متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

114- وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) بن يحيى الجعفيُّ المكِّيُّ، المُتوفَّى بمصر سنة سبعٍ أو ثمانٍ وثلاثين ومئتين، (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ، (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) بن يزيدَ الأَيْلِيُّ، (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ، (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين (ابْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عتبة، أحد الفقهاء السَّبعة، (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (قَالَ: لَمَّا اشْتَدَّ)؛ أي: حين قَوِيَ (بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم [/ج1ص206/]

وَجَعُهُ) الذي تُوفِّي فيه [1] ، يوم الخميس قبل موته بأربعة أيَّامٍ، (قَالَ: ائْتُونِي بِكِتَابٍ)؛ أي: بأدوات الكتابة [2] ؛ كالدَّواة والقلم، أو أراد بـ: «الكتاب» ما من شأنِه أن يُكتَب فيه؛ نحو: الكاغد [3] وعظم الكتف، كما صرَّح به في رواية مسلمٍ، (أَكْتُبْ لَكُمْ) بالجزم جوابًا للأمر، ويجوز الرَّفع على الاستئناف؛ أي: آمر مَنْ يكتب لكم (كِتَابًا)؛ فيه النَّصُّ على الأئمَّة بعدي، أو أبيِّن فيه مهمَّات الأحكام، (لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ)؛ بالنَّصب على الظَّرفيَّة، و«تَضِلُّوا»: بفتح أوَّله، وكسر ثانيه، مجزومٌ بحذف النُّون بدلًا من جواب الأمر، (قَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب رضي الله عنه لمن حضره من الصَّحابة: (إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم غَلَبَهُ الْوَجَعُ، وَ) الحال (عِنْدَنَا كِتَابُ اللهِ)؛ هو (حَسْبُنَا)؛ أي: كافينا، فلا نكلِّف رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يشقُّ عليه في هذه الحالة من إملاء الكتاب، ولم يكن الأمر في «ائتوني» للوجوب، وإنَّما هو من باب الإرشاد للأصلح؛ للقرينة الصَّارفة الأمر عنِ [4] الإيجاب إلى النَّدب [5] ، وإلَّا؛ فما كان يسوغ لعمر رضي الله عنه الاعتراض على أمر الرَّسول عليه الصلاة والسلام، على أنَّ في تركه عليه الصلاة والسلام الإنكار على عمر رضي الله عنه دليلًا على استصوابه، فكان توقُّف عمر صوابًا، لا سيَّما والقرآن فيه تبيانٌ لكلِّ شيءٍ، ومن ثمَّ قال عمر: حسبنا كتاب الله، (فَاخْتَلَفُوا)؛ أي: الصَّحابة عند ذلك، فقالت طائفةٌ: بل نكتب؛ لِمَا فيه من امتثال أمره وزيادة الإفصاح [6] ، (وَكَثُرَ) بضمِّ المُثلَّثة (اللَّغَطُ)؛ بتحريك اللَّام، والغَيْن [7] المُعجَمَة؛ أي: الصَّوت والجلبة بسبب ذلك، فلمَّا رأى ذلك عليه الصلاة والسلام؛ (قَالَ) وفي روايةٍ: ((فقال))؛ بفاء العطف، وفي أخرى: ((وقال))؛ بواوه: (قُومُوا عَنِّي)؛ أي: عن جهتي، (وَلَا يَنْبَغِي عِنْدِي التَّنَازُعُ) بالضَّمِّ فاعل «ينبغي»، (فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ) من المكان الذي كان به عندما تحدَّث بهذا الحديث، وهو (يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيئةَ [8] )؛ بفتح الرَّاء، وكسر الزَّاي، بعدها ياءٌ ساكنةٌ، ثمَّ همزةٍ، وقد تُسهَّل وتُشدَّد الياء، (كُلَّ الرَّزِيئةِ [9] ) بالنَّصب على التَّوكيد، (مَا حَالَ)؛ أي: الذي حجز (بَيْنَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَبَيْنَ كِتَابِهِ)، وقد كان [10] عمر أفقه من ابن عبَّاسٍ حيث اكتفى بالقرآن، على أنَّه يحتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم كان ظهر له حين همَّ بالكتاب أنَّه مصلحةٌ، ثمَّ ظهر له، أو أُوحي إليه بعدُ أنَّ المصلحة في تركه، ولو كان واجبًا لم يتركه عليه الصلاة والسلام لاختلافهم؛ لأنَّه لم يتركِ التَّكليف [11] لمخالفة من خالف، وقد عاش بعد ذلك أيَّامًا، ولم يعاود أمرهم بذلك، ويُستفَاد من هذا الحديث: جواز كتابة الحديث الذي عقد المؤلِّف الباب له، وكذا من حديث عليٍّ وقصَّة [12] أبي شاهٍ الإذن فيها، لكن يعارض ذلك حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ المرويِّ في «مسلمٍ» مرفوعًا: «لا تكتبوا عنِّي شيئًا غير القرآن»، وأُجِيب: بأنَّ النَّهيَ خاصٌّ بوقت نزول القرآن؛ خشية التباسه بغيره، والإذن في غير ذلك، أو الإذن ناسخٌ للنَّهيِ عند الأمن مِنَ الالتباس، أوِ النَّهيُ خاصٌّ بمن خُشِيَ منه الاتِّكال على الكتاب [13] دون الحفظ، والإذن لمن أُمِنَ منه ذلك، وقد كره جماعةٌ من الصَّحابة والتَّابعين كتابة الحديث، واستحبُّوا أن يُؤخَذ عنهم حفظًا كما أخذوا حفظًا، لكن لمَّا قَصُرَتِ الهممُ، وخَشِيَ الأئمَّة ضياع العلم؛ دوَّنوه، وأوَّل من دوَّن الحديثَ ابنُ شهابٍ الزُّهريُّ على رأس المئة، بأمر عمر بن عبد العزيز، ثمَّ كَثُرَ التَّدوين، ثمَّ التَّصنيف، وحصل بذلك خيرٌ كثيرٌ، ولله الحمد والمنَّة.

[1] في (د): «نزل به».
[2] في غير (د): «الكتاب».
[3] في (ب) و(س): «كالكاغد».
[4] في (م): «من».
[5] في (ص): «للندب».
[6] في غير (د) و(م): «الإيضاح».
[7] «والغين»: ليس في (ص) و(م).
[8] في (د): «الرَّزيَّة».
[9] في (د): «الرَّزيَّة».
[10] زيد في (ص): «ابن»، وهو خطأ.
[11] في هامش (م): «التبليغ».
[12] في (د): «قضيَّة».
[13] في (د): «الكتابة».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

114-. حدَّثنا يَحْيَىَ بنُ سُلَيْمانَ، قالَ: حدَّثني ابْنُ وَهْبٍ، قالَ: أخبَرَني يُونُسُ، عن ابْنِ شِهابٍ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ:

عن ابْنِ عَبَّاسٍ، قالَ: لَمَّا اشْتَدَّ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَعُهُ، قالَ: «ائْتُونِي بِكِتابٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتابًا لا تَضِلُّوا بَعْدَهُ». قالَ عُمَرُ: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَلَبَهُ الوَجَعُ، وَعِنْدَنا كِتابُ اللَّهِ حَسْبُنا. فاخْتَلَفُوا وَكَثُرَ اللَّغَطُ، قالَ [1] : «قُومُوا عَنِّي، وَلا يَنْبَغِي عِنْدِيَ التَّنازُعُ». فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ ما حالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ كِتابِهِ.

[1] في رواية [عط] : «فقال».





114- ( أَكْتُبُ لَكُمْ [1] كِتَابًا ) قال الخطابي: يحتمل باسم الخليفة بعده لئلا [/ج1ص75/] يختلف النَّاس فيه، أو كِتَابًا يرفع الاختلاف بعده في أَحْكَامِ الدِّيْنِ، ووجه ما فَعَلَهُ عُمر أنَّه لَو زَال الاختلاف بالتنصيص على كل شيء باسمه لطال ذلك، ولارتفع الامتحان، وعُدم الاجتهاد في طلب الحق، ولاستوى الناس.

