إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: من تعمد علي كذبًا فليتبوأ مقعده من النار

108- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين وسكون العَيْن المُهْمَلة، عبد الله بن عمرو المنقريُّ البصريُّ المعروف بالمُقعَد (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ) بن سعيدٍ التَّيميُّ البصريُّ (عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ) بن صهيبٍ الأعمى البصريِّ، أنَّه [1] قال: (قَالَ أَنَسٌ) أي: ابن مالكٍ رضي الله عنه، وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت بإسقاط: ((قال)) الأولى: (إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ) بكسر همزة «إنَّ» الأولى مع التَّشديد وفتح الثَّانية مع التَّخفيف، أي: ليمنعني تحديثكم (حَدِيثًا كَثِيرًا) بالنَّصب فيهما، والمُرَاد: جنس [2] الحديث، ومن ثمَّ وصفه بالكثرة (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم قَالَ: مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِبًا) عامٌّ في جميع أنواع الكذب لأنَّ النَّكرة في سياق الشَّرط كالنَّكرة في سياق النَّفيِ في إفادة العموم، والمُختَار أنَّ الكذب عدمُ مُطابقةِ الخبر للواقع، ولا يُشتَرَط في كونه كذبًا تعمُّدُه، والحديث يشهد له لدلالته على انقسام الكذب إلى مُتعمَّدٍ وغيره (فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) فأفاد أنسٌ أن توقِّيه من التَّحديث لم يكن للامتناع من أصل التَّحديث؛ للأمر بالتَّبليغ، وإنَّما هو؛ لخوف الإكثار المفضي إلى الخطأ، وقد ذهب الجوينيُّ إلى كفرِ مَنْ كَذَبَ متعمِّدًا عليه صلوات الله وسلامه عليه، وردَّ [3] عليه ولده إمام الحرمين، وقال: إنَّه من هفوات والده [4]، وتبعه من بعده فضعَّفوه، وانتصر له ابن المُنَيِّر: بأنَّ خصوصيَّة الوعيد توجب ذلك؛ إذ لو كان بمُطلَق النَّار لكان كلُّ كاذبٍ كذلك، عليه وعلى غيره، فإنَّما الوعيد بالخلود، قال [5]: ولهذا قال [6]: «فليتبوَّأ» أي: فَلْيَتَّخِذْهَا مَبَاءَةً ومَسْكَنًا، وذلك هو الخلود، وبأنَّ الكاذب عليه في تحليل حرامٍ مثلًا لا ينفكُّ عن استحلال ذلك الحرام، أو الحمل على استحلاله، واستحلال الحرام كفرٌ، والحمل على الكفر كفرٌ، وأُجِيب عن الأوَّل: بأنَّ دلالة التَّبوُّؤ على الخلود غير مُسلَّمةٍ، ولو سُلِّمَ، فلا نُسلِّم [7] أنَّ الوعيد بالخلود مُقتَضٍ للكفر بدليل متعمِّد القتل الحرام، وأُجِيب عن الثَّاني: بأنَّا لا نسلِّم أنَّ الكذب عليه ملازمٌ لاستحلاله أو [8] لاستحلال مُتعلِّقه، فقد يكذب عليه في تحليل حرامٍ مثلًا، مع قطعه بأنَّ الكذب عليه حرامٌ، وأنَّ ذلك الحرام ليس بِمُسْتَحَلٍّ، كما تُقْدِمُ العصاة من المؤمنين على ارتكابهم الكبائر مع اعتقادهم حرمتها. انتهى.
ج1ص202


[1] «أنه»: سقط من (د).
[2] في (ص): «حسن»، وهو تصحيفٌ.
[3] في غير (د): «وردَّه».
[4] في (ص): «ولده»، وهو تحريفٌ.
[5] «قال»: سقط من (ص).
[6] «قال»: سقط من (م).
[7] في (م): «يُسلِّم».
[8] في غير (ص): «ولا».