إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: أشعرت أن الله أفتاني فيما فيه شفائي أتاني رجلان

3268- وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) الفرَّاء الرَّازي الصَّغير قال: (أَخْبَرَنَا عِيسَى) بن يونس بن أبي إسحاق السَّبيعيُّ (عَنْ
ج5ص290
هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها أنَّها (قَالَتْ: سُحِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بضمِّ السِّين وكسر الحاء المهملتين مبنيًّا للمفعول، لمَّا رجع من الحديبية. (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ فيما وصله عيسى بن حمَّادٍ في نسخته [1] رواية أبي بكر بن أبي داود عنه: (كَتَبَ إِلَيَّ هِشَامٌ: أَنَّهُ سَمِعَهُ) أي: الحديث (وَوَعَاهُ) أي: حفظه (عَنْ أَبِيهِ) عروة (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها أنَّها (قَالَتْ: سُحِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى كَانَ يُخَيَّلُ) بضمِّ التَّحتيَّة وفتح الخاء المعجمة مبنيًّا للمفعول (إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ) من أمور الدُّنيا. وفي رواية ابن عيينة عند المؤلِّف في «الطِّبِّ» [خ¦5765]: «حتَّى كان يرى أنَّه يأتي النِّساء» (وَمَا يَفْعَلُهُ) وفي «جامع مَعْمَرٍ» عن الزُّهريِّ: «أنَّه عليه السلام لبث كذلك سنةً» (حَتَّى كَانَ ذَات يَوْمٍ) بنصب «ذات» [2]، ويجوز رفعها، وقد قيل: إنَّها مقحمةٌ، وقيل: بل هي من إضافة الشَّيء إلى نفسه على رأي من يجيزه (دَعَا وَدَعَا) مرَّتين. ولـ «مسلمٍ» من رواية ابن نُمَيرٍ: «فدعا، ثمَّ دعا، ثمَّ دعا» [3] بالتَّكرير [4] ثلاثًا، وهو المعهود من عادته (ثُمَّ قَالَ) لعائشة: (أَشَعَرْتِ) أي: أَعَلِمْتِ (أَنَّ اللهَ) عَزَّ وَجَلَّ (أَفْتَانِي فِيمَا فِيهِ شِفَائِي) وللحُميديِّ: «أفتاني في أمرٍ استفتيه فيه» أي: أجابني فيما دعوته، فأطلق على الدُّعاء استفتاءً، لأنَّ الدَّاعي طالبٌ والمجيب مُسْتَفتٍ، أو المعنى: أجابني عمَّا سألته عنه، لأنَّ دعاءه كان [5] أن يطلعه الله على حقيقة ما هو فيه، لِمَا اشتبه عليه من الأمر (أَتَانِي رَجُلَانِ) وعند الطَّبرانيِّ [6] من طريق مُرجَّى بن رجاءٍ عن هشامٍ: «أتاني ملكان» وعند ابن سعدٍ في روايةٍ منقطعةٍ: «أنَّهما جبريل وميكائيل» (فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا) هو جبريل، كما جزم به الدِّمياطيُّ في «السِّيرة» (عِنْدَ رَأْسِي، وَ) قعد (الآخَرُ) وهو ميكائيل (عِنْدَ رِجْلَيَّ) بالتَّثنية (فَقَالَ أَحَدُهُمَا) وهو ميكائيل (لِلآخَرِ) وهو جبريل: (مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟) فيه إشعارٌ بوقوع ذلك في المنام؛ إذ لوكان يقظةً؛ لخاطباه وسألاه، وفي رواية ابن عيينة عند الإسماعيليِّ: «فانتبه من نومه ذات يومٍ»، لكن في حديث ابن عبَّاسٍ بسندٍ ضعيفٍ عند [7] ابن سعدٍ: «فهبط عليه ملكان وهو بين النَّائم واليقظان» (قَالَ) أي: جبريل لميكائيل: (مَطْبُوبٌ) بفتح الميم وسكون الطَّاء المهملة [8] ومُوحَّدتين بينهما واوٌ، مسحورٌ، كنَّوا [9] عن السِّحر بالطِّبِّ، كما كنَّوا عن اللَّديغ بالسَّليم تفاؤلًا (قَالَ) أي: ميكائيل لجبريل: (وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ) جبريل لميكائيل: طبَّهُ (لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ) بفتح اللَّام وكسر الموحَّدة، و«الأَعْصَم» بهمزةٍ مفتوحةٍ فعينٍ ساكنةٍ فصادٍ مفتوحةٍ مهملتين فميمٍ، اليهوديُّ (قَالَ: فِي مَاذَا؟ قَالَ: فِي مشْطٍ) بضمِّ الميم وإسكان الشِّين، وقد يُكسَر أوَّله مع إسكان ثانيه، وقد يُضَمُّ ثانيه مع ضمِّ أوَّله فقط، واحد الأمشاط: الآلة الَّتي يُمشَّط بها الشَّعر [10]، وفي حديث عَمْرة [11] عن عائشة: أنَّه مشطه صلى الله عليه وسلم (وَمُشَاقَةٍ) بالقاف: ما يُستخرَج من الكتَّان (وَجُفِّ طَلْعَةٍ) بضمِّ الجيم وتشديد الفاء والإضافة وتنوين «طلعةٍ» (ذَكَرٍ) بالتَّنوين أيضًا، صفةٌ لـ «جفٍّ» وهو وعاء الطَّلع وغشاؤه إذا جفَّ (قَالَ) ميكائيل لجبريل: (فَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ) جبريل: هو [12] (فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ) _بذالٍ مُعجَمةٍ مفتوحةٍ وراءٍ ساكنةٍ_ بالمدينة [13] في بستان بني زُرَيقٍ _بتقديم الزَّاي المضمومة على الرَّاء_ من اليهود. وقال البكريُّ والأصمعيُّ: بئر [14] أَرْوَان، بهمزةٍ بدل المعجمة وغَلَّط القائل بالأوَّل، وكلاهما صحيحٌ، ويأتي بيان ذلك _إن شاء الله تعالى_ في «كتاب الطِّبِّ» [خ¦5766] بعون الله تعالى.