وقال غيره: إنَّما كان ذلك من النبيِّ صلى الله عليه وسلم اختبارًا لأصحابه، فهدى الله عمرَ لمراده، ومنع من إحضار الكتاب، وخفي ذلك على ابن عباس؛ وعلى هذا ينبغي عدُّه من جملة موافقة عمر ربَّه.

- ( لاَ تَضِلُّوا ) بفتح أوله.

( اللَّغَطُ ) بفتح الغين وإسكانها.

( الرَّزِيَّةِ ) قيدها السَّفاقُسِي بالهمز، ويجوز تركه.

[1] في [ب] : لك.





114# (أكتُبْ لَكُمْ كِتَابًا) الفعل مجزوم في جواب الأمر. والكتابُ:

قال الخطابي: يُحتمل أن يكون بتعيين الخليفة بعده، أو بما يرفع الخلاف في أحكام الدين .

ووجهُ ما فعله عُمر: أنه لو نص على كل حكمٍ بعينه لطال، وبطل الاجتهاد [1] ، واستوى الناس. وقيل: إنما كان ذلك اختبارًا [2] للصحابة، فظهر [3] المراد

@%ج1ص103%

لعُمر، وخَفي على ابن عباس رضي الله عنه.

(الرَّزَّيةَ) قيَّدها [4] السفاقسي بالهمز، ويجوز تركه.

[1] في (ق): ((الاحتمال)).
[2] في (ق): ((اختياراً)).
[3] في (ق): ((وظهر)).
[4] في (ج): ((قيد هذا)).





114- قوله: (ابْنُ وَهْبٍ): تقدَّم أنَّه عَبْد الله بن وهب أَبُو محمَّد الفهريُّ مولاهم، أحد الأعلام.

قوله: (أَخْبَرَنِي يُونُسُ): تقدَّم أنَّ فيه ستَّ لغات، وأنَّه ابن يزيد الأيليُّ.

قوله: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ): تقدَّم أنَّه محمَّد بن مسلم بن عبيد الله بن عَبْد الله بن شهاب الزُّهريُّ، شيخ الإسلام مرارًا.

قوله: (ائْتُونِي بِكِتَابٍ أَكْتُبُ لَكُمْ كِتَابًا...) إلى آخره: اختلف العلماء في هذا الكتاب الذي همَّ به عليه الصَّلاة والسَّلام إمَّا بوحي وإمَّا باجتهاد، ثمَّ رجع عنه إمَّا بوحي وإمَّا باجتهاد؛ فقيل: أراد أن ينصَّ على الخلافة بعده فترتفع بذلك الفتن العظيمة كالجمل وصفِّين، وقيل: أراد أنَّ يبيِّن مهمَّات الأحكام؛ ليحصل الاتِّفاق على المنصوص عليه، ثمَّ ظهر له أنَّ المصلحة تركُه، أو أنَّه أُوحِي إليه فيه، وقد حكى سفيان بن عيينة عن أهل العلم قبله [1] : أنَّه أراد أن يكتب استخلاف الصِّدِّيق، ثمَّ ترك ذلك اعتمادًا على ما علمه من تقدير الله تَعَالَى، وذلك كما همَّ في أوَّل مرضه حين قال: «وارأساه»، وترك الكتاب، وقال: «يأبى الله والمؤمنون إلَّا أبا بكر»، [وسيأتي في (باب مرض النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم) من عند البزَّار [2] ما يعيِّنه [3] ، والله أعلم] [4] .

سؤال: وهو أنْ يقال: كيف ساغ لعمر الاعتراض؟

والجواب: ما ذكره الخطابيُّ حيث قال: (لا يجوز أنْ يحمل قوله أنَّه توهَّم [5] الغلط عليه أو ظنَّ به، ذلك ممَّا لا يليق به بحال، لكنَّه لمَّا رأى ما غلب عليه من الوجع وقرب الوفاة؛ خاف أن يكون ذلك القول ممَّا يقوله المريض ممَّا لا عزيمة [/ج1ص63/] له فيه، فيجد المنافقون بذلك سبيلًا إلى الكلام في الدِّين، وقد كانت الصَّحابة يراجعونه عليه الصَّلاة والسَّلام في بعض الأمور قبل أن يعزم فيها، كما راجعوه يوم الحديبية في الحلاق [6] ، وفي الصُّلح بينه وبين المشركين، فإذا أمر بالشَّيء [7] أمر عزيمة؛ فلا يراجعه فيه أحد...) إلى آخر كلامه.

[قوله: (لاَ تَضِلُّوا): كذا في أصلنا، وحذف النُّون حيث لا ناصب ولا جازم لغةٌ معروفة، ومثله: «لا تدخلوا الجنَّة حتَّى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتَّى تحابُّوا»] [8] .

قوله: (حَسْبُنَا): أي: كافينا.

قوله: (وَكَثُرَ اللَّغَطُ): هو اختلاف [9] الأصوات والكلام حتَّى لا يُفهم.

قوله: (فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ): قال أبو العبَّاس ابن تيمية في «الردِّ على ابن المطهِّر الرَّافضيِّ»: (إنَّ هذا الذي قاله ابن عبَّاس لَمْ يكن ذلك الوقت قاله، ولم يكن ليعارض الجلَّة، وإنَّما قاله بعد ذلك لمَّا تفاقمت الفتن، وهذا الذي يظهر، وإن كان في قوله: «فخرج يقول» ما يدفعُه) ، والله أعلم.

قوله: (إنَّ الرَّزِيئَةَ كُلَّ الرَّزِيئَةِ): هما مشدَّدان في أصلنا بالقلم، وهما مهموزان، ويجوز تشديدهما، وانظر كلام الجوهريِّ في (خطأ) تعرف ذلك، والله أعلم، والرَّزيئة: المصيبة [10] .

[1] في (ج): (قيل) .
[2] زيد في (ب): (بخطه عليه على) .
[3] في (ب): (يغنيه) .
[4] ما بين معقوفين ليس في (ج) .
[5] في (ب): (يوهم) .
[6] في (ج): (الخلاف) .
[7] في (ب) و (ج): (بشيء) .
[8] ما بين معقوفين ليس في (ج) .
[9] في (ب): (اختلاط) .
[10] (والرزية: المصيبة): ليس في (ج) .





114- (أَكْتُب): مجزومًا جواب الأمر، ويجوزُ الرَّفعُ بالاستئنافِ.

(لَا تَضِلُّوا): نفيٌ، وحُذفتِ النُّونُ؛ لأنَّه بَدَلٌ مِن جوابِ الأمرِ، وقد جوَّزَ بعضُهم تعدُّدَ جوابِ الأمرِ مِن غيرِ حرفِ العطف، انتهى.

وقال غيرُ الكرمانيِّ: (وحَذْفُ النُّونِ حيثُ لا ناصبَ ولا جازمَ لغةٌ معروفةٌ، ومثلُه: «لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا»).

(حَسْبُنَا): هو خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ.


114- وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) بن يحيى الجعفيُّ المكِّيُّ، المُتوفَّى بمصر سنة سبعٍ أو ثمانٍ وثلاثين ومئتين، (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ، (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) بن يزيدَ الأَيْلِيُّ، (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ، (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين (ابْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عتبة، أحد الفقهاء السَّبعة، (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (قَالَ: لَمَّا اشْتَدَّ)؛ أي: حين قَوِيَ (بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم [/ج1ص206/]

