إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث أبي هريرة: أن الناس كانوا يقولون أكثر أبو هريرة

3708- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) واسمُ أبي بكرٍ: القاسمُ بن الحارث بن زُرارة بن مصعب بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ، أبو مصعبٍ الزُّهريُّ المدنيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دِينَارٍ، أَبُو عَبْدِ اللهِ الْجُهَنِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّد بن عبد الرَّحمن (عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ) بضمِّ المُوحَّدة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَقُولُونَ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ) من رواية الحديث (وَإِنِّي كُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشِبَعِ بَطْنِي) بمُوحَّدةٍ فشينٍ مُعجَمةٍ مكسورتين فمُوحَّدةٍ مفتوحةٍ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: ((لِيَشْبع)) بلامٍ مكسورةٍ فتحتيَّةٍ مفتوحةٍ وسكون المعجمة؛ بلفظ المضارع (حَتَّى) وللأربعة عن الحَمُّويي والمُستملي: ((حين)) (لَا آكُلُ الْخَمِيرَ) بالميم، أي: الخبز الذي جُعِل في عجينه الخمير، وفي نسخةٍ: ((الخبيز)) بالمُوحَّدة والزَّاي، أي: الخبز المأدوم قاله في «المصابيح» و«العمدة»، وزاد: «والخُبز» _بضمِّ المعجمة وبالزَّاي_: الأدم، وتبع في ذلك الكرمانيَّ (وَلَا أَلْبَسُ الْحَبِيرَ) بالحاء المُهمَلة المفتوحة وبعد
ج6ص118
الموحَّدة المكسورة تحتيَّةٌ ساكنةٌ فراءٌ، من البرود ما كان مُوشًّى مُخطَّطًا، ولابن عساكر وأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: ((الحرير)) (وَلَا يَخْدُمُنِي فُلَانٌ وَلَا فُلَانَةُ، وَكُنْتُ أُلْصِقُ بَطْنِي بِالْحَصْبَاءِ مِنَ الْجُوعِ) لتنكسر حرارة شدَّة الجوع ببرودة الحصباء (وَإِنْ كُنْتُ لأَسْتَقْرِئُ الرَّجُلَ) بالهمز، أي: أطلب منه أن يُقرئني (الآيَةَ) من القرآن العزيز (هِيَ) أي: والحال أنَّ تلك الآية (مَعِي) أي: أحفظها، وقال الحافظ ابن حجرٍ والزَّركشيُّ: أي: أطلب منه القِرى، أي: الضِّيافة كما وقع مُبيَّنًا في رواية أبي نُعَيمٍ في «الحلية» عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنَّه وجد عمر رضي الله عنه فقال: أقرئني، فظنَّ أنَّه من القراءة، وأخذ يُقرئه القرآن ولم يطعمه، قال: وإنَّما أردتُ منه الطَّعام، وهذا الذي قالاه يردُّه قوله: «الآية» كما قاله العينيُّ وصاحب «المصابيح»، فالحمل على أنَّهما قضيَّتان أوجهُ، وأجاب في «انتقاض الاعتراض»: بأنَّه إذا حُمِل على التَّعدُّد؛ فحيث يكون في القصَّة «أستقرئ» بالهمز، أو مع التَّصريح بـ «الآية»؛ فهومن القراءة جزمًا، وحيث لا بل يكون بتسهيل الهمزة؛ أمكنت إرادة التَّورية؛ كما في رواية أبي نُعَيمٍ. انتهى. قلت: وهذا الحديث رواه المؤلِّف في «الأطعمة» [خ¦5432] من طريق عبد الرَّحمن بن أبي شيبة عن ابن أبي فُدَيكٍ عن ابن أبي ذئبٍ عن أبي سعيدٍ كما هنا: «أستقرئ» بالهمز وذكر «الآية»، ورواه أيضًا التِّرمذيُّ في «المناقب» عن أبي سعيدٍ الأشجِّ عن إسماعيل بن إبراهيم التَّيميِّ عن إبراهيم ابن إسحاق [1] المخزوميِّ عن سعيد المقبُريِّ عن أبي هريرة بلفظ: «إن كنت لأستقرئ الرَّجل من أصحاب النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن الآية من القرآن و [2] أنا أعلم بها منه، ما أسأله إلَّا ليطعمني شيئًا؟ فكنت إذا سألتُ جعفر بن أبي طالبٍ؛ لم يُجبني حتَّى يذهب بي إلى منزله، فيقول لامرأته: يا أسماء أطعمينا فإذا أطعمتنا؛ أجابني، وكان جعفرٌ يحبُّ المساكين ويجلس إليهم ويحدِّثهم ويحدِّثونه، وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يكنِّيه بأبي المساكين»، ثمَّ قال: هذا حديثٌ غريبٌ، وأبو إسحاق المخزوميُّ هو إبراهيم بن الفضل المدينيُّ، وقد تكلَّم فيه بعض أهل الحديث من قِبَل حفظه، فقد ثبت أنَّ قوله: «أستقرئ» بالهمز، من القراءة مع التَّصريح بالآية، فتعيَّن الحمل على التَّعدُّد؛ جمعًا بين ما ذُكِر ورواية أبي نُعَيمٍ المذكورة.
وهذا الحديث قد رواه ابن ماجه في «الزُّهد» عن عبد الله بن سعيدٍ الكنديِّ عن إسماعيل ابن إبراهيم التَّيميِّ عن أبي إسحاق المخزوميِّ، لكنَّه لم يقل فيه: «وكنت أستقرئ الرَّجل الآية هي معي» (كَيْ يَنْقَلِبَ) أي: يرجع (بِي) إلى منزله (فَيُطْعِمَنِي) شيئًا (وَكَانَ أَخْيَرَ النَّاسِ) بإثبات الهمزة قبل الخاء بوزن «أفضل» ومعناه، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: ((خير)) بحذفها، لغتان فصيحتان (لِلْمِسْكِينِ) بالإفراد جنس، ولأبي ذر: ((للمساكين)) (جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، كَانَ يَنْقَلِبُ بِنَا) إلى منزله (فَيُطْعِمُنَا مَا كَانَ فِي بَيْتِهِ) فـ «ما» في موضع نصبٍ، مفعولٌ ثانٍ لقوله: «فيطعمنا» (حَتَّى إِنْ كَانَ لَيُخْرِجُ) بضمِّ الياء، من الإخراج (إِلَيْنَا الْعُكَّةَ) وعاء السَّمن (الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ) يمكن إخراجه منها بغير شقِّها (فَيَشُقُّهَا فَنَلْعَقُ مَا فِيهَا) أي: في جوانبها بعد الشَّقِّ.
ج6ص119


[1] في (ل): «إبراهيم أبي إسحاق» وهو الصواب والله أعلم.
[2] الواو ليس في (ب).