متن الصحيح الإرشاد الناظر التلقيح التنقيح التوشيح الزراري

112- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ) بضمِّ الدَّال المُهمَلَة، وفتح الكاف (قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ)؛ بفتح المُعجَمَة، وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، ابن عبد الرَّحمن، النَّحويُّ المؤدِّبُ، البصريُّ الثِّقة، المُتوفَّى سنة أربعٍ وستِّين ومئةٍ في خلافة المهديِّ، (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ صالح بن المتوكِّل، الطَّائيِّ، مولاهم العطَّار، أحد الأعلام الثِّقات العُبَّاد، المُتوفَّى سنة تسعٍ وعشرين ومئةٍ، وقيل: سنة اثنتين وثلاثين، (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ)؛ بفتح اللَّام، عبد الله بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ، (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، وللمؤلِّف في «الدِّيات» [خ¦6880] : حدَّثنا أبو سلمة قال: حدَّثنا أبو هريرة: (أَنَّ خُزَاعَةَ)؛ بضمِّ الخاء المُعجَمَة، وبالزَّاي، غير مصروفٍ [1] ؛ للعلميَّة والتَّأنيث؛ وهم حيٌّ من الأزد، (قَتَلُوا رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ بِقَتِيلٍ مِنْهُمْ قَتَلُوهُ)، في السِّيرة: أنَّ خراش بن أميَّة الخزاعيَّ قتل جندب بن الأقرع الهذليَّ بقتيلٍ قُتِل في الجاهليَّة يُقال له: أحمرُ، وعلى هذا فيكون قوله: «أنَّ خزاعة قتلوا»؛ أي: واحدًا منهم، فأُطلِقَ عليه اسم «الحيِّ» مجازًا، (فَأُخْبِرَ) بضمِّ الهمزة، وكسر المُوحَّدة (بِذَلِكَ النَّبِيُّ) بالرَّفع نائبٌ عنِ الفاعل، (صلى الله عليه وسلم، فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ)؛ النَّاقة التي تصلح أن يُرحَل عليها، (فَخَطَبَ) رسول الله صلى الله عليه وسلم، (فَقَالَ: إِنَّ اللهَ) عزَّ وجلَّ (حَبَسَ)؛ أي: منع (عَنْ مَكَّةَ الْقَتْلَ) بالقاف المفتوحة، والمُثنَّاة الفوقيَّة (أَوِ الْفِيلَ)؛ بالفاء المكسورة، والمُثنَّاة التَّحتيَّة: الحيوان المشهور، (شَكَّ أَبُو عَبْدِ اللهِ)؛ أي البخاريّ، وسقط قوله: ((شَكَّ أبو عبد الله)) عند أبي ذَرٍّ وابن عساكر والأَصيليِّ، وللأربعة: ((قال أبو عبد الله: كذا قال أبو نُعيمٍ))؛ هو الفضل بن دُكَينٍ، وأراد به أنَّ الشَّكَّ فيه من شيخه [2] ، ((واجعلوا))؛ بصيغة الأمر، وللأَصيليِّ: ((واجعلوه))؛ بضمير النَّصب؛ أي: اجعلوا اللَّفظ ((على الشَّكِّ: الفيل _بالفاء_ أوِ القتل _بالقاف_، [/ج1ص203/]