وَجَعُهُ) الذي تُوفِّي فيه [1] ، يوم الخميس قبل موته بأربعة أيَّامٍ، (قَالَ: ائْتُونِي بِكِتَابٍ)؛ أي: بأدوات الكتابة [2] ؛ كالدَّواة والقلم، أو أراد بـ: «الكتاب» ما من شأنِه أن يُكتَب فيه؛ نحو: الكاغد [3] وعظم الكتف، كما صرَّح به في رواية مسلمٍ، (أَكْتُبْ لَكُمْ) بالجزم جوابًا للأمر، ويجوز الرَّفع على الاستئناف؛ أي: آمر مَنْ يكتب لكم (كِتَابًا)؛ فيه النَّصُّ على الأئمَّة بعدي، أو أبيِّن فيه مهمَّات الأحكام، (لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ)؛ بالنَّصب على الظَّرفيَّة، و«تَضِلُّوا»: بفتح أوَّله، وكسر ثانيه، مجزومٌ بحذف النُّون بدلًا من جواب الأمر، (قَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب رضي الله عنه لمن حضره من الصَّحابة: (إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم غَلَبَهُ الْوَجَعُ، وَ) الحال (عِنْدَنَا كِتَابُ اللهِ)؛ هو (حَسْبُنَا)؛ أي: كافينا، فلا نكلِّف رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يشقُّ عليه في هذه الحالة من إملاء الكتاب، ولم يكن الأمر في «ائتوني» للوجوب، وإنَّما هو من باب الإرشاد للأصلح؛ للقرينة الصَّارفة الأمر عنِ [4] الإيجاب إلى النَّدب [5] ، وإلَّا؛ فما كان يسوغ لعمر رضي الله عنه الاعتراض على أمر الرَّسول عليه الصلاة والسلام، على أنَّ في تركه عليه الصلاة والسلام الإنكار على عمر رضي الله عنه دليلًا على استصوابه، فكان توقُّف عمر صوابًا، لا سيَّما والقرآن فيه تبيانٌ لكلِّ شيءٍ، ومن ثمَّ قال عمر: حسبنا كتاب الله، (فَاخْتَلَفُوا)؛ أي: الصَّحابة عند ذلك، فقالت طائفةٌ: بل نكتب؛ لِمَا فيه من امتثال أمره وزيادة الإفصاح [6] ، (وَكَثُرَ) بضمِّ المُثلَّثة (اللَّغَطُ)؛ بتحريك اللَّام، والغَيْن [7] المُعجَمَة؛ أي: الصَّوت والجلبة بسبب ذلك، فلمَّا رأى ذلك عليه الصلاة والسلام؛ (قَالَ) وفي روايةٍ: ((فقال))؛ بفاء العطف، وفي أخرى: ((وقال))؛ بواوه: (قُومُوا عَنِّي)؛ أي: عن جهتي، (وَلَا يَنْبَغِي عِنْدِي التَّنَازُعُ) بالضَّمِّ فاعل «ينبغي»، (فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ) من المكان الذي كان به عندما تحدَّث بهذا الحديث، وهو (يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيئةَ [8] )؛ بفتح الرَّاء، وكسر الزَّاي، بعدها ياءٌ ساكنةٌ، ثمَّ همزةٍ، وقد تُسهَّل وتُشدَّد الياء، (كُلَّ الرَّزِيئةِ [9] ) بالنَّصب على التَّوكيد، (مَا حَالَ)؛ أي: الذي حجز (بَيْنَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَبَيْنَ كِتَابِهِ)، وقد كان [10] عمر أفقه من ابن عبَّاسٍ حيث اكتفى بالقرآن، على أنَّه يحتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم كان ظهر له حين همَّ بالكتاب أنَّه مصلحةٌ، ثمَّ ظهر له، أو أُوحي إليه بعدُ أنَّ المصلحة في تركه، ولو كان واجبًا لم يتركه عليه الصلاة والسلام لاختلافهم؛ لأنَّه لم يتركِ التَّكليف [11] لمخالفة من خالف، وقد عاش بعد ذلك أيَّامًا، ولم يعاود أمرهم بذلك، ويُستفَاد من هذا الحديث: جواز كتابة الحديث الذي عقد المؤلِّف الباب له، وكذا من حديث عليٍّ وقصَّة [12] أبي شاهٍ الإذن فيها، لكن يعارض ذلك حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ المرويِّ في «مسلمٍ» مرفوعًا: «لا تكتبوا عنِّي شيئًا غير القرآن»، وأُجِيب: بأنَّ النَّهيَ خاصٌّ بوقت نزول القرآن؛ خشية التباسه بغيره، والإذن في غير ذلك، أو الإذن ناسخٌ للنَّهيِ عند الأمن مِنَ الالتباس، أوِ النَّهيُ خاصٌّ بمن خُشِيَ منه الاتِّكال على الكتاب [13] دون الحفظ، والإذن لمن أُمِنَ منه ذلك، وقد كره جماعةٌ من الصَّحابة والتَّابعين كتابة الحديث، واستحبُّوا أن يُؤخَذ عنهم حفظًا كما أخذوا حفظًا، لكن لمَّا قَصُرَتِ الهممُ، وخَشِيَ الأئمَّة ضياع العلم؛ دوَّنوه، وأوَّل من دوَّن الحديثَ ابنُ شهابٍ الزُّهريُّ على رأس المئة، بأمر عمر بن عبد العزيز، ثمَّ كَثُرَ التَّدوين، ثمَّ التَّصنيف، وحصل بذلك خيرٌ كثيرٌ، ولله الحمد والمنَّة.

[1] في (د): «نزل به».
[2] في غير (د): «الكتاب».
[3] في (ب) و(س): «كالكاغد».
[4] في (م): «من».
[5] في (ص): «للندب».
[6] في غير (د) و(م): «الإيضاح».
[7] «والغين»: ليس في (ص) و(م).
[8] في (د): «الرَّزيَّة».
[9] في (د): «الرَّزيَّة».
[10] زيد في (ص): «ابن»، وهو خطأ.
[11] في هامش (م): «التبليغ».
[12] في (د): «قضيَّة».
[13] في (د): «الكتابة».





114- ( ائْتُوْنِي ) في مسند أحمد أنَّ المأمور به عليٌّ.

( بِكِتَابٍ ) أي: بأداته من الكتف والدَّواة، ولأحمد: «بطبق»، أي: بكتف.

( أَكْتُبْ ): بالجزم جواب الأمر، أي: آمر بالكتابة.

( كِتَابًا لاَ تَضِلُّوا بَعْدَهُ ): بحذف النُّون بدلًا من الجواب.

واختُلف في المراد به: فقيل: أراد أن ينصَّ على جميع الأحكام ليرتفع الخلاف.

وقيل: أراد أن ينصَّ على أسامي الخلفاء بعده حتَّى لا يقع فيهم الاختلاف، قاله سفيان بن عيينة، ويؤيِّده ما في مسلم أنَّه قال في أوائل مرضه وهو عند عائشة رضي الله عنها: «ادعي لي أباك وأخاك حتَّى أكتب كتابًا، فإنِّي أخاف أن يتمنَّى متمنٍّ ويقول قائل ويأبى الله والمؤمنون إلَّا أبا بكر».[/ج1ص274/]

قال ابن حجر: والأوَّل أظهر لقول عمر رضي الله عنه: «حسبنا كتاب الله»، أي: كافينا.

وذُكِرَ في قول عمر رضي الله عنه ذلك وجوه:

منها: أنَّه فهم أنَّ ذلك ليس على سبيل الوجوب، وأنَّه من باب الإرشاد إلى الأصلح، فكره أن يكلِّفه من ذلك ما يشقُّ عليه في تلك الحالة مع استحضارهم قوله تعالى: { مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ } [الأنعام:38] .

ومنها: أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم قال ذلك اختبارًا لأصحابه، فهدى الله عمر لمراده، وخفي ذلك على ابن عبَّاس، ولهذا عاش صلَّى الله عليه وسلَّم بعد ذلك أيَّامًا ولم يعاود أمرهم بذلك، ولو كان واجبًا لم يتركه لاختلافهم، وقد عُدَّ هذا من موافقات عمر.

ومنها: أنَّ عمر خاف أن يكون ما يكتبه في حالة غلبته المرض فيجد بذلك المنافقون سبيلًا إلى الطَّعن في ذلك المكتوب.

( غَلَبَهُ الْوَجَعُ ) أي: فيشقُّ عليه إملاء الكتاب.

( اللَّغَط ) بفتح المعجمة.

( فَخَرَجَ ابْنُ عبَّاس ) أي: من المكان الذي كان به حال تحديثه بهذا الحديث لا حال وقوع تلك الواقعة.

( الرَّزِيَّةَ ): بفتح الرَّاء وكسر الزَّاي بعدها ياء ثمَّ همزة، وقد تسهَّل فتشدَّد الياء: المصيبة.

