَ مَثَلُ طَائِرٍ لَهُ رَأْسٌ) برفع «مَثَلُ» خبر المبتدأ الَّذي هو «مَثَلُها» وما بعده [10] عطفٌ عليه (وَلَهُ جَنَاحَانِ وَلَهُ رِجْلَانِ، فَإِنْ كُسِرَ) بضمِّ الكاف مبنيًّا للمفعول (أَحَدُ الْجَنَاحَيْنِ نَهَضَتِ الرِّجْلَانِ بِجَنَاحٍ وَالرَّأْسُ) بالرَّفع [11] عطفًا [12] على «الرِّجلان»، ولأبي ذرٍّ: ((والرَّأسِ)) بالجرِّ عطفًا على «بجناحٍ» (فَإِن كُسِرَ الْجَنَاحُ الآخَرُ نَهَضَتِ الرِّجْلَانِ وَالرَّأْسُ وَإِنْ شُدِخَ) بضمِّ الشِّين المُعجَمة وبعد الدَّال المُهمَلة المكسورة خاءٌ مُعجَمةٌ، أي: كُسِرَ (الرَّأْسُ ذَهَبَتِ الرِّجْلَانِ وَالْجَنَاحَانِ وَالرَّأْسُ) فإذا فات الرَّأس فات الكلُّ (فَالرَّأْسُ كسْرَى) بكسر الكاف وتُفتَح (وَالْجَنَاحُ قَيْصَرُ) غير منصرفٍ: صاحب الرُّوم (وَالْجَنَاحُ الآخَرُ فَارِسُ) غير منصرفٍ: اسم الجبل المعروف من العجم، وتُعقَّب هذا: بأنَّ كسرى لم يكن رأسًا للرُّوم. وأُجيب: بأنَّ كسرى كان رأس الكلِّ؛ لأنَّه لم يكن في زمانه ملكٌ أكبر منه؛ لأنَّ سائر ملوك البلاد كانت تهادنه وتهاديه، ولم يقل
ج5ص231
في الحديث: «والرِّجلان» اكتفاءً بالسَّابق للعلم به، فرِجْلٌ قيصر الفرنج مثلًا لاتِّصالها به، وكسرى الهند مثلًا، قاله الكرمانيُّ (فَمُرِ الْمُسْلِمِينَ فَلْيَنْفِرُوا) بكسر الفاء (إِلَى كِسْرَى) فإنَّه الرَّأس، وبقطعها يبطل الجناحان.
(وَقَالَ بَكْرٌ) هو ابن عبد الله المزنيُّ (وَزِيَادٌ) هو ابن جُبَيرٍ (جَمِيعًا، عَنْ جُبَيْرِ [13] بْنِ حَيَّةَ قَالَ [14]: فَنَدَبَنَا) بفتح الدَّال والمُوحَّدة، أي: طلبنا ودعانا (عُمَرُ) رضي الله عنه للغزو (وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْنَا النُّعْمَانَ بْنَ مُقَرِّنٍ) بالميم المضمومة والقاف المفتوحة وبعد الرَّاء المُشدَّدة المكسورة نونٌ، المزنيَّ الصَّحابيَّ أميرًا (حَتَّى إِذَا) أي: سرنا حتَّى إذا (كُنَّا بِأَرْضِ الْعَدُوِّ) وهي نهاوَنْد، وكان قد خرج معهم _فيما رواه ابن أبي شيبة_ الزُّبير وحذيفة وابن عمر والأشعث وعمرو بن معد يكرب (وَخَرَجَ) بالواو، وسقطت لأبي ذرٍّ وابن عساكر (عَلَيْنَا عَامِلُ كِسْرَى) بندارٌ كما عند الطَّبريِّ [15] من رواية مبارك بن فَضالة، وعند ابن أبي شيبة: «ذو الجناحين» (فِي أَرْبَعِينَ أَلْفًا) من أهل فارسٍ وكرمان ومن غيرهما _كنهاوند وأصبهان_ مئة ألفٍ وعشرة آلافٍ (فَقَامَ تُرْجُمَانٌ) بفتح أوَّله وضمِّه، لهم لم يُسَمَّ (فَقَالَ: لِيُكَلِّمْنِي رَجُلٌ مِنْكُمْ) بالجزم على الأمر (فَقَالَ الْمُغِيرَةُ) [16] بن شعبة الصَّحابيُّ: (سَلْ عَمَّا) بألفٍ، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: ((عمَّ)) (شِئْتَ، قَالَ) أي: التُّرجمان، ولأبوي الوقت وذرٍّ: ((فقال)): (مَا أَنْتُمْ؟) بصيغة من لا يعقل احتقارًا (قَالَ) أي: المغيرة: (نَحْنُ أُنَاسٌ مِنَ الْعَرَبِ، كُنَّا فِي شَقَاءٍ شَدِيدٍ وَبَلَاءٍ شَدِيدٍ، نَمَصُّ الْجِلْدَ) بفتح الميم في الفرع وأصله [17] (وَالنَّوَى مِنَ الْجُوعِ، وَنَلْبَسُ الْوَبَرَ وَالشَّعَرَ، وَنَعْبُدُ الشَّجَرَ وَالْحَجَرَ، فَبَيْنَا) بغير ميمٍ (نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الأَرَضِينَ) بفتح الرَّاء (_تَعَالَى ذِكْرُهُ وَجَلَّتْ عَظَمَتُهُ_ إِلَيْنَا نَبِيًّا مِنْ أَنْفُسِنَا، نَعْرِفُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ) زاد في رواية ابن أبي شيبة: «في شرف منَّا، أوسطنا حسبًا وأصدقنا حديثًا» (فَأَمَرَنَا نَبِيُّنَا رَسُولُ رَبِّنَا [18] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَقَاتِلَكُمْ حَتَّى تَعْبُدُوا اللهَ وَحْدَهُ أَوْ تُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ) وهذا موضع التَّرجمة، وفيه دلالةٌ على جواز أخذها من المجوس، لأنَّهم كانوا مجوسًا. (وَأَخْبَرَنَا نَبِيُّنَا [19] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ رِسَالَةِ رَبِّنَا أَنَّهُ مَنْ قُتِلَ مِنَّا) أي: في الجهاد (صَارَ إِلَى الْجَنَّةِ فِي نَعِيمٍ لَمْ يَرَ مِثْلَهَا) أي: الجنَّة (قَطُّ. وَمَنْ بَقِيَ مِنَّا مَلَكَ رِقَابَكُمْ) بالأسر.
