إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: إن من أعظم الفرى أن يدعي الرجل إلى غير أبيه

3509- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ) بالتحتيَّة والمعجمة، الألهانيُّ الحِمصيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَرِيزٌ) بالحاء المهملة المفتوحة والراء المكسورة والزاي آخره، ابنُ عثمانَ الحِمصيُّ الرَّحَبيُّ _بفتح الراء والحاء المهملة بعدَها موحَّدة_ مِن صغار التابعينَ، ثقةٌ ثَبْتٌ لكنَّه رُمِيَ بالرفضِ، وقال الفَلَّاسُ: كان ينتقصُ عليًا، وقال ابنُ حِبَّانَ: كان داعيةً إلى مذهبهِ يُجتنَبُ حديثُه، وقال البخاريُّ: قال أبو اليمان: كان ينال من رجلٍ ثم تَرَكَ، قال ابنُ حَجَرٍ: هذا أعدلُ الأقوالِ، لعلَّه تاب، وليس له في «البخاري» سوى هذا الحديث وآخرَ في «صفةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم» [خ¦3546]، وروى له أصحابُ «السنن» (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ عُبَيدِ اللهِ) بضمِّ العينِ في الثاني مصغَّرًا، كذا في فرع «اليونينية»، وفي أصله وغيره: ((بنُ عَبدِ اللهِ)) بفتح العين مكبَّرًا، ابنِ كعبِ بنِ عُميرٍ (النَّصْرِيُّ) بالنون المفتوحة والصاد المهملة الساكنة، من بني نصرِ بنِ معاويةَ بنِ بكرِ بنِ هوازنَ الدمشقيُّ التابعي الصغير، وثَّقه العِجليُّ والدارَقُطنيُّ وغيرُهما، وقال أبو حاتم: لا يُحتجُّ به، وليس له في «البخاري» سوى هذا الحديث الواحد، وخرَّج له الأربعةُ (قَالَ: سَمِعْتُ وَاثِلَةَ بْنَ الْأَسْقَعِ) بالقاف، ابن كعب الليثي رضي الله عنه (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْفِرَى) بكسر الفاء وفتح الراء مقصورًا ويُمدُّ، جمعُ فِرية، أي: مِن أعظمِ الكذبِ والبُهت (أَنْ يَدَّعِيَ الرَّجُلُ) بتشديد الدال، ينتسبَ (إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، أَو يُرِيَ عَيْنَهُ مَا لَمْ تَرَ) بالإفراد في «عينه»، و«يُرِيَ»: بضمِّ أوَّلِه وكسر ثانيه، مِن «أرى» أي: يَنسبَ الرؤيةَ إلى عينه، كأنْ [1] يقول: رأيتُ في منامي كذا وكذا، ولا يكون قد رآه، يتعمَّدُ الكَذِبَ، وإنَّما زِيدَ التشديدُ في هذا على الكذب في اليَقَظَةِ، قال في «المصابيح» كـ «الطِّيبيِّ»: لأنَّه في الحقيقةِ كذبٌ عليه تعالى؛ فإنَّه الذي يُرسلُ مَلَكَ الرؤيا بالرؤية [2] ليُريه المنام، وقال في «الكواكب»:
ج6ص10
لأنَّ الرؤيا جُزءٌ مِنَ النبوَّةِ، والنبوَّةُ لا تكونُ إلَّا وحيًا، والكاذبُ في الرؤيا يدَّعي أنَّ الله أراه ما لم يَرَهُ وأعطاه جُزأً مِن النبوَّة لم يُعطِه، والكاذبُ على الله أعظمُ فِريةً ممَّن يكذبُ على غيره (أَو يَقُولَ) نصبَ عطفًا على السابق، ولأبوي ذرٍّ والوقت وعزاها في «الفتح» للمُستملي: ((أو تَقَوَّل)) بالفوقيَّة والقاف وتشديد الواو المفتوحات، أي: افترى (عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَمْ يَقُلْ) وقد يكونُ في كَذِبِه نسبةُ شرعٍ [3] إليه صلى الله عليه وسلم، والشرعُ غالبًا إنَّما هو على لسانِ المَلَك، فيكونُ الكاذب في ذلك كاذبًا على الله وعلى المَلَك.
وهذا الحديث من عَوالي المصنِّفِ وأفراده، وفيه روايةُ القَرينِ عن القَرين.
ج6ص11


[1] في (د): «بأن».
[2] ليست في (م) و(ب).
[3] في (ص): «نسبة الشرع» وفي (م): «نسبته شرع».