( مَا حَالَ ) أي: من لغطهم واختلافهم كما بُيِّن في طريق أخرى. [/ج1ص275/]


33/114# قال أبو عبد الله: حدَّثني يَحْيَىَ بنُ سُلَيْمانَ، قالَ: حدَّثني ابْنُ وَهْبٍ، قالَ: أخبَرني يُونُسُ، عن ابْنِ شِهابٍ، عن عُبَيْدِ اللهِ [1] بنِ عَبْدِ اللهِ:

عن ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه ، قالَ: لَـمَّا اشْتَدَّ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَجَعُهُ، قالَ: «ائتُونِي بِكِتابٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتاباً [2] لا تَضِلُّوا بَعْدَهُ». قالَ عُمَرُ: إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لوَجِعٌ [3] ، وَعِنْدَنا كِتابُ اللهِ حَسْبُنا [4] . فاخْتَلَفُوا وَكَثُرَ اللَّغَطُ، قالَ: «قُومُوا عَنِّي، وَلا يَنْبَغِي عِنْدِيَ التَّنازُعُ». فَخَرَجَ [5] ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ ما حالَ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَبَيْنَ كِتابِهِ.

هذا يُتأوَّلُ على وجهين: أحدهما: أنَّه أراد أن يكتب اسمَ الخليفة بعده؛ لئلاَّ يختلفَ الناسُ ولا يتنازعوُا [6] ، فَيؤدِّيهم ذلك إلى الفتنة والضلال.

والوجه الآخر: أنَّه صلى الله عليه وسلم قد هَمَّ أن يكتب لهم كتاباً يرتفعُ معه الاختلاف بعدَه في أحكام الدِّين؛ شفقةً على أُمَّته، وتخفيفاً عنهم، فلمَّا رأى اختلاف أصحابه في ذلك [7] قال: «قُومُوا من عندي [8] » وتركهم على ما هم عليه.

ووجه ما ذهب إليه [9] عمر: أنَّه لو زالَ الاختلافُ بأن يَنصَّ على كلِّ شيء باسمه تحليلاً وتحريماً

@%ص49%

لطال ذلك [10] ، ولارْتفع الامتحانُ، وعُدِمَ الاجتهاد في طلب الحقِّ، ولاستوى الناسُ في رُتبةٍ واحدةٍ [11] ، ولَبَطُلت فضيلة العلماء على غيرهم [12] ، وقد رُوِيَ عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «اختلاف أمَّتي رحمةٌ». [13] فاستصوب عمر هذا الرأي، وقدَّمه على رأي مَن ذهب من الصحابة إلى خلافه.

فإن قيل: كيف يجوز أن يكونَ الاختلاف خيراً من الاتِّفاق؟ ولو كان الاختلاف رحمةً لكانَ [14] الاتِّفاقُ عذاباً، وليس إسناد الحديث الذي رويتُموه بذاكَ.

قيل: أمَّا وجه ما ذكرناه من [15] أنَّ اللهَ تعالى لو نَصَّ على كُلِّ حادثة من الحوادث، وكفى الناسَ مؤونة الاجتهاد والاستنباط لماتت الخواطر، وتَبَلَّدَت الأفهامُ، وسقطت فضيلةُ العلماء فأمرٌ بيِّن غيرُ خافٍ، وأيضاً فلو جاء التوقيفُ في كُلِّ حادثةٍ تحدث إلى آخر الدَّهر لاشتدَّ حفظه، ولامتنع على الناس ضبطه، ولأدَّى ذلك إلى الضيق والحرَج، ولكان غايته العَجْزَ عمَّا أُمروا به؛ لِتعذُّر حَصْرِه، والعجز [16] عن حفظه وضبطه.

فأمَّا قول القائل: لو كان الاختلاف رحمةً لكان الاتِّفاق عذاباً؛ لأنَّه ضدُّه فهذا قولٌ لم [17] يصدر عن نظر ورويَّة [18] .

وقد وجدت هذا الكلام لرجلين اعترضا به على الحديث:

أحدهما مغموصٌ [19] عليه في دينه، وهو عمرو بن بحر الذي يعرف بالجاحظ.

والآخر: معروف بالسُّخْف والخلاعة [20] في مذهبه، وهو إسحاق بن إبراهيم الموصليُّ، فإنَّه لمَّا وضع كتابه في الأغاني، وأمعن في تلك الأباطيل لم يَرضَ بما تُزَوِّدُهُ [21] من إثمها حتَّى صدَّر كتابه بذمِّ أصحاب الحديث والحَطْب [22] عليهم، وزعم أنَّهم يروون [23] ما لا يدرون، وذكر بأنَّهم رووا هذا الحديث، ثمَّ قال: ولو كان الاختلاف رحمةً لكان الاتِّفاقُ [24] عذاباً.

ثمَّ تكايس وتعاقل فأدخل نفسه في جملة العلماء، وشاركهم

@%ص50%

في تفسيره وتأويله، فقال: وإنَّما كان الاختلاف رحمةً ما دام رسول الله صلى الله عليه وسلم حَيّاً بين ظَهرانيهم [25] ، فإنَّهم إذا اختلفوا سألوه فأجابهم وبيَّن لهم ما اختلفوا فيه، ليس فيما يختلفون بعدَه، وزعم أنَّهم لا يعرفون وُجوهَ الأحاديث ومعانيها، فيتأوَّلونها على [26] غير جهاتها.

والجواب عمَّا ألزمانا من [27] ذلك أن [28] يُقال لهما [29] : إنَّ الشيء وضِدَّه قد يجتمعان في الحكمة، ويتَّفقان في المصلحة، ألا ترى أنَّ الموت لم يكن فساداً وإن كانت الحياة صلاحاً، ولم يكن السَّقَمُ سَفَهاً وإنْ كانت الصحَّة حكمة، ولا الفقر خطأً إذا كان الغنى [30] صَواباً، وكذلك الحركة والسكون، والليل والنهار، وما أشبهها [31] من الأضداد، وقد قال سبحانه: { وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ } [32] [القصص: 73] فسمَّى اللَّيلَ رحمةً، فهل [33] أوجبَ أن يكون النهارُ عذاباً مِنْ قِبَلِ أنَّه ضِدُّه، وفي هذا بيان خطأ ما ادَّعاه هؤلاء [34] ، ولله الحمد [35] .

وأمَّا وَجهُ الحديث ومعناه فإنَّ قوله [36] : «اختلاف أمتي رحمةٌ» كلامٌ عامُّ اللفظ، خاصُّ المراد، وإنَّما هو اختلاف في شيء دون شيء، والاختلاف في الدين على ثلاثة أضرب:

اختلاف في [37] إثبات الصانع ووحدانيَّته، وهو [38] كُفر، واختلاف في صفاته ومشيئته، وهو بِدعة، وكذلك ما كان من نحو اختلاف الخوارج والروافض في إسلام بعض الصحابة، واختلاف في الحوادث من أحكام العبادات المحتملة الوُجوه، جعله الله تعالى يُسراً [39] ورحمةً وكرامةً للعلماء منهم.

وقد قال صلى الله عليه وسلم : «إنَّ أمَّتي أمَّة مرحومة». وهو حديث مشهور من رواية أبي موسى الأشعريِّ، قال: قال صلى الله عليه وسلم : [40] «إنَّما أنا رحمةٌ مُهداةٌ». [41] وقال: «بُعثتُ بالرحمة» [42] .

وقد سأل بعضُهم أيضاً على هذا فقال: كيف يكون مَبعوثاً بالرحمة، وقد بُعث بالسيف، وأُمرنا [43] بالقتال وسفك الدم [44] ؟

والجواب: أنَّ الله تعالى بَعَثَ أكثر الأنبياء وأمرهم بالإبلاغ، وأيَّدهم بالجوائح، والحجج [45] والمعجزات،

@%ص51%

فمن أنكر من تلك الأمم الحَقَّ بعد قيام الحُجَّة وظهور المعجزة [46] أرسلَ عليه العذاب، وعُوجل بالهلاك، واستؤني بهذه الأمَّة، فلم يُعاجِل مَن أنكر الحقَّ منهم بالعذاب والاستئصال، وأمر الله عز وجل نبيَّه بجهادهم، وحَمْلِهم على الدين بالسيف؛ ليرتدعوا عن الكفر، فلا يُجتاحوا بالعذاب، ولا يأتي على آخرهم [47] الهلاكُ، فإنَّ بَعْدَ [48] السيف [49] بقيَّة، وليس بعد العذاب المُنزَّل بقيَّة.