_وغيره))؛ أي: غير أبي نُعيمٍ ممَّن رواه عن الشَّيبانيِّ رفيقًا لأبي نُعيمٍ؛ وهو عبيد الله بن موسى، ومن رواه عن يحيى رفيقًا لشيبان، وهو حرب بن شدَّادٍ، كما سيأتي _إن شاء الله تعالى_ في «الدِّيات» [خ¦6880] _، ((يقول: الفيل)) _بالفاء_ من غير شَكٍّ، والمُرَاد بـ: «حبس الفيل»: أهل الفيل الذين غزَوا مكَّة، فمنعها الله تعالى منهم؛ كما أشار إليه تعالى في القرآن، وهذا [3] تصريحٌ من المصنِّف بأنَّ الجمهور على رواية «الفيل»؛ بالفاء، وفي بعض النُّسخ ممَّا ليس في «اليونينيَّة» [4] : ((إنَّ الله حبس عن مكَّة القتل أو الفيل؛ كذا قال أبو نُعيمٍ، واجعلوا على الشَّكِّ: القتل أو الفيل))، وفي روايةٍ: ((قال محمَّد))؛ أي: البخاريَّ: ((وجعلوه))؛ أي: الرُّواة ((على الشَّكِّ، كذا قال أبو نُعيم: الفيل أو القتل))، وقال البرماويُّ كالكرمانيِّ: ((الفتك))؛ بالفاء والكاف؛ أي: سفك الدَّم على غفلةٍ؛ أي: بدل القتل، ووجهه ظاهرٌ، لكن لا أعلمه رُوِيَ كذلك، ولا يبعد أن يكون تصحيفًا، ثمَّ عطف على السَّابق قوله: (وَسُلِّطَ عَلَيْهِمْ) بضمِّ السِّين بالبناء للمفعول، (رَسُولُ اللهِ) نائبٌ عنِ الفاعل، (صلى الله عليه وسلم وَالْمُؤْمِنونَ)؛ رُفِعَ بالواو، عطفٌ عليه، كذا في رواية أبي ذَرٍّ، ولغيره: ((وسَلَّط))؛ بفتح السِّين؛ أي: الله ((عليهم رسولَ الله)): مفعوله، ((والمؤمنين))؛ نُصِبَ بالياء، عطفٌ عليه، (أَلَا)؛ بفتح الهمزة مع [5] تخفيف اللَّام، إنَّ الله قد حبس عنها، (وَإِنَّهَا) ولأبي ذَرٍّ: ((فإنَّها)) بالفاء (لَمْ تَحِلَّ) بفتح أوَّله، وكسر ثانيه (لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَا تَحِلُّ)، بضمِّ اللَّام، وفي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((ولم تحلَّ)) (لأَحَدٍ بَعْدِي)، واستُشكِلت هذه الرِّواية؛ فإنَّ «لم» تقلبُ المضارع ماضيًا، ولفظ «بعدي» للاستقبال، فكيف يجتمعان؟ وأُجِيب: بأنَّ المعنى: لم يحكم الله في الماضي بالحلِّ في المُستقبَل، (أَلَا) بالتَّخفيف مع الفتح أيضًا (وَإِنَّهَا)؛ بالعطف على مُقدَّرٍ كالسَّابقة، (حَلَّتْ [6] لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، أَلَا) بالتخفيف أيضًا (وَإِنَّهَا) بواو العطف كذلك (سَاعَتِي)؛ أي: في ساعتي (هَذِهِ) التي أتكلَّم فيها بعد الفتح، (حَرَامٌ)؛ بالرَّفع على الخبريَّة؛ لقوله: إنَّها؛ أي: مكَّة، واستُشكِل: بكون «مكَّةَ» مُؤنَّثَةٌ، فلا تَطابقَ بين المُبتدَأ والخبر المذكور، وأُجِيب: بأنَّه مصدرٌ في الأصل، يستوي فيه التَّذكير والتَّأنيث، والإفراد والجمع، (لَا يُخْتَلَى)؛ بضمِّ أوَّله وبالمُعجَمَة؛ أي [7] : لا يُقطَع ولا يُجَزُّ (شَوْكُهَا) إلَّا المؤذي؛ كالعوسج، واليابس؛ كالحيوان المؤذي والصَّيد الميت [8] ، (وَلَا يُعْضَدُ)؛ بضمِّ أوَّله، وفتح ثالثه المُعجَم؛ أي [9] : لا يُقطَع (شَجَرُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ) [10] بالبناء للمفعول (سَاقِطَتُهَا)؛ أي: ما سقط فيها بغفلة مالكه (إِلَّا لِمُنْشِدٍ)؛ أي: معرِّفٍ، فليس لواجدها غير التَّعريف، ولا يملكها، هذا مذهبنا، كذا في «الأصل»، (فَمَنْ قُتِلَ)؛ بضمِّ أوَّله وكسر ثانيه؛ أي: قُتِلَ له قتيلٌ، كما في «الدِّيات» عند المصنِّف [خ¦6880] ؛ (فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ)؛ أي: أفضلهما، ولغير الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((بخيرٍ))؛ بالتَّنوين، وإسقاط: ((النَّظرين))، وفي نسخة الصَّغَّانيِّ: ((فمن قُتِلَ له قتيلٌ))، وصُحِّح على قوله: «له قتيلٌ» [11] ، كذا قدَّر المحذوف هنا الحافظ ابن حجرٍ كالخطَّابيِّ، وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّه يلزم منه حذف الفاعل، وقال البرماويُّ: أي: المستحقُّ لِدِيَتِه مخيَّرٌ [12] ، وهو معنى قول البدر الدَّمامينيِّ: يمكن جعل الضَّمير من قوله: «فهو» عائدًا إلى الوليِّ المفهوم من السِّياق، وقال العينيُّ: التَّحقيق: أن يُقدَّر فيه مُبتدَأٌ محذوفٌ، وحذفه سائغٌ، والتَّقدير: فمن أهله قُتِلَ؛ فهو بخير النَّظرين، فـ: «مَنْ»: مبتدأٌ، و«أهلُه قُتِلَ»: جملةٌ من المُبتدَأ والخبر وقعت صلةً للموصول، وقوله: «فهو»: مُبتدَأٌ، وقوله: «بخير النَّظرين» خبره، والجملة خبر المبتدأ الأوَّل، والضَّمير في «قُتِلَ» يرجع إلى «الأهل» المُقدَّر، وقوله: «هو» يرجع إلى «مَنْ»، و«الباء» في «بخير النَّظرين» مُتعلِّقٌ بمحذوفٍ تقديره: فهو مرضيٌّ بخير النَّظرين، أو عاملٌ أو مأمورٌ، (إِمَّا أَنْ يُعْقَلَ وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ)؛ أي: يُمكَّن (أَهْلُ الْقَتِيلِ) من القتل [13] ، يُقَال: أقدت القاتل بالمقتول؛ أي: اقتصصته منه، فالنَّائب عن الفاعل ضميرٌ [14] فيه يعود للمفعول؛ أي: يُؤخَذ له القَوَدُ أو نحو ذلك، وبهذا يزول الإشكال؛ إذ لولا التَّقدير؛ كان المعنى: وإمَّا أن يُقتَل أهل القتيل، وهو باطلٌ، قال الدَّمامينيُّ: ولعل معنى «يُقَاد»: يُمكَّن من القَوَد؛ وهو القتل؛ أي: وإمَّا أن يُمكَّن أهلُ القتيل مِنَ القَوَد، فيستقيم المعنى [15] ، والفعلان مبنيَّان للمفعول، وهمزة «إمَّا» التَّفصيليَّة مكسورةٌ، و«أنِ» المصدريَّة مفتوحةٌ في الأربعة، (فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ)؛ هو أبو شَاهٍ؛ بشينٍ مُعجَمَةٍ، وهاءٍ منوَّنةٍ، كما في «فتح الباري»، (فَقَالَ: اكْتُبْ لِي)؛ أي: الخطبة التي سمعتها منك (يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم: (اكْتُبُوا لأَبِي [/ج1ص204/] [/ج1ص205/] فُلَانٍ)؛ أي: لأبي شَاهٍ، (فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ)؛ هو العبَّاس بن عبد المُطَّلِب: قل يا رسول الله: «لا يُختلَى شوكُها ولا يُعضَدُ شجرُها»، (إِلَّا الإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللهِ)؛ بكسر الهمزة، وسكون الذَّال، وكسر الخاء المُعجَمَتين؛ وهو نبتٌ معروفٌ طيِّب الرَّائحة، ويجوز فيه: الرَّفع على البدل من السَّابق، والنَّصب على الاستثناء؛ لكونه واقعًا بعد النَّفي، (فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا) للسَّقف فوق الخشب، أو يخلط بالطِّين؛ لئلَّا ينشقَّ [16] إذا بُنِيَ به، (وَقُبُورِنَا)؛ نسدُّ به فُرَجَ اللَّحد المتخلِّلة بين اللَّبِنَات، (فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) بوحيٍ في الحال أو قبل ذلك، أو أنَّه إن طلب منه أحدٌ استثناء شيءٍ منه فاستثنه (إِلَّا الإِذْخِرَ) وللأَصيليِّ [17] : ((إلَّا الإِذْخِرَ _مرَّتين_))، فتكون الثَّانية للتَّأكيد، وفي «فرع اليونينيَّة» هنا زيادةٌ؛ وهي: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ)؛ أي: البخاريّ: (يُقَالُ: يُقَادُ؛ بِالْقَافِ، فَقِيلَ لأَبِي عَبْدِ اللهِ: أَيُّ شَيْءٍ كَتَبَ لَهُ؟ قَالَ [18] : كَتَبَ لَهُ هَذِهِ الْخُطْبَةَ)، وليس هذا التَّفسير عند أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وأبي الوقت وابن عساكر.

