إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: أن رسول الله عرضه يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنةً

2664- وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين مصغَّرًا (ابْنُ سَعِيدٍ) بكسر العين، أبو قدامة السَّرخسيُّ، وجزم البيهقيُّ في «الخلافيَّات»: بأنَّه عبيد بن إسماعيل بالتَّصغير أيضًا من غير إضافة، وهو الهبَّاريُّ القرشيُّ الكوفيُّ أحد مشايخ البخاريِّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين مصغَّرًا، ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطَّاب (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ) مولى ابن عمر (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ عُمَرَ) عبد الله (رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَضَهُ يَوْمَ أُحُدٍ) في شوَّال سنةَ ثلاث (وَهْوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْنِي) بضمِّ أوَّله من الإجازة. وقال الكرمانيُّ: فلم يثبتني في ديوان المقاتلين ولم يقدِّر لي رزقًا مثل أرزاق الأجناد، وكان مقتضى السِّياق أن يقول: عرضه فلم يجزه، بدل قوله: «فلم يجزني»، و [1]أن يقول: ثمَّ عرضه، بدل قوله: «عرضني» كالأولى، لكنَّه على طريق الالتفات أو التَّجريد، وقد وقع في رواية يحيى [2] القطَّان عن عبيد [3] الله بن عمر في «المغازي» [خ¦4097] فلم يجزه، ولمسلمٍ عن ابن نُمير عن أبيه عن عبيد [4] الله: عرضني رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يوم أُحُد في القتال فلم يجزني، وله أيضًا من رواية إدريس وغيره عن عبيد الله: فاستصغرني (ثُمَّ عَرَضَنِي يَوْمَ الْخَنْدَقِ) سنة خمس، وجنح المؤلِّف إلى قول موسى بن عقبة: أنَّ الخندق في شوَّال سنة أربع، والمرجَّحُ قول ابن إسحاق وأكثر أهل السِّير: إنَّ الخندق سنة خمس، لما [5] سيأتي إن شاء الله تعالى (وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ) زاد أبو الوقت وأبو ذرٍّ عن الحَمُّويي: ((سنةً)) واستُشكِل هذا على قول ابن إسحاق؛ إذ مقتضاه أن يكون سنُّ ابن عمر في الخندق ستَّ عشرة سنة [6]. وأجاب البيهقيُّ: بأنَّه كان في أُحُد دخل في أربع عشرة سنة، وفي الخندق تجاوزها، فألغى الكسر في الأولى، وجبره في الثانية (فَأَجَازَنِي) استدلَّ بذلك على أنَّ من استكمل خمس عشرة سنة قمرية تحديديَّة ابتداؤها من انفصال جميع الولد؛ يكون بالغًا بالسِّنِّ، فتجري عليه أحكام البالغين وإن لم يحتلم، فيكلَّف بالعبادات وإقامة الحدود، ويستحقُّ سهم الغنيمة وغير ذلك من الأحكام، وقال المالكيَّة: ببلوغه ثمان عشرة سنة [7]، وبه قال أبو حنيفة، لقوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} [الأنعام: 152] فسَّره ابن عبَّاس: بثمان عشرة [8] سنة والجارية بسبع [9] عشرة، لأنَّ نشوء الإناث وبلوغهنَّ أسرع، فنقص عن ذلك سنة. وقال أبو يوسف ومحمَّد: بخمس عشرة في الغلام والجارية، وهو رواية عن أبي حنيفة. قال ابن فرشتاه: وعليه الفتوى، لأنَّ العادة جارية على أنَّ البلوغ لا يتأخَّر عن هذه المدَّة. وأجاب بعض المالكية عن قصَّة ابن عمر: بأنَّها واقعةُ عينٍ لا عموم لها، فيحتمل أن يكون صادف أنَّه كان عند ذلك السِّنِّ قد احتلم، فأجازه، وقال آخر: الإجازة المذكورة حكم منوط بإطاقة القتال والقدرة عليه، فإجازته عليه الصلاة والسلام ابن عمر في الخمس عشرة؛ لأنَّه رآه مطيقًا للقتال في هذا السِّنِّ، ولمَّا عرضه وهو ابن أربع عشرة لم يره مطيقًا للقتال [10] فردَّه، قال: فليس فيه دليل على أنَّه رأى عدم البلوغ في الأوَّل ورآه في الثَّاني. انتهى. وهذا مردودٌ بما أخرجه أبو عَوانة وابن حبَّان في «صحيحيهما»، وعبد الرَّزاق من وجه آخر عن ابن جريج، أخبرني عبيد الله بن عمر عن [11] نافع بلفظ: عُرِضْتُ على النبي صلَّى الله عليه وسلَّم يوم أُحُد وأنا ابن أربع عشرة سنة، فلم يجزني، ولم يرني بلغت، وعُرِضْتُ عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة، فأجازني ورآني بلغت. قال الحافظ ابن حجر: وهذه زيادة صحيحة لا مطعن [12] فيها لجلالة ابن جريج، وتقدمِّه على غيره في حديث نافع، وقد صرَّح بالتَّحديث فانتفى ما يخشى من تدليسه، وقد نصَّ ابن عمر بقوله: «ولم يرني بلغت» وابن عمر أعلم بما روى من غيره لا سيما في قصَّة تتعلَّق به.
(قَالَ نَافِعٌ) مولى ابن عمر بالإسناد السَّابق: (فَقَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهْوَ خَلِيفَةٌ، فَحَدَّثْتُهُ هَذَا الْحَدِيثَ) الَّذي حدّثه به ابن عمر (فَقَالَ: إِنَّ هَذَا) السِّنَّ وهو خمس عشرة [13] سنة (لَحَدٌّ بَيْنَ
ج4ص401
الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَكَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ أَنْ يَفْرِضُوا) أي: يقدّروا (لِمَنْ بَلَغَ خَمْسَ عَشْرَةَ) سنةً رزقًا في ديوان الجند.
وهذا الحديث أخرجه ابن ماجه في «الحدود».
ج4ص402


[1] في (ب): «أو».
[2] زيد في (د): «بن» وليس بصحيحٍ.
[3] في (ب): «عبد» وهو تحريفٌ.
[4] في (ب) و(س): «عبد» وكذا في الموضع اللاحق، وكلاهما صحيحٌ.
[5] في (ب) و(س): «كما».
[6] في (ل): «ستَّة عشر» وفي هامشها: (قوله: «ستَّة عشر سنة» كذا بخطِّه، والأَولى: ستَّ عشرة). انتهى.
[7] «سنة»: مثبتٌ من (م).
[8] في (ل): «بثمانية عشر» وفي هامشها: («بثمانية عشر» كذا بخطِّه، والأَولى: بثمان عشرة سنة، كما هو ظاهرٌ). انتهى.
[9] في غير (د): «سبع».
[10] قوله: «في هذا السن... للقتال»: سقط من (ص).
[11] قوله: «عبيد الله بن عمر عن» مستدرك من مصادر التخريج.
[12] في (ب): «يطعن».
[13] في (ل): «خمسة عشر» وفي هامشها: (كذا بخطِّه، والأَولى: خمس عشرة سنة، كما لا يخفى). انتهى.