إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث أبي جحيفة: قلت لعلي: هل عندكم كتاب

111- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ) بالتَّخفيف، قال في «الكمال»: وقد يُشدِّده من لا يعرف، وقال الدَّارقُطنيُّ: بالتَّشديد لا بالتَّخفيف، البيكنديُّ، ولغير أبي ذَرٍّ: ((محمَّد بن سلامٍ)) (قَالَ: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ) أي: ابن الجرَّاح بن مليحٍ الكوفيُّ، المُتوفَّى يوم عاشوراء سنة سبعٍ وتسعين ومئةٍ (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ، أوِ ابنِ عُيَيْنَةَ، وجزم في «فتح الباري» بالأوَّل لشهرة وكيعٍ بالرِّواية عنه، ولو كان ابنَ عُيَيْنَةَ لَنَسَبَهُ المؤلِّف لأنَّ إطلاق الرِّواية عن متَّفقي الاسم يقتضي أن يُحمَل من أُهْمِلت نسبتُه على من يكون له به خصوصيَّةٌ من إكثارٍ ونحوه، وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّ أبا مسعودٍ الدِّمشقيَّ قال في «الأطراف»: إنَّه ابن عُيَيْنَةَ، وأُجِيب (عَنْ مُطَرِّفٍ) بضمِّ الميم وفتح الطَّاء وكسر الرَّاء المُشدَّدة آخره فاءٌ، ابن طَريفٍ؛ بطاءٍ مُهمَلَةٍ مفتوحةٍ، الحارثيِّ، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ وثلاثين ومئةٍ (عَنِ الشَّعْبِيِّ) بفتح الشِّين وسكون العَيْن المُهمَلَة، واسمه: عامرٌ (عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ) بضمِّ الجيم وفتح الحاء المُهمَلَة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، وبالفاء، واسمه: وهب بن عبد الله، السُّوَائِيِّ؛ بضمِّ السِّين المُهمَلَة وتخفيف الواو وبالمدِّ، الكوفيِّ، من صغار الصَّحابة، المُتوفَّى سنة اثنتين وسبعين، أنَّه (قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيٍّ) وللأَصيليِّ زيادة: ((ابن أبي طالبٍ)): (هَلْ عِنْدَكُمْ) أهلَ البيت النَّبويِّ. أو «الميم» للتَّعظيم (كِتَابٌ) أي: مكتوبٌ خصَّكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم دون غيركم من أسرار علم الوحي، كما تزعمه [1] الشِّيعة؟ (قَالَ) عليٌّ: (لَا) كتاب عندنا (إِلَّا كِتَابُ اللهِ) بالرَّفع بدلٌ من المُستثنَى منه (أَوْ فَهْمٌ) بالرَّفع (أُعْطِيَهُ) بصيغة المجهول وفتح الياء (رَجُلٌ مُسْلِمٌ) من فحوى الكلام، ويدركه من باطن المعاني التي هي غير الظَّاهر من نصِّه، ومراتب النَّاس في ذلك متفاوتةٌ،
ج1ص203
ويُفهَم منه: جواز استخراج العالِم من القرآن بفهمه ما لم يكن منقولًا عنِ المفسِّرين إذا وافق أصول الشَّريعة، ورُفِعَ «فَهْمٌ» بالعطف على سابقه، فالاستثناء متَّصلٌ قطعًا، وأمَّا قول الحافظ ابن حجرٍ: الظَّاهر أنَّه منقطعٌ، فمدفوعٌ بأنَّه لو كان من غير الجنس لكان قوله: «أو فَهْمٌ» منصوبًا؛ لأنَّه عطفٌ على المُستثنَى، والمُستثنَى إذا كان من غير جنس المُستثنَى منه يكون منصوبًا، وما عُطِفَ عليه كذلك، ثمَّ عطف على قوله: «كتابُ الله»، قوله: (أَوْ مَا) أي: الذي (فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ) وهي: الورقة المكتوبة، وكانت مُعلَّقةً بقبضة سيفه إما احتياطًا أوِ استحضارًا، وإمَّا لكونه منفردًا بسماع ذلك، وللنَّسائيِّ: فأخرج كتابًا من قراب سيفه (قَالَ) أبو جُحَيفة: (قُلْتُ: ومَا) وفي روايةِ الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((فما)) وكلاهما للعطف، أي: أيُّ شيءٍ (فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ) عليٌّ رضي الله عنه: فيها (الْعَقْلُ) أي: حكم العقل، وهو الدِّية؛ لأنَّهم كانوا يعطُون [2] فيها الإبل ويربطونها بفناء دار المستحقِّ للعقل، والمُرَاد أحكامها ومقاديرها وأصنافها وأسنانها (وَفكَاكُ) بفتح الفاء [3] ويجوز كسرها، وهو ما يحصل به خلاص (الأَسِيرِ، وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ) بضمِّ اللَّام عطفُ جملةٍ فعليَّةٍ على جملة اسميَّةٍ، أي: وفيها العقل، وفيها حرمة قصاص المسلم بالكافر، وفي رواية الأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ عن [4] الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((وأنْ لا يُقتَل)) بزيادة «أن» المصدريَّة النَّاصبة، وعُطِفَتِ الجملة على المُفرَد لأنَّ التَّقدير فيها، أي: في الصَّحيفة حكمُ العقل، وحكمُ تحريم قتل المسلم بالكافر، فالخبر محذوفٌ، وحينئذٍ فهو عطف جملةٍ على جملةٍ، وحرمة قصاص المسلم بالكافر هو مذهب إمامنا الشَّافعيِّ ومالكٍ وأحمدَ والأوزاعيِّ واللَّيث، وغيرهم من العلماء، خلافًا للحنفيَّة، ويدلُّ لهم أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قَتَلَ مسلمًا بمعاهدٍ، وقال: «أنا أَكْرَمُ من وَفَّى بذمَّته» الحديثَ، رواه الدَّارقُطنيُّ لكنَّه ضعيفٌ فلا يُحتَجُّ به، وتمام البحث في ذلك يأتي في محلِّه إن شاء الله تعالى، ووقع عند المصنِّف ومسلمٍ قال: ما عندنا شيءٌ نقرؤه إلَّا كتاب الله وهذه الصَّحيفة، فإذا فيها: «المدينة حَرَمٌ [5] » [خ¦1867]، ولـ «مسلمٍ»: وأخرج صحيفةً مكتوبةً فيها: «لعن الله من ذبح لغير الله»، وللنَّسائيِّ: فإذا فيها: «المؤمنون تتكافأ [6] دماؤهم يسعى بذمَّتهم أدناهم...» الحديثَ، ولأحمد: «فيها فرائض الصَّدقة»، والجمع بَيْن هذه: أنّ الصَّحيفة كانت واحدةً، وكان جميع ذلك مكتوبًا [7] فيها، فنقل كلٌّ من الرُّواة عنه ما حفظ.
ج1ص204


[1] في غير (د): «يزعم».
[2] في (ب) و(س): «يعقلون».
[3] في (ص): «الكاف»، وهو خطأٌ.
[4] «أبي ذَرٍّ عن»: مثبتٌ من (م).
[5] في (د) و(م): «حرام».
[6] في (ص): «متكافئون»، وفي غيرها: «يتكافؤون»، والمُثبَت من (د).
[7] في (د): «منقولًا».