إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

قصة إسلام ابي ذر

3522- وبه قال: (حَدَّثَنَا زَيْدٌ هُو ابْنُ أَخْزَمَ) بفتح الهمزة وسكون الخاء وفتح الزاي المعجمتين آخره ميم، الطائيُّ الحافظ البصريُّ، وهو من أفراد البخاريِّ، وسقط «هو ابن أخزم» لأبي ذرٍّ (قَالَ أَبُو قُتَيْبَةَ) بضمِّ القاف مصغَّرًا، ولأبي ذرٍّ: ((قال: حدَّثنا أبو قُتيبةَ)) (سَالِمُ بْنُ قُتَيْبَةَ) كذا في الفرع «سالم» بألف بعد السين، والذي في «اليونينيَّة» وفرعِها وقفُ أقبغا آص وغيرهِما من الأصول المعتمدة، وذكره [1] مصنِّفو أسماء الرجال: ((سَلْم)) بغير ألفٍ وسكون اللَّام بعدَ الفتح، الشَّعِيريُّ _بفتح الشين المعجمة وكسر العين المهملة_ الخُراسانيُّ، سكن البصرةَ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُثَنَّى بْنُ سَعِيدٍ) ضدُّ المفرد، و«سعِيدُ» بكسر العين (الْقَصِيرُ) بفتح القاف ضدُّ الطويلِ، القسامُ الضُّبَعِيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو جَمْرَةَ) بالجيم والراء، نصرُ بنُ عِمرانَ الضُّبعيُّ (قَالَ: قَالَ لَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما [2]: (أَلَا) بالتخفيف حرفُ تنبيهٍ (أُخْبِرُكُمْ بِإِسْلَامِ أَبِي ذَرٍّ) الغفاريِّ؟ (قَالَ: قُلْنَا: بَلَى) أخبرنا (قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ: كُنْتُ رَجُلًا مِنْ) حيِّ (غِفَارٍ، فَبَلَغَنَا أَنَّ رَجُلًا) يعني: النبيَّ صلى الله عليه وسلم (قَدْ خَرَجَ) أي: ظَهَرَ (بِمَكَّةَ) حالَ كونِه (يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ) يأتيه الخبرُ مِنَ السماءِ (فَقُلْتُ لِأَخِي) أُنيسٍ: (انْطَلِقْ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ) الذي يزعُمُ أنَّه نبيٌّ، فإذا اجتمعتَ به (كَلِّمْهُ) ولمسلمٍ: «واسمع [3] قولَه» (وَأْتِنِي بِخَبَرِهِ، فَانْطَلَقَ) أُنيسٌ حتى أتى مكَّةَ (فَلَقِيَهُ) صلى الله عليه وسلم وسمعَ قولَه (ثُمَّ رَجَعَ) إلى أخيه أبي ذرٍّ قال [4]: (فَقُلْتُ) أي [5]: لأُنيسٍ: (مَا عِنْدَكَ) مِن خبرِه عليه الصلاة والسلام؟ (فَقَالَ: وَاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُ [6] رَجُلًا يَأْمُرُ بِالْخَيْرِ وَيَنْهَى عَنِ الشَّرِّ) ولمسلمٍ: «رأيتُه يأمرُ بمكارم الأخلاق وكلامًا ما هو بالشعر» قال أبو ذرٍّ: (فَقُلْتُ لَهُ: لَمْ تَشْفِنِي مِنَ الْخَبَرِ) أي: لم تجئْ بجوابٍ يشفيني مِن مرضِ الجهلِ (فَأَخَذْتُ) بقَصْرِ الهمزةِ وتاء المتكلِّمِ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: ((فآخُذ)) بمدِّ الهمزة وضمِّ الخاء من غير تاءٍ (جِرَابًا) بكسر الجيم (وَعَصًا) ولمسلمٍ: أنَّه تزوَّد وحمل شَنَّةً له فيها ماءٌ، قال: (ثُمَّ أَقْبَلْتُ إِلَى مَكَّةَ فَجَعَلْتُ لَا أَعْرِفُهُ) بفتح الهمزة وسكون العين وكسر الراء (وَأَكْرَهُ أَنْ أَسْأَلَ عَنْهُ) قُريشًا فيؤذوني (وأَشْرَبُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ) وعند مسلمٍ من حديث عبد الله بن الصامتِ: «وما كان لي طعامٌ إلَّا ماءُ زَمْزَمَ، فسَمِنْتُ حتى تكسَّرَتْ عُكَنُ بطني، وما وجدتُ على كبدي سَخْفَةَ جوعٍ» أي: رِقَّةَ الجوع وضَعْفَه وهُزَالَه؛ فإنَّه لكثرةِ سِمَنِهِ انثنتْ عُكَنُ بطنِه (وَأَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ) الحَرَامِ (قَالَ: فَمَرَّ بِي عَلِيٌّ) هو ابنُ أبي طالبٍ رضي الله عنه (فَقَالَ) لي: (كَأَنَّ الرَّجُلَ غَرِيبٌ؟
ج6ص14
قَالَ) أبو ذرٍّ: (قُلْتُ) له: (نَعَمْ) غريبٌ (قَالَ: فَانْطَلِقْ) معي (إِلَى الْمَنْزِلِ، قَالَ: فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ لَا يَسْأَلُنِي عَنْ شَيْءٍ وَلَا أُخْبِرُهُ) عن شيءٍ (فَلَمَّا أَصْبَحْتُ غَدَوْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ لِأَسْأَلَ عَنْهُ) عليه الصلاة والسلام (وَلَيْسَ أَحَدٌ يُخْبِرُنِي عَنْهُ بِشَيْءٍ، قَالَ: فَمَرَّ بِي عَلِيٌّ) رضي الله عنه (فَقَالَ: أَمَا نَالَ) بنون فألفٍ فلام [7]، أي: أَمَا آنَ (لِلرَّجُلِ يَعْرِفُ [8] مَنْزِلَهُ بَعْدُ) أي: أَمَا جاء الوقتُ الذي يعرفُ الرجلُ فيه منزلَه بأنْ يكونَ له منزلٌ معيَّنٌ يسكنُه [9]، أوأراد دعوتَه إلى بيتهِ للضيافةِ، وتكونُ إضافةُ المنزل إليه بملابسةِ إضافتِه له فيه، أوأراد إرشادَه إلى ما قَدِمَ إليه وقَصَدَه، أي: أَمَا جاء وقتُ إظهارِ المقصود مِنَ الاجتماعِ بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم، والدخولِ في منزلِه (قَالَ) أبو ذرٍّ: (قُلْتُ) له: (لَا) أي: لا أقصدُ التوطُّنَ ثَمَّ، أو لا أَرَبَ لي في الضيافة والمبيتِ بمنزلِكَ، بل أَهَمُّ من ذلك وهو التفتيشُ على المقصودِ، أو لا أسألُ قُريشًا عنه صلى الله عليه وسلم ظاهرًا خوفَ الأذيَّةِ (قَالَ) عليٌّ: (انْطَلِقْ) ولأبي ذرٍّ: ((فانطلِق)) (مَعِي، قَالَ): فانطلقتُ معه (فَقَالَ) لي: (مَا أَمْرُكَ؟) بسكون الميم (وَمَا أَقْدَمَكَ هَذِهِ الْبَلْدَةَ؟ قَالَ) أبو ذرٍّ: (قُلْتُ [10] لَهُ: إِنْ كَتَمْتَ عَلَيَّ أَخْبَرْتُكَ) بذلك، ولمسلمٍ كالمؤلِّف في «باب [11] إسلام أبي ذرٍّ رضي الله عنه» [خ¦3861]: «إنْ أعطيتَني عهدًا وميثاقًا لتُرشدَني فعلتُ» (قَالَ: فَإِنِّي أَفْعَلُ) ما ذكرتَه (قَالَ: قُلْتُ لَهُ: بَلَغَنَا أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ هَهُنَا رَجُلٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَأَرْسَلْتُ أَخِي لِيُكَلِّمَهُ) ويأتيني بخَبَرِهِ (فَرَجَعَ) بعدَ أنْ أتاهُ، وسَمِعَ قولَه (وَلَمْ يَشْفِنِي مِنَ الْخَبَرِ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَلْقَاهُ، فَقَالَ لَهُ) عليٌّ، وسقط لفظ «له» لأبي ذرٍّ (أَمَا) بالتخفيف (إِنَّكَ قَدْ رُشِدْتَ) بضمِّ الراء وكسر المعجمة، والذي في «اليونينية»: فتح الراء، ولأبي ذرٍّ: ((رَشَدْتَ)) بفتحهما [12] (هَذَا وَجْهِي) أي: تَوَجُّهِي (إِلَيْهِ) صلى الله عليه وسلم (فَاتَّبِعْنِي) بتشديد الفوقيَّةِ وكسر الموحَّدة (اُدْخُلْ) بضمِّ الهمزة مجزومٌ بالأمر (حَيْثُ أَدْخُلُ) بفتح الهمزة مضارعٌ (فَإِنِّي إِنْ رَأَيْتُ أَحَدًا أَخَافُهُ عَلَيْكَ قُمْتُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: ((فقمتُ)) (إِلَى الْحَائِطِ كَأَنِّي أُصْلِحُ نَعْلِي) بسكون الياء (وَامْضِ أَنْتَ) بهمزة وصلٍ، قال أبو ذرٍّ: (فَمَضَى) عليٌّ (وَمَضَيْتُ مَعَهُ حَتَّى دَخَلَ وَدَخَلْتُ مَعَهُ [13] عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ لَهُ) صلى الله عليه وسلم: (اِعْرِضْ عَلَيَّ الْإِسْلَامَ، فَعَرَضَهُ) عليَّ (فَأَسْلَمْتُ مَكَانِي، فَقَالَ لِي) صلى الله عليه وسلم: (يَا أَبَا ذَرٍّ اكْتُمْ هَذَا اْلأَمْرَ، وَارْجِعْ إِلَى بَلَدِكَ، فَإِذَا بَلَغَكَ ظُهُورُنَا فَأَقْبِلْ) بهمزة قطعٍ وكسر الموحَّدة مجزومٌ على الأمر (فَقُلْتُ) له: (وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَأَصْرُخَنَّ) لَأرفَعنَّ (بِهَا) بكلمةِ التوحيدِ صوتي (بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ) وإنَّما لم يمتثَّلِ الأمرَ لأنَّه عَلِمَ بالقرائن أنَّه ليس للإيجاب (فَجَاءَ) أبو ذرٍّ (إِلَى الْمَسْجِدِ وَقُرَيْشٌ) أي: والحالُ أنَّ قُريشًا (فِيهِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ) بسكون العين، ولأبي الوقت: ((يا معاشر قُريشٍ)) (إِنِّي) ولأبي ذرٍّ: ((أنا)) (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَقَالُوا) يعني: قُريشًا: (قُومُوا إِلَى هَذَا الصَّابِئِ) بالهمزة، أي: الذي انتقل مِن دِين إلى دِين أو ارتكبَ الجهل (فَقَامُوا) إليه، قال أبو ذرٍّ: (فَضُرِبْتُ) بضمِّ الضاد المعجمة مبنيًّا للمفعول (لِأَمُوتَ) لِأَنْ أموتَ، يعني: ضربوه ضربَ الموتِ (فَأَدْرَكَنِي الْعَبَّاسُ) بنُ عبد المطلب (فَأَكَبَّ) بتشديد الموحَّدة أي [14]: رمى بنفسه [15] (عَلَيَّ) ليمنعَهم أنْ يضربوني (ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: وَيْلَكُمْ تَقْتُلُونَ) ولأبي ذرٍّ: ((أتقتلون)) بهمزة الاستفهام (رَجُلًا مِنْ غِفَارَ وَمَتْجَرُكُمْ وَمَمَرُّكُمْ عَلَى غِفَار) بالصرفِ وعدمِه (فَأَقْلَعُوا) بالقاف الساكنة، أي: فكفُّوا (عَنِّي، فَلَمَّا أَنْ أَصْبَحْتُ الْغَدَ رَجَعْتُ فَقُلْتُ مِثْلَ مَا قُلْتُ بِالْأَمْسِ) مِن كلمة الإسلام (فَقَالُوا: قُومُوا إِلَى هَذَا الصَّابِئِ، فَصُنِعَ) بضمِّ الصاد مبنيًّا للمفعول، وزاد أبوا ذرٍّ والوقت: ((بِي)) (مِثْلُ) بالرفع (مَا صُنِعَ) بي (بِالْأَمْسِ) مِنَ الضرب (وَأَدْرَكَنِي) بالواو، ولأبي ذر: ((فأدركني)) (الْعَبَّاسُ فَأَكَبَّ عَلَيَّ، وَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ بِالْأَمْسِ، قَالَ) ابنُ عبَّاس: (فَكَانَ هَذَا) الذي ذُكِرَ (أَوَّلَ إِسْلَامِ أَبِي ذَرٍّ رَحِمَهُ اللهُ).
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «إسلام أبي ذرٍّ» [خ¦3861]، ومسلمٌ في «الفضائل». وفي رواية أبي ذرٍّ هنا [16]: ((بابُ قِصَّةِ زَمْزَمَ وجَهْلِ العربِ))، وساق في روايةِ غيرِه هنا [17] حديثَ أبي هريرةَ حديثَ أسلمَ وغِفارَ السابقِ [خ¦3517] كما ذُكر [18]، وهو [19] ثابتٌ هنا بتمامه
ج6ص15
في «اليونينية»، وفي هامشها مكتوبٌ مقابله: «هذا الحديث عند أبي ذرٍّ تمامُ بابِ ذِكر أسلمَ...» إلى آخرِ ما ذكرتُه هناك [20]، فليُعلَم.
ج6ص16


[1] في غير (د): «وذكر» ولا يصح.
[2] قوله: « بالجيم والراء، نصرُ بنُ عِمرانَ الضُّبعيُّ قَالَ: قَالَ لَنَا ابْنُ عَبَّاسِ رضي الله عنهما» سقط من (ص).
[3] كذا في (د) و(س)، وهي رواية البخاري (3861)، وفي غيرهما: «اسمع»، والذي في «مسلم» (2474): «فاسمع من قوله».
[4] «قال»: ليس في (ب).
[5] «أي»: ليس في (د).
[6] في (ص): «لقيتُ».
[7] «فلام»: مثبت من (د).
[8] في (د): «أن يعرفَ».
[9] في (د): «ليسكنه».
[10] في (م): «فقلت».
[11] «باب»: ليس في (د).
[12] في غير (د) و(س): «بفتحها» والصواب ما فيهما.
[13] «معه»: سقط من (م).
[14] «أي»: مثبت من (د) و(م).
[15] في (د): «بنفسه». وسقطت كلمة رمى.
[16] «هنا»: ليس في (د)، وفي (م): «هذا».
[17] «هنا»: ليس في (د).
[18] «كما ذُكر»: ليس في (م).
[19] في غير (د): «وهذا»، وزيد في (م): «الحديث».
[20] أي: عقب حديث أبي هريرة رضي الله عنه (3517)، وفي غير (د) و(م): «هنا»، وهو خطأ.