إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: أن النبي قضى باليمين على المدعى عليه

2668- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَين قال: (حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ) بن عبد الله بن جميل [1] الجمحيُّ القرشيُّ المكِّيُّ، المتوفَّى سنة تسع وستِّين ومئة (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) هو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي مُلَيكة _بضمِّ الميم وفتح اللَّام مصغَّرًا_ أنَّه (قَالَ: كَتَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا [2] ) أي: بعد أن كتبتُ إليه أسأله عن قصَّة المرأتين اللَّتين ادَّعت إحداهما على الأخرى أنَّها جرحتها، كما في تفسير «سورة آل عمران» [خ¦4552] وزاد أبو ذرٍّ: ((إليَّ)) (أنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ) وعند البيهقيِّ من طريق عبد الله بن إدريس عن ابن جريج وعثمان بن الأسود عن ابن أبي مُلَيكة بلفظ: كنت قاضيًا لابن الزُّبير على الطَّائف، وذكر قصَّة المرأتين، فكتبتُ إلى ابن عبَّاس، فكتب إليَّ: أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «لو يُعطى النَّاس بدعواهم؛ لادَّعى رجالٌ أموال قوم ودماءهم، ولكنَّ البيِّنة على المدَّعي، واليمين على من أنكر»، وإسناده حسنٌ، وإنَّما كانت البيِّنة على المدَّعي؛ لأنَّ حجَّته قويَّةٌ، لانتفاء التُّهمة، وجانبه ضعيفٌ، لأنَّه خلاف الظَّاهر فكُلِّفَ الحجَّة القويَّة وهي البيِّنة، ليقوى بها ضعفه، وعكسه المدَّعى عليه، فاكتفى بالحجَّة الضَّعيفة وهي اليمين. نعم، قد يجعل اليمين في جانب المدَّعي في مواضع مستثناةٍ لدليل، كأيمان القَسَامة لحديث الصَّحيحين المخصِّص لحديث الباب [خ¦6898]، وفي «البيهقيِّ» عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه: أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «البيِّنة على من ادَّعى، واليمين على من أنكر إلَّا في القسامة» ودعوى القيمة في المتلفات [3]. وفي هذا الحديث دلالة لمذهب الشَّافعيِّ والجمهور: أنَّ اليمين متوجِّهة على المدَّعى عليه، سواء كان بينه وبين المدَّعي اختلاط أم لا. وقال مالك وأصحابه: إنَّ اليمين لا تتوجَّه إلَّا على من بينه وبينه خلطة، لئلَّا يبتذلَ السُّفهاءُ أهلَ الفضل بتحليفهم مرارًا في اليوم الواحد، فاشتُرِطَت الخلطة لهم [4] لهذه المفسدة.
وهذا الحديث قد سبق في «الرَّهن» [خ¦2514] ويأتي _إن شاء الله تعالى_ في «تفسير سورة آل عمران» [خ¦4552].
ج4ص404


[1] في (د1) و(ص) و(م) و(ل): «حميد»، وهو تحريفٌ.
[2] زيد في (د1) و(ص) و(م): «أنَّ النَّبيَّ»، وسيأتي.
[3] قوله: «ودعوى القيمة في المتلفات»: سقط من (د1) و(ص) و(م).
[4] «لهم»: مثبتٌ من (د).