إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: بت في بيت خالتي ميمونة بنت الحارث

117- وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) أي: ابن أبي إياسٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ) بفتح الحاء والكاف، ابن عُتَيْبة؛ بضمِّ العين تصغير عُتْبةَ، ابن النَّهَّاس، فقيه الكوفة، المُتوفَّى سنة أربعَ عشْرةَ، وقيل: خمس عشْرةَ ومئةٍ (قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما أنَّه (قَالَ: بِتُّ) بكسر المُوحَّدة مِنَ: البيتوتة (فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارثِ) الهلاليَّة (زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) وهي أخت أمِّه لبابة الكبرى بنت الحارث، ولبابة هذه أوَّل امرأةٍ أسلمت بعد خديجة، وتُوفِّيت ميمونة رضي الله عنها سنة إحدى وخمسين بسرفٍ، بالمكان الذي بنى بها فيه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، وصلَّى عليها ابن عبَّاسٍ، لها في «البخاريِّ» سبعة أحاديث (وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم عِنْدَهَا فِي لَيْلَتِهَا) المُختَصَّة بها، بحسب قَسْم النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بين أزواجه (فَصَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم الْعِشَاءَ) في المسجد (ثُمَّ جَاءَ) منه (إِلَى مَنْزِلِهِ) الذي هو بيت ميمونة أمِّ المؤمنين، و«الفاء» في «فَصَلَّى» هي التي تدخل بين المُجمَل والمُفصَّل لأنَّ التَّفصيل إنَّما هو عقب الإجمال؛ لأنَّ صلاته عليه الصلاة والسلام العشاء ومجيئه إلى منزله كانا قبل كونه عند ميمونة، ولم يكونا بعد الكون عندها (فَصَلَّى) عليه الصلاة والسلام عقب دخوله (أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ نَامَ) بعد الصَّلاة على التَّراخي (ثُمَّ قَامَ) من نومه (ثُمَّ قَالَ: نَامَ الْغُلَيِّمُ؟) بضمِّ الغَيْن المُعجَمَة وفتح اللَّام وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، تصغيرُ شفقةٍ، ومُرَاده ابن عبَّاسٍ، وقوله: «نام» استفهامٌ حُذِفت همزته لقرينة المقام، أو إخبارٌ منه عليه الصلاة والسلام بنومه (أَوْ) قال (كَلِمَةً تُشْبِهُهَا) أي: تشبه كلمة: نام الغُلَيِّم، شَكٌّ مِنَ الراوي، وعبَّر بـ «كلمةً» على حدِّ كلمة الشَّهادة (ثُمَّ قَامَ) عليه الصلاة والسلام في الصَّلاة [1] (فَقُمْتُ عَنْ يسَارِهِ) بفتح الياء وكسرها، شبَّهوها في الكسر بالشِّمال، وليس في كلامهم كلمةٌ مكسورةُ الياء إلَّا هذه، وحُكِيَ التَّشديد للسِّين لغةٌ فيه عن ابن عبادٍ (فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى) وفي رواية ابن عساكر: ((وصلَّى)) (خَمْسَ رَكَعَاتٍ) وفي الفرع كأصله من غير رقمٍ: ((إحدى عشرة ركعةً)) [2] (ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ نَامَ) عليه الصلاة والسلام (حَتَّى) أي: إلى أنْ (سَمِعْتُ غَطِيطَهُ) بفتح الغَيْن المُعجَمَة وكسر المُهمَلَة الأولى؛ وهو صوت نَفَس النَّائم عند استثقاله، وفي «العُباب»: غطيط النَّائم والمخنوق: نخيرهما (أَوْ [3] خَطِيطَهُ) بفتح الخاء المُعجَمَة وكسر المُهمَلَة، شكٌّ من الرَّاوي، وهو بمعنى الأوَّل، ثمَّ استيقظ عليه الصلاة والسلام (ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ) ولم يتوضَّأ؛ لأنَّ من خصائصه أنَّ نومه مضطجعًا لا ينقض وضوءه، لأنَّ عينيه تنامان ولا ينام قلبه، لا يُقَال: إنَّه مُعارَضٌ بحديث نومه عليه الصلاة والسلام في الوادي إلى أن طلعتِ الشَّمس؛ لأنَّ
ج1ص209
الفجر والشَّمس إنَّما يُدرَكَان بالعين لا بالقلب، ويأتي تمام البحث في ذلك في ذكر تهجُّده عليه الصلاة والسلام.
فإن قلت: ما المُناسَبَة بين هذا الحديث والتَّرجمة؟ أُجِيب باحتمال أن يطلق السَّمر على «الكلمة»، وهي هنا قوله عليه الصلاة والسلام: «نام الغُلَيِّم»، أو هو ارتقاب ابن عبَّاسٍ لأحواله عليه الصلاة والسلام؛ لأنَّه لا فرق بين التَّعلُّم من القول والتَّعلُّم من الفعل [4]، وتُعقِّب: بأنَّ المتكلِّم بالكلمة الواحدة لا يُسمَّى سامرًا [5]، وبأنَّ صنيع ابن عبَّاسٍ يُسمَّى سهرًا لا سمرًا؛ لأنَّ الأخير [6] لا يكون إلَّا عن [7] تحدُّثٍ، وأُجِيب بأنَّ حقيقة السَّمر التَّحدُّث باللَّيل، ويصدق بكلمةٍ واحدةٍ، ولم يشترط أحدٌ التَّعدُّد، وكما يُطلَق السَّمر على القول يُطلَق على الفعل؛ بدليل قولهم: سمر القوم الخمر إذا شربوها ليلًا، وأجاب الحافظ ابن حجرٍ: بأنَّ المُناسَبَة مُستفَادةٌ من لفظٍ آخرَ في هذا الحديث بعينه، من طريقٍ أخرى في «التَّفسير» [خ¦4564] عند المؤلِّف بلفظ: «بتُّ في بيت ميمونة، فتحدَّث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهله ساعةً»، قال: وهذا أَوْلى من غير تعسُّفٍ ولا رجمٍ بالظَّنِّ، لأنَّ تفسير الحديث بالحديث أَوْلى من الخوض فيه بالظَّنِّ، وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّ من يعقد بابًا بترجمةٍ ويضع فيه حديثًا، وكان قد وضع هذا الحديث في بابٍ آخرَ بطريقٍ أخرى وألفاظٍ متغايرةٍ؛ هل يُقَال: مناسَبَة التَّرجمة في هذا الباب تُستَفاد من ذلك الحديث الموضوع في الباب الآخر؟! قال: وأبعدُ من هذا أنَّه علَّل ما قاله [8] بقوله: لأنَّ تفسير الحديث بالحديث أَوْلى من الخوض فيه بالظَّنِّ؛ لأنَّ هؤلاء ما فسَّروا الحديث هنا، بل ذكروا مُطابَقَة التَّرجمة بالتَّقارب [9].
ج1ص210


[1] «في الصَّلاة»: سقط من (د).
[2] قوله: «وفي الفرع كـأصله من غير رقمٍ: إحدى عشرة ركعةً» سقط من (د) و(ص).
[3] زيد في (م): «قال».
[4] في (ص): «العلم».
[5] في (د): «مسامرًا».
[6] في (ب) و(س): «السمر».
[7] في (د): «عند».
[8] في (ص): «قال».
[9] زيد في (ص): «وأجيب».