إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

باب اليمين على المدعى عليه في الأموال والحدود

(20) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ) دون المدَّعي (فِي الأَمْوَالِ وَالْحُدُودِ) وقال الكوفيُّون: تختصُّ اليمين بالمدَّعى عليه في الأموال دون الحدود (وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فيما وصله قريبًا [خ¦2670] (شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ) برفع «شاهداك» خبرُ مبتدأ محذوف، أي: المثبِت لدعواك، أو الحجَّة لك شاهداك، أو مبتدأٌ خبرُه محذوفٌ، أي: شاهداك هو المطلوب [1] في دعواك، أو شاهداك هما المثبِتان لدعواك، و [2] «يمينه» عطف عليه.
2667م# (قَالَ قُتَيْبَةُ) أي: ابن سعيد، وفي بعض النُّسخ _كما نُقِلَ عن الشَّيخ قطب الدِّين الحلبيِّ_: ((حدَّثنا قُتَيبة)) قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابن عُيَينة (عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ) بضمِّ المعجمة والرَّاء، بينهما موحَّدة ساكنة هو عبد الله بن شُبْرُمة بن الطُّفيل بن حسَّان الضَّبيُّ قاضي الكوفة، المتوفَّى سنة أربع وأربعين ومئة، أنَّه قال: (كَلَّمَنِي أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان قاضي المدينة (فِي) القول بجواز (شَهَادَةِ الشَّاهِدِ وَيَمِينِ الْمُدَّعِي) وكان مذهب أبي الزِّناد القضاء بذلك كأهل بلده؛ لأنَّه عليه الصلاة والسلام قضى بشاهد ويمين. رواه مسلم من حديث ابن عبَّاس، وأصحاب «السُّنن» من حديث أبي هريرة، والتِّرمذيُّ وابن ماجه، وصحَّحه ابن خُزَيمة وأبو عَوانة من حديث جابر، ومذهب ابن شُبْرُمة خلافه كأهل بلده، فلا يعمل بالشَّاهد واليمين، وهو مذهب الحنفيَّة. قال ابن شُبْرُمة: (فَقُلْتُ) أي: لأبي الزِّناد محتجًّا عليه: (قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَاسْتَشْهِدُوا}) على حقكم ({شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ}) العدول ({أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى} [البقرة: 282] ) الشَّهادة. قال ابن شُبْرُمة: (قُلْتُ: إِذَا كَانَ يُكْتَفَى) بضمِّ أوَّله وفتح الفاء (بِشَهَادَةِ شَاهِدٍ وَيَمِينِ الْمُدَّعِي) وجواب الشَّرط: (فَمَا يَحْتَاجُ أَنْ تُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى) و«ما» نافية في قوله: «فما يُحتاج» واستفهاميَّة في قوله: (مَا كَانَ يَصْنَعُ بِذِكْرِ) بموحَّدة ومعجمة مكسورتين وسكون الكاف، وفي نسخة: ((تَذَكُّر)) بفوقيَّة ومعجمة مفتوحتين وضمِّ الكاف مشدَّدة (هَذِهِ الأُخْرَى) وفي نسخة: ((تُذْكِر)) بضمِّ الفوقيَّة وسكون المعجمة وكسر الكاف، والمعنى: إذا جاز أن يُكتفَى بالشَّاهد واليمين فلا احتياج إلى تذكير إحداهما الأخرى؛
ج4ص403
إذ اليمين تقوم مقامهما، فما فائدة ذكر التَّذكير في القرآن؟ وأُجيبَ: بأنَّه لا يلزم من التَّنصيص على الشَّيء نفيه عمَّا عداه، وغاية ما في ذلك عدم التَّعرُّض له لا التَّعرُّض لعدمه، والحديث قد تضمَّن زيادة مستقلَّة على ما في القرآن بحكم مستقلٍّ، وقد أجاب إمامنا الشَّافعيُّ عن الآية كما في «المعرفة»: بأنَّ اليمين مع الشَّاهد لا تخالف [3] من ظاهر القرآن شيئًا؛ لأنَّا نحكم بشاهدين وشاهد وامرأتين ولا يمين، فإذا كان شاهد، حكمنا بشاهد ويمين بالسُّنة، وليس هذا ممَّا يخالف ظاهر القرآن؛ لأنَّه لم يحرم أن يجوز أقلَّ مما نصَّ عليه في كتابه، ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أعلم بمعنى ما [4] أراد الله عَزَّ وَجَلَّ، وقد أمرنا الله تعالى أن نأخذ ما أتانا به، وننتهيَ عمَّا نهانا عنه، ونسأل الله العصمة والتَّوفيق. انتهى.
ج4ص404


[1] في (ب) و(س): «هما المطلوبان».
[2] في غير (ب) و(د): «أو».
[3] في (د1) و(ص): «يخالف».
[4] في (ب) و(س): «بما».