[1] (ب) و(س): «منصرف».
[2] قوله: «وأراد به أنَّ الشَّكَّ فيه من شيخه»، سقط من (د).
[3] في (د): «وهو».
[4] قوله: «ممَّا ليس في «اليونينيَّة»»، سقط من (ص).
[5] في (ب) و(س): «و».
[6] في (ب) و(س): «أحلت».
[7] في (ص): «إذ».
[8] «والصَّيد الميت»: سقط من (م).
[9] في (ص): «الذي».
[10] في (ص) و(م): «يلتقط»، وهو خطأ.
[11] قوله: «ولغير الكُشْمِيْهَنِيِّ: «بخيرٍ»... وصُحِّح على قوله: «له قتيلٌ»»، سقط من (د).
[12] في (ب) و(س): «بخير»، وفي (د): «بخير النَّظرين».
[13] في (م): «القاتل».
[14] زيد في (م): «فيه».
[15] قوله: «قال الدَّمامينيُّ: ولعل معنى... فيستقيم المعنى»، سقط من (د) و(ص).
[16] في (ص) و(م): «يتشقَّق».
[17] قوله: «بوحيٍ في الحال أو قبل ذلك... فاستثنه (إِلَّا الإِذْخِرَ) وللأَصيليِّ»، سقط من (ص).
[18] في (ب) و(س): «فقال».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