وقد رُوي أنَّ قوماً من العرب جاؤوه، فقالوا: يا رسول الله أفنانا السيفُ، فقال: «ذاك [50] أبقى لآخركم» [51] . فهذا معنى الرحمة المبعوث بها صلى الله عليه وسلم [52] .

وأمَّا قول إسحاق الموصليِّ [53] وتأويله الحديث على أنَّ المرادَ بهذا الاختلاف هو ما كان في أيَّام حياة رسول الله [54] صلى الله عليه وسلم فإنَّ هذا تأويلٌ فاسدٌ، ولو كان الأمرُ على ما زعمه لكان قد عُدمَ [55] بيانُ أمور الدِّين بعد موته صلى الله عليه وسلم ، ولكانت الأمَّة قد ضلَّت بعد خروجه من الدنيا عند حدوث الاختلاف فيما بينهم، وهذا باطلٌ؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم كان مبعوثاً إلى آخر نسمة من أُمتِّه تُخلق [56] في آخر الزمان، كما كان مبعوثاً إلى أهل زمانه وعَصْره، فلم يترك شيئاً ممَّا كان حدث، وجاز أن سيحدث إلَّا أودعَه بياناً يُعلَمُ به حُكْمُه.

إلَّا أنَّ البيان على ضربين: جليٌّ [57] واضحٌ، وهو: ما يُتلى أو يُروى بالنصِّ على اسم الشيء والتوقيف فيه، وخَفيٌّ غامضٌ، وهو: ما يُستنبطُ من طريق التَّفهُّم [58] والقياس له على نظيره وشَكله، وكلُّ ذلك مفروغٌ من بيانه [59] ، والحمد لله على ذلك.

وقد يُسأل [60] فيُقال: كيف يجوز لعمرَ أن يعترض على رأي رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم في أمر الدِّين، فلا يُسرع إلى قبوله، وما وَجه عذره وتأويله في ذلك؟

أفَتَراه قد خاف أن يتكلَّم رسول الله [61] صلى الله عليه وسلم بغير الحق [62] ، أو يجرى على لسانه الباطلُ، فقال من أجل ذلك: إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم

@%ص52%

قد غلبه الوجع، وحَسبنا كتابُ الله، وقد تيقَّن علماً أنَّه صلى الله عليه وسلم معصومٌ ومشهودٌ له بأنَّه لا ينطقُ عن الهوى { إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى } [النجم: 4] .

والجواب: أنَّ عمر رضي الله عنه لا يجوز عليه أن يتوهَّم الغلط على رسول الله صلى الله عليه وسلم [63] ، أو يَظُنَّ به التُّهمة في حال [64] من الأحوال؛ إلَّا أنَّه لمَّا نظر وقد أكمل اللهُ الدِّين، وتمَّم شرائعه، واستقرَّ الأمر فيها على مِنهاجٍ معلومٍ، وقد غَلَبَ رسول الله صلى الله عليه وسلم الوجَعُ، وأظَلَّته [65] الوفاة، وهو بشر يعتريه من الآلام [66] ما يعتري البشر [67] ، ويتورَّد طِباعه من التغيُّر [68] بالمرض ما يتورَّد [69] غيره، وقد قال [70] النبيُّ [71] صلى الله عليه وسلم : «إنِّي أُوعكُ كما يُوعَكُ رجُلان منكم» [72] . وقال: «إنِّي [73] بَشَرٌ أغضب كما يغضبُ البشرُ» [74] . وقال «إنَّا معاشرَ الأنبياء يُضاعف علينا البلاءُ» [75] . وقال عند موته: «واكَرَباه» [76] . إلى سائر [77] ما يتَّصل بهذا الباب من نظائره ولواحقه أشفق أن يكون ذلك من نوع ما يتكلم به المريض [78] ممَّا لا عزيمة له فيه، فيجدَ به المنافقون [79] سبيلاً إلى تلبيس أمر الدين.

وقد كان أيضاً صلى الله عليه وسلم يرى الرأيَ في الأمر فيراجعُه أصحابُه في ذلك [80] إلى أن يعزم اللهُ له على [81] شيءٍ، كما راجعوه في حِلاق الشَّعر قبلَ أن يطوفوا [82] ، وكما راجعوه يوم الحُديبية في الكتاب الذي كُتب بينَه وبين قريش [83] ، فإذا أمَرَ بالشيء أمر عَزمٍ لم يُراجع فيه، ولم يُخالَفْ عليه.

وأكثر العلماء متَّفقون على أنَّه قد يجوز [84] على رسول الله صلى الله عليه وسلم الخطأُ فيما لم ينزلْ عليه فيه وحي، ولكنَّهم مُجمعون على أنَّ تقريره على الخطأ غير جائز، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «اللـهم إنِّي بَشَرٌ أغضب كما يغضبُ البشر، فأيَّما عبدٍ لعنتُه أو سببته فاجعل ذلك عليه صلاةً ورحمةً» [85] .

ومعلوم أنَّ الله سبحانه _وإن كان رَفَع درجته فوق الخلق كلِّهم_ فإنَّه لم يُبرِّئه من سِمات الحَدَث،

@%ص53%

ولم يخله من الأعراض البشريَّة، وهذيانُ المريض موضوع عنه، والقلم عن الناسي مرفوع [86] ، وقد سها صلى الله عليه وسلم في صلاته، ونسي بعضَ العدد من ركعاتها حتَّى ذُكِّر بها ونُبِّه عليها [87] ، فلمَ يستنكر [88] أن يُظنَّ به حُدوثُ بعض هذه الأمور في مرضه، فَيتوقَّف في مثل ما جرى [89] من الحال، ويُستثبت حتَّى يتبيَّن حقيقته.

فلهذه الأمور [90] ولما [91] يُشبهُها [92] من الأسباب كانت مُراجعةَ عمرَ إيَّاه في ذلك الموطن، والله أعلم.

ويجب أن يُعلم أنَّ ذلك القولَ منه صلى الله عليه وسلم لو كان عزيمةً لأمضاهُ اللهُ، والحمد لله على ما يَسَّر من أمر دينه، وبه نستعين على حُسن طاعة نبيِّه، ولا قوَّة إلَّا بالله.