وفيه _كما قال الكرمانيُّ_ فصاحةُ المغيرة؛ من حيث إنَّ كلامه مبيِّنٌ لأحوالهم فيما يتعلَّق بدنياهم من المطعوم والملبوس، وبدينهم من العبادة، وبمعاملتهم مع الأعداء من طلب التَّوحيد أو الجزية [20]، ولمعادهم في الآخرة إلى كونهم في الجنَّة، وفي الدُّنيا إلى كونهم ملوكًا مُلَّاكًا للرِّقاب.
3160- (فَقَالَ النُّعْمَانُ) بن مُقَرِّنٍ للمغيرة بن شعبة لمَّا أنكر عليه تأخير القتال، وذلك أنَّ المغيرة كان قصده [21] الاشتغال بالقتال أوَّل النَّهار بعد الفراغ من المكالمة مع التُّرجمان: (رُبَّمَا أَشْهَدَكَ اللهُ) أي: أَحْضَرَكَ (مِثْلَهَا) مثل هذه الوقعة (مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وانتظر بالقتال إلى الهبوب (فَلَمْ يُنَدِّمْكَ) على التَّأنِّي والصَّبر (وَلَمْ يُخْزِكَ) بالخاء المُعجَمة بغير نونٍ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: ((ولم يحزنك)) بالحاء المُهمَلة والنُّون، والأوَّل أوجه لوفاق سابقه، فطلبك العجلة، لأنَّك لم تضبط (وَلَكِنِّي شَهِدْتُ الْقِتَالَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وضبطت (كَانَ إِذَا لَمْ يُقَاتِلْ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ انْتَظَرَ) بالقتال (حَتَّى تَهُبَّ الأَرْوَاحُ) جمع ريحٍ بالياء، وأصله: رَوْحٌ بالواو بدليل الجمع الَّذي غالب حاله أن يردَّ الشَّيء إلى أصله، فقُلِبت واوُ المُفرَد ياءً لسكونها وانكسار ما قبلها، وحكى ابن جنيٍّ في جمعه: أرياحٌ، قال الزَّركشيُّ لمَّا رآهم [22] قالوا: رياحٌ. قال في «المصابيح»: إنَّ [23] اعتماد [24] صاحب هذا القول على «رياح» [25] وهمٌ، لأنَّ موجب قلب الواو في «رياحٍ» ثابتٌ لانكسار ما قبلها كحِياضٍ جمع حوضٍ، ورياضٍ جمع روضٍ، والمقتضي للقلب في «أرياحٍ» مفقودٌ، والمُعتمَد في هذا إنَّما هو السَّماع. انتهى. وفي «القاموس»: جمع الرِّيح أرواحٌ وأرياحٌ ورياحٌ ورِيَحٌ كعِنَبٍ، وجمع الجمع أراويح وأراييح. (وَتَحْضُرَ الصَّلَوَاتُ) بعد زوال الشَّمس كما عند ابن أبي شيبة، وزاد في رواية الطَّبريِّ: «ويطيب القتال» وعند ابن أبي شيبة: «وينزل النَّصر».
وفيه: فضيلةُ القتال بعد الزَّوال، ويطابق التَّرجمة أيضًا في تأخير
ج5ص232
النُّعمان المقاتلة وانتظار هبوب الرِّياح، وهذه مُوَادعَةٌ في هذا الزَّمان مع الإمكان للمصلحة.
ج5ص233


[1] زيد في (ب) و(س): (أي: بسكون العين).
[2] في (ص): «كان» ولا يصحُّ.
[3] في (ب) و(س): «أتاهم» ولعلَّه تحريفٌ.
[4] في (م): «كطلحة» وهو تحريفٌ.
[5] في (ب): «وانهزم».
[6] قوله: «من أماكنها... وانهزمت الفرس»: سقط من (د).
[7] «وهو»: مثبتٌ من (د).
[8] زيد في (ب) و(س): «الأشعريُّ رضي الله عنه».
[9] زيد في (ص): «هذه».
[10] زيد في (ص): «هو».
[11] في (م): «فالرَّأس».
[12] في (د1) و(ص) و(م): «عطفٌ».
[13] زيد في (د): «هو».
[14] «قال»: مثبتٌ من (د1) و(م)، وكذا في «اليونينيَّة».
[15] في (ب) و(د) و(س): «الطَّبرانيِّ»، والمثبت موافق لما في «الفتح» (6/306).
[16] زيد في (د1) و(س) و(ص): «أي».
[17] في (د): «في الأصل وفرعه».
[18] في (ص) و(م): «رسول الله» والمثبت موافقٌ لما في «اليونينيَّة».
[19] زيد في (ص): «رسول الله».
[20] «أو الجزية»: ليس في (د) و(ل).
[21] في غير (د) و(م): «قصد».
[22] «رآهم»: ليس في (د).
[23] «إنَّ»: ليس في (د).
[24] في (د1) و(ص) و(م): «إنِ اعتمد».
[25] زيد في (ص) و(م): «فقد».