إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

[كتاب الصلح]

((53)) (كِتَابُ الصُّلْحِ).
(1) (مَا جَاءَ فِي الإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ) زاد الأَصيليُّ وأبو ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: ((إذا تفاسدوا))، وسقط لغير الأَصيليِّ وأبي الوقت «كتاب الصُّلح»، ولأبي ذر: ((ما جاء)). وزاد في «الفتح» ثبوت: ((كتاب الصُّلح)) للنَّسفيِّ أيضًا قال: ولغيرهم: ((باب)). والصُّلح لغةً: قطع النِّزاع، وشرعًا: عقد يحصل به ذلك، وهو أنواع: فمنه ما يكون بين المتداعيَين، وتارة يكون على إقرار، وتارة على إنكار، والأوَّل يكون على عينٍ كدار أو حصَّة منها، وعلى منفعة في دار، ويكون الصُّلح أيضًا بين الزَّوجين عند الشِّقاق، وفي الجِراح كالعفو على مال وبين الفئة الباغية (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على قوله: «في الإصلاحِ» ولأبي ذَرٍّ: ((عَزَّ وَجَلَّ)): ({لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ}) من تناجي النَّاس ({إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ}) إلَّا نجوى من أمر، على أنَّه مجرور بدلًا من {كَثِيرٍ} كما تقول: لا خير في قيامهم إِلَّا قيامِ زيد، ويجوز أن يكون منصوبًا على الانقطاع [1]، بمعنى: ولكن مَن أمر بصدقة؛ ففي نجواه الخيرُ، والمعروف: كلُّ ما يستحسنه الشَّرع، ولا ينكره العقل، وفسَّرها هنا بالقرض وإغاثة الملهوف وصدقة التَّطوُّع وسائر ما فُسِّرَ به ({أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ}) أو إصلاح ذات البين [2]
ج4ص416
({وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ}) الَّذي ذُكِرَ ({ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ}) طلبًا لثوابه لا للرِّياء والسُّمعة ({فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النِّساء: 114] ) وصَفَ الأجر بالعِظَم؛ تنبيهًا على حقارة ما فاته في جنبه من أعراض الدُّنيا، ووقع في رواية أبوي ذَرٍّ والوقت الاقتصار من الآية على قوله: (({مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ})) ثمَّ قال: ((إلى آخر الآية)). وعند الأَصيليِّ: ((إلى قوله: {ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ})) ثمَّ قال: ((الآية)) وأشار بهذه الآية إلى بيان فضل الإصلاح بين النَّاس، وأنَّ الصُّلح مندوب إليه، وعن أبي الدَّرداء قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «ألا أخبركم بأفضلَ مِن درجة الصِّيام والصَّلاة والصَّدقة؟» قالوا: بلى. قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «إصلاح ذات البين، فإن [3] فساد ذات البَين هي الحالقة». رواه أحمد [4] (وَخُرُوجِ الإِمَامِ) بالجرِّ أيضًا عطفًا على قوله: «وقولِ اللهِ» وهو من بقيَّة التَّرجمة (إِلَى الْمَوَاضِعِ لِيُصْلِحَ بَيْنَ النَّاسِ بِأَصْحَابِهِ).
ج4ص417


[1] في هامش «ل»: (أي: على الاستثناء المنقطع). انتهى.
[2] في هامش «ل»: (قال البيضاويُّ في تفسير قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَينِكُمْ} [الأنفال: 1]: «ذات البين»: الحالة التي بينكم بالمواساة فيما رزقكم الله وتسليم أمره إلى الله ورسوله. انتهى. «البَين» بالفتح: من الأضداد يطلق على الوصل وعلى الفرقة، ومنه ذات البين: للعداوة والبغضاء، وقولهم: لإصلاح ذات البين، أي: لإصلاح الفساد بين القوم، والمراد: إسكان الثائرة، وهي ظرف مبهمٌ لا يتبيَّن معناه إلَّا بإضافته إلى اثنين فصاعدًا). انتهى. «مصباح».
[3] في (م): «قال و».
[4] في هامش «ل»: (زاد في «الجامع الصغير»: الترمذي وأبا داود). انتهى.