[1] في (ط): (عبد الله).
[2] (كتاباً) سقط من (ط).
[3] في النسخ الفروع: (غلبه الوجع)
[4] في (ط): (حسناً) مصحفاً.
[5] قوله: (فخرج) سقط من الأصل و (ر) والمثبت من (ط).
[6] في (ط): (ولا يتنازعون).
[7] في النسخ الفروع: (فيه).
[8] في النسخ الفروع: (قوموا عني).
[9] في النسخ الفروع: (ووجه ما فعل) إلَّا (م): (ووجه ما فعله)
[10] قوله: (لطال ذلك) زيادة من النسخ الفروع.
[11] في النسخ الفروع هنا زيادة: (وقد قال عز وجل: { يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } [المجادلة: 11] ).
[12] قال ابن حجر في الفتح ( 1/209): تعقبه ابن الجوزي بأنه لو نص على شيء أو أشياء لم يبطل الاجتهاد؛ لأن الحوادث لا يمكن حصرها، وقال إنما خاف عمر أن يكون مايكتبه في حالة غلبة المرض فيجد المنافقون سبيلاً إلى الطعن في ذلك المكتوب..
[13] انظر الجامع الصغير 1/13، وفيض القدير 1/212.
[14] في النسخ الفروع: (كان).
[15] (من) سقطت من (ط).
[16] (عما أمروا.. العجز) سقط من (ط)
[17] في (أ): (لا).
[18] في (أ) و (ر) و (ف): (روية ونظر).
[19] في (ط): (معموص) بالعين المهملة. ورجل مغموص عليه في حسبه او في دينه ومغموز أي مطعون عليه (اللسان_ غمص_)
[20] (والخلاعة) سقط من (ط)
[21] في النسخ الفروع: (تزود).
[22] في (ط) و (ر): (والخطب) بالخاء المعجمة. وفي (أ) و (م): (والحط) و (الحّطْبُ) بالحاء المهملة: السَّعْيُّ والنميمة عليهم. (التاج _حطب_)
[23] في (ط): (يريدون)
[24] في (ر): (الاختلاف).
[25] في (أ) و (ر) و (م): (بين أظهرهم حياً).
[26] في (ط): (في).
[27] في (ط): (ألزمنا منه من).
[28] قوله: (أن) زيادة (ط)
[29] في (أ) و (ر) و (م): (لهم).
[30] في الأصل: (الغني) والمثبت من (ط).
[31] في (ر) و (ف): (ونحوها) وفي (أ): (ونحوهما) وفي (م): (ونحوه)
[32] في (م) زيادة: (وتبتغوا من فضله).
[33] (فهل) سقطت من (ط)
[34] في (ر) و (ف): (ما ألزمناه).
[35] (ولله الحمد) سقط من (ط)
[36] في (ط): (وقوله).
[37] قوله: (في شيء دون.... اختلاف في) زيادة من (ط)
[38] في النسخ الفروع: (وذلك)
[39] في (ط): (كثيراً) وهو تصحيف
[40] قوله: (إن أمتي أمة.... قال صلى الله عليه وسلم ) زيادة من (ط)
[41] رواه الدارمي في سننه عن أبي صالح رقم (15)
[42] انظر مسلم 4/2007 رقم (87)
[43] في النسخ الفروع: (وقد أمر).
[44] في (ط): (الدماء).
[45] قوله: (بالحوائج والحجج) ليس في النسخ الفروع.
[46] في (ط): (قيام المعجزة وظهور الحجة).
[47] في (ط): ( ولا يأتم على أحدهم) مصحفاً.
[48] في الأصل (في) والمثبت من (ط).
[49] في النسخ الفروع: (فإن للسيف) إلَّا في (أ): (فإن السيف).
[50] في النسخ الفروع: (ذلك).
[51] في الأصل: (لأحدكم) والمثبت من (ط) ولم أقف عليه في كتب الحديث.
[52] في (ط) زيادة هنا: (المبعوث بها على الله تعالى).
[53] قوله: (الموصلي) زيادة من النسخ الفروع.
[54] في (ط): (ما كان في حياته)
[55] في (م): (عمر).
[56] في النسخ الفروع: (نسمة تخلق من أمته)
[57] في الأصل: (تحلى) والمثبت من (ط).
[58] في (م): (الفهم).
[59] في (أ): (من شأنه)
[60] (قد يسأل): سقط من (ط)
[61] قوله: (رسول الله) زيادة من النسخ الفروع.
[62] في (ط): (بغير حق) من دون أل التعريف.
[63] قوله (وسلم معصوم... وسلم) ساقط من (ط).
[64] في (ر): (فقال).
[65] في (ط) (وأصلبه) محرفاً.
[66] في (ط): (من الأمر) وفي (أ) و (ر): (الألم),
[67] في (ف) و (م): (البشرية).
[68] في (ط): (البعير) مصحفاً.
[69] في النسخ الفروع: (ما يورد). إلَّا في (م): (ويورد.. ما يتورد)
[70] (وقد قال) تكررت في (م).
[71] قوله: (النبي) زيادة من (ط).
[72] انظر: البخاري رقم (5648)، عن عبد الله بن مسعود.
[73] في (ط): (إذ) محرفاً.
[74] رواه أحمد في المسند عن أبي هريرة 2/243.
[75] رواه أحمد في المسند عن أبي سعيد الخدري 3/94
[76] انظر: البخاري رقم (4462) والقول لفاطمة رضي الله عنها .
[77] قوله: (سائر) زيادة من (ط)
[78] قوله: (أشفق أن يكون.... المريض) زيادة من النسخ الفروع.
[79] في النسخ الفروع: (المنافقون به).
[80] في النسخ الفروع: (فيه).
[81] زاد في الأصل: (كل).
[82] انظر البخاري رقم 2731 من حديث أم سلمة.
[83] انظر البخاري رقم (2732) عن المسور بن مخْرَمة ومروان
[84] في (م): (قد جوز).
[85] انظر: المسند لأحمد (2/243) وصحيح مسلم رقم (90) عن أبي هريرة
[86] في النسخ الفروع: (مرفوع عن الناسي) وفي (م) (الناس)
[87] انظر البخاري رقم (483) عن أبي هريرة وابن ماجة رقم (1211) عن عبد الله بن مسعود.
[88] في (ف): (فلم يستكثر).
[89] قوله (كما راجعوه... ما جرى من) استدرك في (ط) في الهامش، ولكن نصف الكلام مفقود في كل سطر في التصوير.
[90] في النسخ الفروع: (المعاني).
[91] في (ر) و (ف): (وما).
[92] في (أ) و (م): (وأشباهها)





لا تتوفر معاينة

114# البخاري ثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا اشْتَدَّ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَجَعُهُ قَالَ: «ائْتُونِي بِكِتَابٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَاباً لاَ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أبداً»، قَالَ عُمَرُ: إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم غَلَبَهُ الوَجَعُ، وَعِنْدَنَا كِتَابُ اللَّهِ حَسْبُنَا. فَاخْتَلَفُوا وَكَثُرَ اللَّغَطُ، قَالَ: «قُومُوا عَنِّي، وَلاَ يَنْبَغِي عِنْدِي التَّنَازُعُ»، فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ وهو يَقُولُ: «إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ، مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَبَيْنَ كِتَابِهِ».

أخرجه البخاري هنا عن يحيى بن سليمان، عن ابن وهب، عن يونس، وفي «الطب» و«الاعتصام» عن إبراهيم بن موسى، عن هشام، عن معمر، وفي «المغازي» عن علي، وفي «الطب» عن عبد الله بن محمد، عن عبد الرزاق، عن معمر.

وأخرجه مسلم في «الوصايا» عن محمد

@%ص230%

بن رافع، وعبد، عن عبد الرزاق، عن معمر، كلاهما عن الزهري، عن عبيد الله.

قوله: «لَمَّا اشْتَدَّ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَجَعُهُ» وقال فيه في «الطب»: «لما حضر برسول الله صلى الله عليه وسلم»، وفيه: «فاختلف أهل البيت فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاباً لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر».

وفي بعض طرقه في الصحيح: «ائتوني بالكتف والدواة _ أو اللوح والدواة _ أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً».

قول عمر: «إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قد غَلَبَهُ الوَجَعُ» قال المازري وغيره: اعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم من الكذب، ومن تغيير شيء من الأحكام الشرعية في حالتي صحته ومرضه، وليس هو معصوم من الأمراض العارضة للأجسام مما لا نقص فيه لمنزلته، ولا فساد لما مهد من شريعته، وقد سحر صلى الله عليه وسلم ولم يصدر منه في هذه الحالة حكم مخالف لما سبق من الأحكام.

واختلف العلماء في الكتاب الذي هَمَّ صلى الله عليه وسلم بكتابته، قال الخطابي: يحتمل وجهين؛ أحدهما: أنه أراد أن ينص على الإمامة بعده، فترتفع تلك الفتن العظيمة كحرب الجمل وصفين، وقيل: أراد أن يبين كتاباً فيه مهمات الأحكام، ليحصل الاتفاق على المنصوص عليه، ثم ظهر للنبي صلى الله عليه وسلم أن المصلحة تركه أو أوحي إليه به.

وأما كلام عمر رضي الله عنه فقال النواوي: اتفق العلماء المتكلمون على هذا الحديث أن كلام عمر هذا من دلائل فقهه وفضله [1]، لأنه خشي أن يكتب أموراً

@%ص231%

يعجزوا عنها، فيستحقوا العقوبة عليها لأنها منصوصة لا مجال للاجتهاد فيها.

قال البيهقي: وقصد عمر التخفيف على النبي صلى الله عليه وسلم حين غلبه الوجع، ولو كان مراده صلى الله عليه وسلم أن يكتب ما لا يستغنون عنه لم يتركهم لاختلافهم.

قال البيهقي: وقد حكى سفيان بن عيينة عن أهل العلم قبله أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يكتب استخلاف أبي بكر ثم ترك ذلك اعتماداً على ما علمه من تقدير الله تعالى، وذلك كما هَمَّ في أول مرضه حين قال: وارأساه، ثم ترك الكتاب، وقال: يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر، ثم قدمه في الصلاة، ورأى عمر الاقتصار على ما سبق، لئلا ينسد باب الاجتهاد والاستنباط، وقد كان سبق منه قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا أخطأ فله أجر»، وفي تركه صلى الله عليه وسلم الإنكار على عمر دلالة على استصوابه.

