إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث أبي هريرة: لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول

2689- وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذَرٍّ: ((حدَّثني)) (إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويس عبد الله الأصبحيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام الأعظم (عَنْ سُمَيٍّ) بضمِّ أوَّله وفتح الميم، آخره تحتيَّةٌ مشدَّدةٌ (مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ) أي: ابن عبد الرَّحمن بن الحارث بن هشام (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان الزَّيات (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ) أي: الأذان (وَ) ما في (الصَّفِّ الأَوَّلِ) الَّذي يلي الإمام من الخير والبركة (ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا) شيئًا من وجوه الأولويَّة بأن يقع التَّساوي (إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا) أي: يقترعوا (عَلَيْهِ) أي: على المذكور من الأذان
ج4ص415
والصَّفِّ الأوَّل (لَاسْتَهَمُوا) أي: لاقترعوا عليهما [1] (وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ) أي: التَّبكير إلى الصَّلوات (لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي) ثواب أداء صلاة (الْعَتَمَةِ) أي: العشاء في جماعة (وَ) ثواب أداء صلاة (الصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا) على اليدين والرُّكبتين.
وقد سبق هذا الحديث في «الأذان» [خ¦615] وقد وقع في رواية أبوي ذر والوقت حديث عمر بن حفص بن غياث، المسوق في هذا الباب مؤخَّرًا [خ¦2686] هنا بعد قوله: «لو حبوًا». وغرض المؤلِّف _رحمه الله_ بسياق هذه الأحاديث: الإشارة إلى مشروعيَّة القرعة؛ لفصل النِّزاع عند التَّشاحح في حقٍّ ثبت لاثنين فأكثر، وتكون [2] في الحقوق المتساوية وفي تعيين الملك، فمِن الأوَّل الإمامةُ الكبرى إذا استووا في صفاتها، وفي الأذان والصَّفِّ الأوَّل كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه وفي إمامة الصَّلاة، وكذا إذا تنازع أخوان أو زوجتان في غسل الميِّت ولا مرجح لأحدهما، أقرع بينهما، وكذا لو اجتمع اثنان في الصَّلاة على الميِّت واستوت خصالهما المعروفة وتشاحَّا، وكذا لو سبق اثنان إلى مقعد من [3] شارع، وتنازعا فيه، ولو جاءا إلى معدن ظاهر _ككبريت_ معًا، أقرع بينهما، ولو التقطا لقيطًا معًا واستويا في الصِّفات [4]، ولو اجتمع أولياء في درجة واحدة، وتساووا في الصِّفات، وتشاحُّوا، وأراد كلٌّ منهم أن يزوِّج، أقرع أيضًا، وفي ابتداء القَسْم بين الزَّوجات والسَّفر ببعضهنَّ كما في حديث عائشة، والحاضنات إذا كنَّ في درجة واحدة، وولاة القصاص عند الاستواء، وكذا إذا ازدحم خصوم عند القاضي وجُهِل الأسبق أو جاؤوا معًا، وكذا عند تعارض البيِّنتين فيما إذا شهدت بيِّنة أنَّه عتق [5] في مرضه سالمًا، وأخرى أنَّه عتق غانمًا، وكلُّ واحد [6] منهما ثلث ماله، واتَّحد تاريخ البيِّنتين، وإن أُطلِقتا، قيل: يقرع، والمذهب يُعتَق من كلٍّ نصفه، ولو عتق ثلاثة، وقسمةُ ما لا يعظُم ضررُه بالأجزاء، كمثليٍّ مَنِّ حبوب [7] ودراهم وأدهان وغيرها، ودار متَّفقة أبنيةً، وأرض مشتبهة الأجزاء، فيجبر الممتنع عليها، فتُعدَّل السِّهام كيلًا في المكيل، أو [8] وزنًا في الموزون، أو ذرعًا في المذروع بعدد الأنصباء إن استوت كالأثلاث لزيد وعمرو وبكر، ويُكتَب في كلِّ رقعة اسم شريك أو جزء مميَّز بحدٍّ أو جهة وتُدرَج في بنادق مستوية وزنًا وشكلًا من طين مجفَّف أو شمع، ثمَّ يُخْرِج من لم يحضرها رقعة على الجزء الأوَّل إن كتب الأسماء، فيُعِطي من خرج اسمه، أو على اسم زيد إن كتب الأجزاء، فيُعطى ذلك الجزء، ويفعل كذلك في الرُّقعة الثَّانية، فيخرجها على الجزء الثَّاني أو على اسم عمرو، وتتعيَّن الثَّالثة للباقي إن كانت ثلاثًا، وتعيَّن من يبتدأ به من الشُّركاء، فإن اختلفت الأنصباء، كنصف وثلث وسدس في أرض، جزِّئت الأرض على أقلِّ السِّهام وهو السُّدس، فتكون ستَّة أجزاء، وقُسِمت كما سبق، والله أعلم.
ج4ص416


[1] في (ب) و(س): «عليه».
[2] في (ب) و(د): «يكون».
[3] في (د): «في».
[4] في (ب) و(س): «الخصال».
[5] في (ب) و(س): «أعتق»، وكذا في المواضع اللَّاحقة.
[6] في (د): «واحدة».
[7] في (د): «صوف».
[8] في (ص) و(م): «و».