(فَخَرَجَ إِلَيْهَا) إلى البئر المذكورة (النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) زاد في «الطِّبِّ» [خ¦5766]: «في أناسٍ من أصحابه» ويأتي _إن شاء الله تعالى_ ذكر تسمية من سُمِّي منهم (ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ لِعَائِشَةَ حِينَ رَجَعَ: نَخْلُهَا) الَّتي إلى جانبها (كَأَنَّهَا) أي: النَّخيل، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: ((كأنَّه)) أي: النَّخل [15] (رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ) كذا وقع هنا، والتَّشبيه إنَّما هو لـ «رؤوس النَّخل» وفي «الطِّبِّ» [خ¦5763]: «وكأنَّ رؤوس نخلها رؤوس [16] الشَّياطين» أي: في قبح المنظر، قالت عائشة: (فَقُلْتُ: اسْتَخْرَجْتَهُ؟ فَقَالَ) عليه السلام: (لَا) لم أستخرجه (أَمَّا) بفتح الهمزة وتشديد الميم (أَنَا فَقَدْ شَفَانِي اللهُ، وَخَشِيتُ أَنْ يُثِيرَ ذَلِكَ) استخراجه (عَلَى النَّاسِ شَرًّا) كتذكُّر السِّحر وتعلُّمه، وهو من باب ترك المصلحة خوف المفسدة (ثُمَّ دُفِنَتِ الْبِئْرُ) بضمِّ الدَّال وكسر الفاء،
ج5ص291
مبنيًّا للمفعول. وفي «الطِّبِّ» [خ¦5765] من طريق سفيان بن عيينة عن ابن جريجٍ عن آل عروة [17] عن عروة: فأتى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم البئر حتَّى استخرجه، ثمَّ قال: «فاستُخرِج» قال [18]: فقلتُ: ألا تنشَّرتَ [19]؟ فقال: «أَما واللهِ قد شفاني، وأكره أن أثير على أحدٍ من الناس شرًّا» فأثبت استخراج السِّحر، وجعل سؤال عائشة عن النُّشرة، وزيادته مقبولةٌ، لأنَّه أثبت من بقيَّة من روى هذا الحديث، لا سيِّما وقد كرَّر استخراج السِّحر مرَّتين في روايته كما ترى، فبَعُد [20] من الوهم، وزاد ذكر النُّشرة وجعل جوابه صلى الله عليه وسلم عنها، وفي رواية عمرة عن عائشة: «أنَّه وجد [21] في الطَّلعة تمثالًا من شمعٍ _تمثال النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم_ وإذا فيه إبرٌ مغروزةٌ، وإذا وترٌ فيه إحدى عشرة عقدةً، فنزل جبريل بالمُعوَّذتين، فكلَّما قرأ آيةً انحلَّت عقدةٌ، وكلَّما نزع إبرةً وجد لها ألمًا، ثمَّ يجد بعدها راحةً» ومطابقة الحديث لِمَا تُرجم به [22] من جهة أنَّ السِّحر إنَّما يتمُّ باستعانة الشَّياطين على ذلك. وأخرجه في «الطِّبِّ» [خ¦5763] أيضًا وكذا النَّسائيُّ.
ج5ص292


[1] في (د): «نسخة» ثمَّ زيد في (م): «في».
[2] زيد في (د): «يوم».
[3] «ثمَّ دعا»: ليس في (ب).
[4] في (د): «بالتَّكرار».
[5] في (م): «لأنَّه دعا».
[6] في (م): «الطَّبريِّ» وهو تحريفٌ.
[7] في (د): «عن».
[8] «المهملة»: ليس في (ب) و(د).
[9] زيد في (م): «به».
[10] في (م): «الشُّعور».
[11] في (س) و(ص): «عروة» والمثبت موافقٌ لما في «الفتح» (10/240).
[12] «هو»: ليس في (ب).
[13] في (د): «في المدينة».
[14] زيد في (د): «ذي».
[15] في (م): «النَّخيل».
[16] في (ب): «من».
[17] «عن آل عروة»: ليس في (د).
[18] «قال»: ليس في (م).
[19] في (م): «نشرت».
[20] في (د): «فيُعَدُّ»، وهو تحريفٌ، وفي (ص): «فيبعد».
[21] «وجد»: ليس في (ص).
[22] في (د): «له».