إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

باب: إذا زكى رجل رجلًا كفاه

(16) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا زَكَّى رَجُلٌ) واحد (رَجُلًا كَفَاهُ) فلا يحتاج إلى آخر معه، والَّذي ذهب إليه الشَّافعيَّة والمالكيَّة، وهو قول محمَّد بن الحسن اشتراط اثنين (وَقَالَ أَبُو جَمِيلَةَ) بفتح الجيم وكسر الميم، واسمه: سُنَين _بضمِّ السِّين المهملة وفتح النُّون الأولى مصغَّرًا_ فيما رواه البخاريُّ [خ¦4301] (وَجَدْتُ مَنْبُوذًا) بالذَّال المعجمة، أي: لقيطًا ولم يُسَمَّ (فَلَمَّا رَآنِي عُمَرُ) بن الخطَّاب رضي الله عنه (قَالَ: عَسَى الْغُوَيْرُ) بضمِّ الغين المعجمة، تصغير غار (أَبْؤُسًا) بفتح الهمزة وسكون الموحَّدة، بعدها همزة مضمومة فسين مهملة، جمع بؤس، وانتصب على أنَّه خبر لـ «يكون» محذوفة، أي: عسى الغُويَر أن يكون أبؤسًا، وهو مَثَل مشهور يقال فيما [1] ظاهره السَّلامة ويخشى منه العطب، وأصله كما قال الأصمعيُّ: أنَّ ناسًا دخلوا يبيتون في غار فانهار عليهم فقتلهم، وقيل: أوَّل من تكلَّم به الزَّبَّاء _بفتح الزَّاي وتشديد الموحَّدة ممدودًا_ لما عدل قُصَيرٌ بالأحمال عن الطَّريق المألوفة، وأخذ على الغُوَير أبؤسًا، أي: عساه أن يأتي بالبأس والشَّرِّ، وأراد عمر بالمَثَل: لعلَّك زنيتَ بأمِّه وادَّعيته لقيطًا، قاله ابن الأثير، وقد سقط قوله «قال: عسى الغُوَير أبؤسًا» لغير الأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ (كَأَنَّهُ يَتَّهِمُنِي) أي: كأنَّ عمر يتَّهم أبا جميلة. قال ابن بطَّال: أن يكون ولده أتى به؛ ليفرض له في بيت المال (قَالَ عَرِيفِي) القيِّم بأمور القبيلة والجماعة من النَّاس، يلي أمورهم، ويعرِّف الأمير أحوالهم، واسمه: سنان فيما ذكره الشَّيخ أبو حامد الإسفراينيُّ في «تعليقه»: (إِنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ، قَالَ) عمر لعريفه: (كَذَاكَ) هو صالح مثل ما تقول؟ قال: نعم. فقال: (اذْهَبْ) به، زاد مالك: «فهو حرٌّ ولك ولاؤه»، أي: تربيته وحضانته (وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ) أي: في بيت المال، بدليل رواية البيهقيِّ: «ونفقته في بيت المال».
وهذا موضع التَّرجمة، فإنَّ عمر اكتفى بقول العريف على ما يفهمه قوله: «كذاك» ولذا [2] قال: «اذهب وعلينا نفقته».
ج4ص399


[1] في (د): «لمن».
[2] في (د1): «وكذا».