إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: ما من أصحاب النبي أحد أكثر حديثًا عنه مني

113- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ الإمام (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو) هو ابن دينارٍ المكيُّ الجمحيُّ، أحد الأئمَّة المجتهدين، المُتوفَّى سنة ستٍّ وعشرين ومئةٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ) بضمِّ الميم وفتح النُّون وكسر المُوحَّدة المُشدَّدة، ابن كامل بن سَيجٍ؛ بفتح السِّين المُهمَلَة _وقِيلَ: بكسرها_ وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة في آخره جيمٌ، الصَّنعانيُّ الأبناويُّ [1] الذِّماريُّ؛ بالمُعجَمَة، المُتوفَّى سنة أربع عشْرةَ ومئةٍ (عَنْ أَخِيهِ) هَمَّام بن منبِّهٍ، المُتوفَّى سنة إحدى وثلاثين ومئةٍ (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) عبد الرَّحمن ابن صخرٍ رضي الله عنه (يَقُول: مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم أَحَدٌ) بالرَّفع اسم «ما» النَّافية (أَكْثَرَ) بالنَّصب خبرها (حَدِيثًا) بالنَّصب على التَّمييز (عَنْهُ) صلى الله عليه وسلم (مِنِّي) وفي رواية أبي ذَرٍّ: ((أكثرُ [2])) بالرَّفع صفة «أحدٌ»، كذا أعربه العينيُّ والكرمانيُّ والزَّركشيُّ، وتعقَّبه البدر الدَّمامينيُّ، فقال: قوله: «اسم ما» يقتضي أنَّها عاملةٌ، وأحد الشُّروط متخلِّفٌ وهو تأخير الخبر، واغتفارهم لتقدُّم الظَّرف دائمًا إنَّما هو إذا كان معمولًا للخبر لا خبرًا، وأمَّا نصب «أكثرَ» فيحتمل أن يكون حالًا من الضَّمير المستكنِّ في الظَّرف المتقدِّم على بحثٍ فيه، فتأمَّله، قال: والذي يظهر أنَّ «مَا» هذه مُهمَلَةٌ غير عاملةٍ عمل «ليس»، وأنَّ «أحدٌ» مَبتدَأٌ، و«أكثر» صفته، و«من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم» خبره. انتهى (إلَّا ما كَانَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) أي: ابن العاص رضي الله عنهما (فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَ) أنا (لَا أَكْتُبُ) أي: لكنَّ الذي كان من عبد الله بن عمرٍو _وهو الكتابة_ لم يكن [3] منِّي، والخبر محذوفٌ بقرينة «ما» في الكلام، سواءٌ لزم منه كونه أكثرَ حديثًا لما تقتضيه عادة المُلازَمَة مع الكتابة، أم لا، ويجوز أن يكون الاستثناء متَّصلًا نظرًا إلى المعنى؛ إذ «حديثًا» وقع تمييزًا، والتَّمييز كالمحكوم عليه، فكأنَّه قال: ما أحدٌ حديثه أكثر من حديثي إلَّا أحاديث حصلت من عبد الله، ويُفهَم منه: جزم أبي هريرة رضي الله عنه بأنَّه ليس في الصَّحابة أحدٌ أكثر حديثًا عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم منه إلَّا عبد الله بن عمرٍو، مع أنَّ الموجود عن عبد الله بن عمرٍو أقلُّ من الموجود المرويِّ عن أبي هريرة بأضعافٍ لأنَّه سكن مصر، وكان الواردون إليها قليلًا بخلاف أبي هريرة فإنَّه استوطن المدينة، وهي مقصد المسلمين من كلِّ جهةٍ، وروى عنه _فيما قاله المؤلِّف_ نحوٌ من ثمانِ مئة رجلٍ، ورُوِيَ عنه [4] من الحديث خمسة آلافٍ وثلاث مئةِ حديثٍ ووُجِدَ لعبد الله سبعُ مئةِ حديثٍ (تَابَعَهُ) أي: تابع وهبَ بنَ منبِّهٍ في روايته لهذا الحديث عن هَمَّامٍ (مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) كما أخرجها عبد الرَّزَّاق عن مَعْمَرٍ.
ج1ص206


[1] في النُّسخ: «الأنباريُّ»، وهو تحريفٌ.
[2] في (ص): «أكبر».
[3] في (ص) و(م): «تكن».
[4] «ورُوِيَ عنه»: سقط من (ص) و(م).