إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

باب: يحلف المدعى عليه حيثما وجبت عليه اليمين ولا يصرف

(23) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَيْثُمَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ، وَلَا يُصْرَفُ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى غَيْرِهِ) للتَّغليظ وجوبًا، وهذا قول الحنفيَّة، فلا يُغَلَّظ عندهم بمكان كالتَّحليف في المسجد، ولا بزمان كالتَّحليف في يوم الجمعة، قالوا: لأنَّ ذلك زيادة على النَّص. وقال الحنابلة واللَّفظ للمرداويِّ في «تنقيحه»: ولا تُغَلَّظ إلَّا فيما له خطر كجنايةٍ وطلاق إن قلنا: يحلف فيهما. وقال الشَّافعية: تُغَلَّظ ندبًا ولو لم يطلب الخصم تغليظها لا بتكرير الأيمان لاختصاصه باللِّعان والقسامة ووجوبه فيهما، ولا بالجمع لاختصاصه باللِّعان، بل بتعديد أسماء الله تعالى وصفاته وبالزَّمان والمكان، سواء كان المحلوف عليه مالًا أم غيره، كالقود والعتق والحدِّ والولاء والوكالة والوصاية والولادة، لكن استثنى
ج4ص406
من المال أقلَّ من عشرين دينارًا أو مئتي درهم، فلا تغليظ في ذلك إلَّا أن يراه القاضي لجراءة في الحالف، فله ذلك بناء على الأصح أن التغليظ لا يتوقف على طلب الخصم.
(قَضَى مَرْوَانُ) بن الحكم الأمويُّ، وكان والي المدينة من جهة معاوية بن أبي سفيان فيما وصله في «الموطَّأ» (بِالْيَمِينِ عَلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَلَى الْمِنْبَرِ) لمَّا اختصم هو وعبد الله بن مطيع إليه في دار (فَقَالَ) أي: زيد: (أَحْلِفُ لَهُ مَكَانِي) زاد في «الموطَّأ»: «فقال مروان: لا والله إلَّا عند مقاطع الحقوق» (فَجَعَلَ زَيْدٌ يَحْلِفُ) أنَّ حقَّه لَحقٌّ (وَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَجَعَلَ مَرْوَانُ يَعْجَبُ مِنْهُ) أي: من زيد. قال الشَّافعيُّ: لو لم يعرف زيد أنَّ اليمين عند المنبر سنَّة؛ لأنكر ذلك على مروان، كما أنكر عليه مبايعة الصُّكوك [1]، وهو احترز منه تهيُّبًا وتعظيمًا للمنبر. قال الشَّافعيُّ: ورأيت مُطرِّفًا بصنعاء يُحلِّف على المصحف، وذلك عندي حسن.
(وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فيما تقدَّم موصولًا في حديث الأشعث: (شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ) [خ¦2670] قال المؤلِّف: تفقُّهًا منه (فَلَمْ) بالفاء، ولأبوي الوقت وذرٍّ: ((ولم)) (يَخُصَّ) عليه الصلاة والسلام (مَكَانًا دُونَ مَكَانٍ) واعتُرِضَ عليه بأنَّه ترجم لليمين بعد العصر، فأثبت التَّغليظ بالزَّمان ونفاه هنا بالمكان. وأُجيبَ: بأنَّه لا يلزم من ترجمة [2] اليمين بعد العصر تغليظ اليمين بالزَّمان، ولم يُصَرِّح هناك بشيء من النَّفي والإثبات.
ج4ص407


[1] في (د): «الصُّعلوك»، وهو تحريفٌ.
[2] في (ب) و(س): «ترجمته».