فإن قيل: كيف جاز لعمر رضي الله عنه أن يعترض على ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم؟ قلت: قد قال أبو سليمان الخطابي: لا يجوز أن يحمل قول عمر أنه توهم الغلط عليه، أو ظن به غير ذَلِكَ مما لا يليق به بحال، لكنه لما رأى ما غلب عليه من الوجع وقرب الوفاة خاف أن يكون ذَلِكَ القول مما يقوله المريض مما لا عزيمة لَهُ فيه، فيجد المنافقون بذلك سبيلاً إلى الكلام في الدين.

وقد كانت الصحابة يراجعون النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأمور قبل أن يجزم فيها، كما راجعوه يوم الحديبية في الحلاق وفي الصلح بينه وبين قريش، فإذا أمر بالشيء أمرَ عزيمةٍ فلا يراجعه فيه أحد.

@%ص232%

قال: وأكثر العلماء، على أنه يجوز عليه الخطأ فيما لم ينزل عليه فيه وحي، وأجمعوا كلهم على أنه لا يقر عليه.

قال: ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم وإن كان الله تعالى قد رفع درجته فوق الخلق كلهم فلم ينزهه من سمات الحدث والعوارض البشرية، فقد سهى في الصلاة، فلا ينكر أن يظن به حدوث بعض هذه الأمور في مرضه فيتوقف في مثل هذا الحال حتى تتبين حقيقته، فلهذه المعاني وشبهها توقف عمر.

وأجاب المازري عن السؤال: بأنه لا خلاف أن الأوامر قد تقترن بها قرائن تصرفها من الندب إلى الوجوب، وعكسه عند من قال: إنها للوجوب، وإلى الإباحة وغيرها من المعاني، فلعله ظهر من القرائن ما دل على أنه لم يوجب ذلك عليهم؛ بل جعله إلى اختيارهم، ولعله اعتقد أنه صدر ذلك منه _ عليه السلام _ من غير قصد جازم، فظهر ذلك لعمر دون غيره، وقول عمر: «عِنْدَنَا كِتَابُ اللَّهِ» يرد بهذا القول على من نازعه لا على أمر النبي صلى الله عليه وسلم.

وقال الداوودي: معناه أنه _ عليه السلام _ ذكر كلاماً لم يذكر في الحديث، فإما أن يكون حضهم على كتاب الله والأخذ بما فيه فقال عمر: «عِنْدَنَا كِتَابُ اللَّهِ» تصديقاً لقوله.

وفي الحديث زيادة في بعض الطرق يأتي الكلام عليها عند ذكر الحديث التي وردت فيه إن شاء الله.

وفي السند الأخير: وهب وأخوه همام، كان همام أكبر من وهب، وهما ابنا منبه بن كامل سَيجِ _ بسين مهملة مفتوحة، وقيل مكسورة، ثم مثناة تحت ساكنة ثم جيم، وقيل: الشين معجمة _ بن ذي كِبَار، وهو الأُسْوار اليماني الصَّنعاني الذِّماري

@%ص233%

بكسر الذال المعجمة، وقيل بفتحها، وذِمار على مرحلتين من صنعاء، الأَبَنَاوي بباء موحدة ثم نون، وهم كل من ولد من أبناء الفرس الذين وجههم كسرى مع سيف بن ذي يزن.

ووهب وهمام تابعيان، أخرج البخاري هنا عن عمرو بن دينار عنه عن أخيه.

قال الباجي: لم أر له في البخاري غير هذا الموضع، وسمع وهب في غير البخاري جابراً، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو، وأبا هريرة، وغيرهم.

قال أبو زرعة: «يماني ثقة»، وكذا قال النسائي: «ثقة»، وقال الفلاس: «ضعيف».

توفي سنة أربع عشرة ومئة، وقيل: ابن ثمانين سنة.

وعن غيلان بن منبه قال: كانوا أربعة إخوة: وهب، ومعقل أبو عقيل، وهمام، وغيلان، وكان أصغرهم وآخرهم موتاً همام، ومات وهب ثم معقل ثم غيلان، ثم همام.

أخرج له الجماعة إلا ابن ماجه، وأخرج له مسلم حديثاً في «الزكاة» عن أخيه همام، روى عنه عمرو بن دينار، واتفق البخاري ومسلم في الإخراج عنه عن أخيه همام لا غير.

وفيه: همام بن منبه، أبو عقبة الصنعاني، أخو وهب، قال الباجي والمقدسي: كان أكبر من وهب.

أخرج البخاري في «العلم» و«الإيمان»، و«الاستقراض»، و«اللقطة»، وغير ذلك عن وهب أخيه، ومعمر بن راشد، عنه عن أبي هريرة.

وأخرج له غيره عن ابن عباس، ومعاوية، وقيل: بل رآه. قال يحيى بن معين: «ثقة».

توفي سنة إحدى وثلاثين ومئة، وقيل: اثنتين، روى له الجماعة.

وفيه: يحيى بن سليمان بن يحيى بن سعيد بن مسلم بن عبيد بن مسلم، أبو سعيد الجعفي الكوفي، نزيل مصر.

أخرج له البخاري في «العلم»، و«الصلاة»، وغيرهما عنه، عن عبد الله بن وهب.

انفرد البخاري به عن باقي أئمة الكتب الستة، قال أبو حاتم: «شيخ».

توفي سنة ثمان وثلاثين ومئتين، قاله ابن يونس.

[1] في الأصل: «من ... على فقهه وفضله» وموضع النقط كلمة غير واضحة، والمثبت هو لفظ النووي في شرح مسلم (11/90).





لا تتوفر معاينة

114- وبه قال: ((حدثنا يحيى بن سليمان)) : ابن يحيى بن سعيد الجعفي الكوفي، أبو سعيد، سكن مصر ومات بها سنة سبع أو ثمان وثلاثين ومئتين ((قال حدثني)) بالإفراد، ((ابن وهب)) : عبد الله المصري ((قال: أخبرني)) بالإفراد ((يونس)) بن يزيد الأيلي، ((عن أبي شهاب)) : محمد بن مسلم الزهري، ((عن عبيد الله)) بالتصغير ((بن عبد الله)) ؛ بالتكبير، ابن عُتبة-بضم العين-ابن مسعود، أبو عبد الله أحد الفقهاء السبعة.

((عن ابن عباس)) : عبد الله رضي الله عنهما ((قال: لما)) : ظرف بمعنى: حين ((اشتد)) أي: قوي ((بالنبيِّ)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم وجعه)) ؛ بالرفع فاعل (اشتد) ؛ أي: في مرض موته، وللمؤلف أن ذلك كان يوم الخميس وهو قبل وفاته بأربعة أيام، ((قال)) : جواب (لما) : ((ائتوني)) : مقول القول ((بكتاب)) فيه حذف؛ لأنَّ الظاهر: أن يقال: ائتوني بما يكتب به الشيء؛ كالدواة والقلم، والكتاب بمعنى: الكتابة، والتقدير: ائتوني بأدوات الكتابة، أو يكون أراد بالكتاب ما من شأنه أن يكتب فيه نحو: الكاغد والكتف، وقد صرَّح مسلم بالتقدير المذكور والمراد بالكتف: عظمه؛ لأنَّهم كانوا يكتبون فيه؛ ((أكتبْ لكم)) : مجزوم؛ لأنَّه جواب الأمر، ويجوز الرفع على الاستئناف ((كتابًا)) بالنصب على المفعولية؛ أي: أمرنا بالكتابة، نحو: كسا الخليفة الكعبة؛ أي: أمر بالكسوة، ويحتمل أن يكون على حقيقته، وقد ثبت أنه عليه السلام كتب بيده، ولكن في «مسند أحمد» من حديث على أنه المأمور بذلك، ولفظه: أمرني النبيُّ الأعظم عليه السلام أن آتيه بطبق؛ أي: كتف يكتب ما لا تضل أمته بعده.

قلت: وفيه إشارة للرد على الروافض والشيعة؛ حيث كان المأمور عليًّا بالكتابة.

