إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة لا حتى تذوقي عسيلته

2639- وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: ((حدَّثني)) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنديُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم [1] ابن شهاب (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوّام (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا) أنَّها قالت: (جَاءَتِ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ) بكسر الرَّاء (الْقُرَظِيِّ النَّبِيَّ) بالنَّصب، و«القُرَظِيِّ» بضمِّ القاف وفتح الرَّاء وبالظَّاء المعجمة، من بني قُرَيْظَة، وهو أحد العشرة الذين نزل فيهم: {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ} الآية [القصص: 56] كما رواه الطَّبرانيُّ [2] عنه، قال البَغَوِيُّ: ولا أعلم له حديثًا غيره، واسم زوجته: سُهَيْمة، وقيل غير ذلك ممَّا يأتي _إن شاء الله تعالى_ في «النِّكاح» [خ¦5260] ولأبي ذرٍّ: ((جاءت إلى النَّبيِّ)) (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ) له عليه الصلاة والسلام: (كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ، فَطَلَّقَنِي، فَأَبَتَّ طَلَاقِي) بهمزة مفتوحة وتشديد المثنَّاة الفوقيَّة، كذا في جميع ما وقفت عليه من النُّسَخ في الأصول المعتَمدة: «فأَبَتَّ» بالهمز من الثُّلاثيِّ المزيد فيه، وقال العَيْنِيُّ: «فَبَتَّ»، أي: من غير همز من الثُّلاثيِّ المجرَّد، قال: وفي النَّسائيِّ: «فأَبَتَّ» من المزيد. انتهى.
نعم، رأيت في النُّسخة المقروءة على الميدوميِّ: ((فطلَّقني فأبتَّ)) فزاد: «فطلَّقني»، ولم يقل بعد «أَبَتَّ»: «طلاقي»، وفي «الطَّلاق» [خ¦5260] عند المؤلِّف: «طلَّقني فَبَتَّ طلاقي»، أي: قطع قطعًا كلِّيًا، بتحصيل البينونة الكبرى بالطَّلاق الثَّلاث متفرِّقاتٍ (فَتَزَوَّجْتُ)
ج4ص374
بعد انقضاء العِدَّة (عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ) بفتح الزَّاي وكسر الموحَّدة، ابن باطا القُرَظِيَّ (إِنَّمَا) أي: إنَّ الَّذي (مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ) بضمِّ الهاء وسكون الدَّال المهملة: طرَفُه الَّذي لم يُنسَج، شبَّهوه بهدب العين: وهو شعر جفنها، ومرادها ذَكَرُهُ، وشبَّهته بذلك لصغره أو استرخائه وعدم انتشاره، قال في «العمدة» [3]: والثَّاني أظهر، وجزم به ابن الجوزيِّ؛ لأنَّه يبعُد أنْ يبلغ في الصِّغَر إلى حدٍّ لا تغيب منه الحَشَفَة الَّتي يحصل بها التَّحلُّل (فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام: (أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟) سبب هذا الاستفهام قولُ زوجها عبد الرَّحمن بن الزَّبير _كما في «مسلم»_: إنَّها ناشز، تريد رفاعة. قال الكَرْمانيُّ: وفي بعضها: ((تَرجعين)) بالنُّون على لغةِ مَنْ يرفع الفعل بعد «أنْ» حملًا على «ما» أختِها (لَا) رجوع لك إلى رِفاعة (حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ) أي: عُسَيلة عبد الرَّحمن (وَيَذُوقَ) هو أيضًا (عُسَيْلَتَكِ) بضمِّ العين وفتح السِّين المهملتين، مُصغَّرًا فيهما، كنايةٌ عن الجِماع، فشبَّه لذَّته بلذَّة العسل وحلاوته، واستعار لها ذَوْقًا. وقد روى عبد الله [4] ابن أبي مُلَيْكَة عن عائشة مرفوعًا: «إنَّ العُسَيْلة هي الجِماع». رواه الدَّارقطنيُّ، فهو مَجاز عن اللَّذة، وقيل: العُسَيْلة ماء الرَّجل، والنُّطفة تُسمَّى العُسَيلة، وحينئذٍ فلا مَجاز، لكنْ ضُعِّفَ؛ بأنَّ الإنزال لا يُشتَرط، وإن قال به الحسن البَصريُّ، وأنَّثَ العُسَيلة، لأنَّه شبَّهها بالقطعة من العسل، أو أنَّ العسل في الأصل يُذكَّر ويُؤنَّث، وإنَّما صغَّره، إشارةً إلى القدر القليل [5] الَّذي يحصل به الحِلُّ، قال النَّوويُّ: واتَّفقوا على أنَّ تغييب الحَشَفة في قُبُلها كافٍ من غير إنزال، وقال ابن المنذِر: في الحديث دلالةٌ على أنَّ الزَّوج الثَّاني إنْ واقَعَها وهي نائمة أو مُغْمًي عليها لا تُحِسُّ باللَّذة؛ أنَّها لا تَحِلُّ للأوَّل؛ لأنَّ الذَّوق أن تَحُسَّ باللَّذة، وعامَّة أهل العلم أنَّها تَحِلُّ (وَأَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق رضي الله عنه (جَالِسٌ عِنْدَهُ) صلَّى الله عليه وسلَّم (وَخَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ) الأمويُّ (بِالْباب) الشَّريف النَّبويِّ (يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ، فَقَالَ) أي: خالدٌ، وهو بالباب: (يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَا) بفتح الهمزة وتخفيف اللَّام (تَسْمَعُ إِلَى هَذِهِ مَا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) من قولها: «إنَّما معه مثلُ الهُدْبة» وكأنَّه استعظم تلفُّظها بذلك بحضرته صلَّى الله عليه وسلَّم. وهذا موضع التَّرجمة، لأنَّ خالد بن سعيد أنكر على امرأة رِفاعة ما كانت تتكلَّم به عند النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، مع كونه محجوبًا عنها خارج الباب، ولم ينكر النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عليه [6] ذلك، فاعتماد خالدٍ على سماع صوتها حتَّى أنكر عليها، هو حاصلُ ما يقع من شهادة السَّمع، ولا معنى للإشهاد إلَّا الإسماع [7]، فإذا أسمعه، فقد أشهده قَصَدَ ذلك أم لا، وقد قال الله تعالى: {وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ} [البقرة: 283] ولم يقل: «الإشهاد»، والسَّماع شهادةٌ، ولكن إذا صرَّح المقرُّ بالإشهاد، فالأحسنُ أن يكتب الشَّاهد: أشهدني بذلك فشهدت عليه، حتَّى يخلُص من الخلاف.
وهذا الحديث أخرجه مسلم والتِّرمذيُّ وابن ماجه في «النِّكاح». والنَّسائيُّ فيه وفي «الطَّلاق».
ج4ص375


[1] «ابن مسلم»: سقط من (د).
[2] في (د): «الطَّبريُّ» وهو تحريفٌ.
[3] في غير (د): «العدَّة» وهو تحريفٌ.
[4] في (ب): «الرَّحمن» وهو خطأٌ.
[5] في (د): «اليسير».
[6] هكذا في (ل)، وفي غيرها: «عليها»، وله وجه.
[7] في (ص): «السَّماع».