إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: أرأيتكم ليلتكم هذه فإن رأس مئة سنة منها

116- وبالسَّند السَّابق إلى المؤلِّف قال رحمه الله: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ) بضمِّ العين المُهمَلَة وفتح الفاء (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، وللأَصيليِّ: ((حدَّثنا)) (اللَّيْثُ) بن سعدٍ، عالم [1] مصر (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد [2] (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ) زاد في رواية أبي ذَرٍّ: ((ابن مسافرٍ)) أي: الفهميُّ مولى اللَّيث بن سعدٍ [3]، أمير مصر لهشام بن عبد الملك، المُتوفَّى سنة سبعٍ وعشرين ومئةٍ، وفي رواية غير أبي ذَرٍّ: ((حدَّثني اللَّيث، حدَّثه عبد الرَّحمن)) أي: أنَّه حدَّثه عبد الرَّحمن (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ سَالِمٍ) أي: ابن عبد الله بن عمر بن الخطَّاب (وَأَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ) بفتح الحاء المُهمَلَة وسكون المُثلَّثة، ولم يُخْرِج له المؤلِّف سوى هذا الحديث مقرونًا بسالمٍ (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب رضي الله عنهما (قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ) وفي رواية الأربعة [4]: ((لنا)) بـ «اللَّام» بدل «الباء» يعني: إمامًا لنا، وإلَّا فالصَّلاة لله لا لهم، وفي رواية أبي ذَرٍّ عنِ الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((رسولُ الله)) بدل قوله: «النَّبيُّ» (صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم الْعِشَاءَ) بكسر العَيْن والمدِّ؛ أي [5]: صلاة العشاء (فِي آخِرِ حَيَاتِهِ) قبل موته عليه الصلاة والسلام بشهرٍ (فَلَمَّا سَلَّمَ) من الصَّلاة (قَامَ فَقَالَ: أَرَأَيْتَكُمْ) أي: أخبروني، وهو من إطلاق
ج1ص208
السَّبب على المُسبَّب؛ لأنَّ مشاهدة هذه الأشياء طريقٌ إلى الإخبار عنها، والهمزة فيه مقرِّرةٌ [6]، أي: قد رأيتم ذلك، فأخبروني (لَيْلَتَكُمْ) أي: شأن ليلتكم أو خبر ليلتكم (هَذِهِ) هل تدرون ما يحدث بعدها من الأمور العجيبة؟ وتاء «أرأيتَكم» فاعلٌ، و«الكاف» حرف خطابٍ لا محلَّ له [7] من الإعراب، ولا تُستعمَل إلَّا في الاستخبار عن حالةٍ عجيبةٍ، و«ليلتَكم» نصبُ مفعولٍ ثانٍ لـ «أخبروني» (فَإِنَّ رَأْسَ) وللأَصيليِّ [8] وأبي ذَرٍّ وابن عساكر [9]: ((فإنَّ على رأس)) (مِئَةِ سَنَةٍ مِنْهَا) أي: من تلك اللَّيلة (لَا يَبْقَى مِمَّنْ [10] هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ) ممَّن ترونه أو تعرفونه عند مجيئه، أو المُرَاد: أرضه التي بها نشأ ومنها بُعِث كجزيرة العرب المشتملة على الحجاز وتهامة ونجدٍ، فهو على حدِّ قوله تعالى: {أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ} [المائدة: 33] أي: بعض الأرض التي صَدَرَتِ الجنايةُ فيها، فليست «ال» للاستغراق، وبهذا يندفع قول من استدلَّ بهذا الحديث على موت الخضر عليه السلام، كالمؤلِّف وغيره، إذ يحتمل أن يكون الخضر في غير هذه الأرض المعهودة، ولئن سلَّمنا أنَّ «ال» للاستغراق فقوله: «أحدٌ» عمومٌ محتملٌ [11]؛ إذ على وجه الأرض الجنُّ والإنس، والعمومات يدخلها التَّخصيص بأدنى قرينةٍ، وإذا احتمل الكلام وجوهًا سقط به الاستدلال، قاله الشَّيخ قطب الدِّين القسطلانيُّ، وقال النَّوويُّ: المُرَاد: أنَّ كلَّ من كان تلك اللَّيلة على وجه الأرض لا يعيش بعدها أكثر من مئة سنةٍ، سواءٌ قلَّ عمره قبل ذلك أم لا، وليس فيه نفيُ حياة أحدٍ يُولَد بعد تلك اللَّيلة مئة سنةٍ.
ج1ص209


[1] في (د): «إمام».
[2] في (د): «بالتَّوحيد».
[3] في (م): «سعيد»، وهو خطأ.
[4] في (ص): «للأربعة».
[5] في (د): «والمُرَاد».
[6] في (م): «تقرره».
[7] في غير (م): «لها».
[8] في (م): «غير الأَصيليِّ»، وليس بصحيحٍ.
[9] «وأبي ذرٍّ وابن عساكر»: سقط من (س).
[10] في (ص): «من»، وهو خطأ.
[11] في (س): «يحتمل».