إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: رحمه الله لقد أذكرني كذا وكذا آيةً أسقطتهن من سورة كذا

2655- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ) بضمِّ عين «عُبيد» مصغَّرًا من غير إضافة، القُرَشيُّ التَّيميُّ مولاهم المدنيُّ، وقيل: كوفيٌّ، التَّبانُ، قال: (أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبيعي (عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ) عُروة بن الزُّبَير (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا) أنَّها (قَالَتْ: سَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ج4ص386
رَجُلًا) هو عبد الله بن يزيد الأنصاريُّ القاريُّ، وزعم عبد الغنيِّ: أنَّه الخطميُّ. قال ابن حَجَر: وليس في روايته التي ساقها نسبته كذلك، وقد فرَّق ابن مَنْده بينه وبين الخطميِّ فأصاب، والمعنى هنا: سمع صوت رجل (يَقْرَأُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام: (رحمـه الله) أي: القارئ (لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً) وسقط لأبي ذرٍّ قوله «وكذا» الثانية (أَسْقَطْتُهُنَّ) أي: نسيتهنَّ (مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا) كلمةٌ مبهمة، وهي في الأصل مركبة من كاف التَّشبيه واسم الإشارة، ثمَّ نقلت فصارت يُكنَّى بها عن العدد وغيره. قال في «الفتح»: ولم أقف على تعيين الآيات المذكورة، وأغربَ مَنْ زعم أنَّ المراد بذلك إحدى وعشرون آية، لأنَّ ابن عبد الحكم قال فيمن أقرَّ أنَّ عليه كذا وكذا درهمًا: أنَّه يلزمه أحد وعشرون درهمًا، وقال الدَّاوديُّ: يكون مقرًّا بدرهمين؛ لأنَّه أوَّل [1] ما يقع عليه ذلك. انتهى. وقال المالكيَّة _واللَّفظ للشَّيخ خليل_ وكذا درهمًا؛ عشرون، وكذا وكذا، أحد وعشرون، وكذا كذا، أحد عشر [2]، وقال الشَّافعيَّة: ويجب عليه بقوله: كذا درهمٌ _بالرفع_ درهمٌ، لكون الدرهم تفسيرًا لما أبهمه بقوله: كذا وكذا، لو نصب «الدرهم» أو خفض أو سكَّن أو كرَّر «كذا» بلا عاطفٍ [3] في الأحوال الأربعة لذلك، ولاحتمال التوكيد [4] في الأخيرة وإن اقتضى النصب لزوم عشرين؛ لكونه أوَّل عددٍ مفردٍ ينصب الدرهم عقبه؛ إذ لا نظر في تفسير المبهم إلى الإعراب، ومتى كرَّرها وعطف بالواو أو بـ «ثمَّ» ونصب «الدرهم» كقوله: له عليَّ كذا وكذا درهمًا، أو كذا ثم كذا درهمًا، تكرَّر الدرهم بعدد كذا، فيلزمه في كلٍّ من المثالين درهمان، لأنَّه أقر بمبهمين وعقَّبهما [5] بالدرهم منصوبًا، فالظاهر أنَّه تفسير لكلٍّ منهما بمقتضى العطف، غير أنَّا نقدِّره في صناعة الإعراب تمييزًا [6] لأحدهما، ونقدِّر مثله للآخر، فلو خفض «الدرهم» أو رفعه أو سكَّنه، لا يتكرر، لأنَّه لا يصلح تمييزًا لما قبله.
(وَزَادَ عَبَّادُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بفتح العين وتشديد الموحَّدة في الأوَّل، ابن الزُّبير بن العوَّام التَّابعيُّ، فيما وصله أبو يَعلى (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها: (تَهَجَّدَ) أي: صلَّى (النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِي، فَسَمِعَ صَوْتَ عَبَّادٍ) هو ابن بِشرٍ الأنصاريِّ الأشهليِّ الصحابيِّ (يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ، أَصَوْتُ عَبَّادٍ هَذَا؟) بهمزة الاستفهام (قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْ عَبَّادًا) وظاهره: أنَّ المبهم في الرِّواية السَّابقة هو هذا المفسَّر في هذه؛ إذ مقتضى قوله: «زاد» أن يكون المزيد فيه والمزيد عليه حديثًا واحدًا، فتتَّحد القصَّة، لكن جزم عبد الغنيِّ بن سعيد في «مبهماته» بأنَّ المبهم في الأولى هو عبد الله بن يزيد كما مرَّ، فيحتمل أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم سمع صوت رجلين، فعرف أحدهما، فقال [7]: هذا صوت عبَّاد، ولم يعرف الآخر، فسأل عنه، والَّذي لم يعرفه هو الَّذي تذكَّر بقراءته الآية [8] الَّتي نسيها، وفيه جواز النِّسيان عليه صلَّى الله عليه وسلَّم فيما ليس طريقه البلاغ.
وبقيَّة مباحثه تأتي _إن شاء الله تعالى_ في «فضائل القرآن» [خ¦5037] ومطابقته لما تُرجِم له هنا من كونه عليه الصلاة والسلام اعتمد على صوت الرَّجل من غير رؤية شخصه.
ج4ص387


[1] في فتح الباري «أقل» وكلاهما يؤديان المعنى.
[2] «وكذا كذا أحد عشر»: سقط من (د).
[3] في (د): «عطف».
[4] في (د): «التَّأكيد». كذا في أسنى المطالب.
[5] في (ص): «عقبها».
[6] في (د): «تفسيرًا».
[7] في (د): «فكان».
[8] في (ب) و(س): «الآيات».