((لا تضلوا)) وفي رواية: (لن تَضِلوا) ؛ بفتح أوله وكسر الضاد المعجمة، من الضلالة ضد: الرشاد، وعلى الرواية الأولى: نفي وليس بنهي، وحذفت منه النون؛ لأنَّه بدل من جواب الأمر ((بعده)) ؛ بالنصب على الظرفية، يحتمل أنه أراد أن ينص على الإمامة بعده فترتفع تلك الفتن؛ كحرب الجمل وصفين، أو أراد أن يبيِّن كتابًا فيه مهمات الأحكام؛ ليحصل الاتفاق على المنصوص عليه، ثم ظهر له عليه السلام أن المصلحة تركه أو أوحيإليه به، ويدل للأول: أنه عليه السلام قال في أوائل مرضه عند عائشة: «ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب كتابًا، فإني أخاف أن يتمنَّى متمنٍّ ويقول قائل، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر»، أخرجه مسلم، وللمؤلف معناه، ومع ذلك فلم يكتب.

((قال عمر)) : ابن الخطاب لمن كان حاضرًا من الصحابة: ((إنَّ النبيَّ)) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) ((صلى الله عليه وسلم غلبه الوجع)) : مقول قول عمر، جملة من الفعل، والمفعول والفاعل محلها رفع خبر (إن) ، ((و)) الحال ((عندنا)) خبر مقدم ((كتاب الله)) : مبتدأ مؤخر مضاف للجلالة؛ أي: القرآن ((حسبنا)) خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هو حسبنا؛ أي: كافينا؛ فهو تبيان لكل شيء، فقصد عمر رضي الله عنه التخفيف على النبيِّ الأعظم عليه السلام حين غلبه الوجع، ولو كان مراده عليه السلام أن يكتب ما لا يستغنون عنه لم يتركهم لاختلافهم، أو خشي أن يكتب أمورًا يعجزونعنها؛ فيستحقون [1] العقوبة عليها؛ لأنَّها منصوصة لا مجال للاجتهاد فيها، أو خشي أن يكتب مما لا عزيمة له فيه؛ فيجد المنافقون بذلك سبيلًا إلى الكلام في الدين، وقد كانت الصحابة تراجعه في بعض الأمور؛ كما في يوم الحديبية والصلح بينه وبين قريش، فإذا أمر بالشيء أمر عزيمة؛ فلا يراجعه أحد.

وأكثر العلماء على أنه يجوز عليه الخطأ فيما لم ينزل عليه فيه الوحي، وأجمعوا[/ص71/] على أنه لا يقر عليه، ومعلوم أنه عليه السلام درجته فوق الخلق؛ فلم ينزه عن العوارض البشرية فقد سها في الصلاة؛ فلا ينكر أن يظن به حدوث بعض هذه الأمور في مرضه؛ فيتوقف في هذه الحالة حتى يتبين حقيقته؛ فلهذا توقف عمر في ذلك وتركه عليه السلام ولم ينكر عليه، وهو دليل على استصوابه، فالأمر في (ائتوني) وإن كان حق المأمور أن يبادر للامتثال، لكن ظهر لعمر مع طائفة أنه ليس للوجوب، وأنه من باب الإرشاد إلى الصلح، فكرهوا أن يكلِّفوه من ذلك ما يشقُّ عليه في تلك الحالة مع استحضارهم قوله تعالى: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ} [الأنعام: 38] ، ولهذا قال عمر: (حسبنا كتاب الله) .

((فاختلفوا)) ؛ أي: الصحابة في ذلك وظهر لطائفة أخرى أن الأولى: أن يكتب لما فيه من امتثال أمره وما يتضمَّنه من زيادة الإيضاح، ((وكثُر)) ؛ بضم المثلثة، ((اللَّغط)) ؛ بتحريك اللام والغين المعجمة، الصوت والجلبة، فاختلفوا والحال أنهم قد كثر لغطهم بسبب ذلك فلما رأى عليه السلام ذلك؛ ((قال)) ، وفي رواية: (فقال) ؛ بفاء العطف، وفي أخرى: (وقال) ؛ بواوه: ((قوموا عني)) ؛ أي: قوموا متبعدين عن جهتي، ((ولا ينبغي)) لا يطلب، ((عندي التنازعُ)) ؛ بالرفع فاعل (ينبغي) ؛ أي: الاختلاف والتجادل، وهو دليل على أن أمره الأول كان على الاختيار وأن ما اختاره عمر صوابًا، ولهذا عاش عليه السلام بعد ذلك أيامًا، ولم يعاود أمرهم بذلك، ولو كان واجبًا؛ لم يتركه؛ لاختلافهم؛ لأنَّه لم يترك التكليف؛ لمخالفة من خالف؛ فليحفظ.

((فخرج ابن عباس يقول)) ظاهره: أن ابن عباس كان معهم، وأنه في تلك الحالة خرج قائلًا هذه المقالة، وليس كذلك؛ بل قول ابن عباس إنَّما كان تقوله عندما تحدث بهذا الحديث لما عند المؤلف في (الاعتصام) ، قال عبيد الله: فكان ابن عباس يقول وكذا لأحمد ولأبي نعيم، قال عبيد الله: فسمعت ابن عباس يقول، ووجه رواية حديث الباب أن ابن عباس لما حدث عبيد الله بهذا الحديث؛ خرج من المكان الذي كان فيه وهو يقول، وإنما تعين حمله على غير ظاهره؛ لأنَّ عبيد الله تابعي من الطبقة الثانية لم يدرك القصة في وقتها؛ لأنَّه ولد بعد النبي الأعظم عليه السلام بمدة طويلة ثم سمعها من ابن عباس بعد ذلك بمدة أخرى.

((إن الرَّزِيَّئة)) ؛ بفتح الراء، وكسر الزاي، بعدها تحتية ثم همزة، وقد تسهل الهمزة وتشديد الياء التحتية ومعناها: المصيبة، ((كل الرزيئة)) ؛ بالنصب على النيابة عن المصدر، ومثل هذا يعد من المفاعيل المطلقة أو على التأكيد.

((ما)) : موصولة؛ بمعنى: الذي، ((حالُ)) : صلتها محله الرفع خبر (إن) حجز؛ أي: صار حاجزًا، ((بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كتابه)) ؛ فكان ابن عباس من الطائفة التي ظهر لها أن يكتب؛ لما فيه من الامتثال وزيادة الإيضاح.

وفيه: دليل على أن عمر أفقه من ابن عباس؛ حيث اكتفى بالقرآن.

وفيه: دليل على إباحة الاجتهاد؛ لأنَّه وكَّلهم إلى أنفسهم.

وفيه: بطلان ما زعمه الشيعة من وصاية النبي الأعظم عليه السلام بالإمامة؛ لأنَّه لو كان عند علي عهد من النبي عليه السلام؛ لأحال عليها.

وفيه: دلالة على أن للإمام أن يوصي عند موته بما يراه نظرًا للأمة وكذا غيره.

وفيه: دلالة على جواز كتابة الحديث، ويعارضه ما في مسلم مرفوعًا: «لا تكتبوا عني شيئًا غير القرآن».

وأجيب: بأن النهي خاص بوقت نزول القرآن؛ خشية التِبَاسهِ بغيره والإذن في غير ذلك، أو الإذن ناسخ؛ للنهي عند الأمن من الالتباس، أو النهي خاص بمن خشي منه الاتكال على الكتاب دون الحفظ، والإذن لمن أمن منه ذلك.

وكره جماعة من الصحابة والتابعين كتابة الحديث، واستحبُّوا أن يؤخذ عنهم حفظًا كما أخذوا حفظًا، لكن لما قصرت الهمم وخشي الضياع؛ دونوه، وأول من دوَّن الحديث: ابن شهاب الزهري على رأس المئة بأمر عمر بن عبد العزيز، وأوَّل من دوَّن الفقه ورتبه : إمامنا رأس المجتهدين الإمام الأعظم التابعي الجليل، ولما رآه مالك؛ شرع في «الموطأ» ودوَّنه ورتَّبه، وتبعه بعد ذلك المحدثون والفقهاء وغيرهم، ففضله عامٌّ على الجميع، وإنما يعرف الفضل من الناس ذووه، والله تعالى أعلم، وأستغفر الله العظيم رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وجعل الجنة مسكنه ومأواه.

[1] في الأصل: (يعجزوا عنها فيستحقوا) ، وليس بصحيح.