112-. حدَّثنا أَبُو نُعَيْمٍ الفَضْلُ بنُ دُكَيْنٍ، قالَ: حدَّثنا شَيْبانُ، عن يَحْيَىَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ خُزاعَةَ قَتَلُوا رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ _عامَ فَتْحِ مَكَّةَ_ بِقَتِيلٍ مِنْهُمْ قَتَلُوهُ، فَأُخْبِرَ بِذلكَ النَّبِيُّ [/ج1ص33/] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَرَكِبَ راحِلَتَهُ فَخَطَبَ، فقالَ: «إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عن مَكَّةَ القَتْلَ _أَوِ الفِيلَ، شَكَّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ [1] _ وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ [2] ، أَلَا وَإِنَّها [3] لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، ولَمْ تَحِلَّ [4] لأَحَدٍ بَعْدِي، ألَا وَإِنَّهَا [5] حَلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ألَا وَإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ، لا يُخْتَلَىَ شَوْكُهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ، فَمَنْ قُتِلَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ [6] : إِمَّا أَنْ يُعْقَلَ، وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ القَتِيلِ». فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ فقالَ: اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ. فقالَ: «اكْتُبُوا لأَبِي فُلَانٍ». فقالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ: إِلَّا الإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ فَإِنَّا نَجْعَلُهُ في بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا. فقالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِلَّا الإِذْخِرَ، إِلَّا [7] الإِذْخِرَ [8] ».

قالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: يُقَالُ: يُقَادُ بِالْقَافِ، فَقِيلَ لأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: أَيُّ شَيْءٍ كَتَبَ لَهُ؟ قالَ: كَتَبَ لَهُ هَذِهِ الخُطْبَةَ [9] .

[1] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السمعاني عن أبي الوقت: «قال أبو عبد الله: كذا قال أبو نعيم [أراد البخاري أن الشك فيه من شيخه] واجعلوا (في رواية الأصيلي: واجعلوه) على الشك: الفيل أو القتل، وغيره يقول: الفيل [أي من غير شكٍّ] ». وهذا القول بدل قوله: «شك أبو عبد الله» عند أبي ذر والأصيلي وابن عساكر
[2] في رواية أبي ذر ورواية السمعاني عن أبي الوقت: «وسُلِّطَ عليهم رسولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمؤمنون».
[3] في رواية أبي ذر والكُشْمِيْهَنِيِّ: «فإنها».
[4] في رواية ابن عساكر و [عط] ورواية أبي ذر عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «ولا تحلُّ».
[5] صحَّح عليها في اليونينيَّة.
[6] لفظة: «النظرين» ثابتة في رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ و [عط] و [ع] أيضًا.
[7] صحَّح عليها في اليونينيَّة.
[8] في رواية الأصيلي زيادة لفظة: «مرتين»، وفي (ب، ص) أن هذه الزيادة وقعت بعد «إلَّا الإذخر» الأولى.
[9] قوله: «قال أبو عبد الله... إلخ»، ليس في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر، وقيَّد في (ن، ق) عدم وجوده في حاشية رواية ابن عساكر، وزاد في (و، ب، ص) نسبة عدم وجوده إلىَ رواية السمعاني عن أبي الوقت بدل حاشية رواية ابن عساكر.





112- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ) بضمِّ الدَّال المُهمَلَة، وفتح الكاف (قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ)؛ بفتح المُعجَمَة، وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، ابن عبد الرَّحمن، النَّحويُّ المؤدِّبُ، البصريُّ الثِّقة، المُتوفَّى سنة أربعٍ وستِّين ومئةٍ في خلافة المهديِّ، (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ صالح بن المتوكِّل، الطَّائيِّ، مولاهم العطَّار، أحد الأعلام الثِّقات العُبَّاد، المُتوفَّى سنة تسعٍ وعشرين ومئةٍ، وقيل: سنة اثنتين وثلاثين، (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ)؛ بفتح اللَّام، عبد الله بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ، (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، وللمؤلِّف في «الدِّيات» [خ¦6880] : حدَّثنا أبو سلمة قال: حدَّثنا أبو هريرة: (أَنَّ خُزَاعَةَ)؛ بضمِّ الخاء المُعجَمَة، وبالزَّاي، غير مصروفٍ [1] ؛ للعلميَّة والتَّأنيث؛ وهم حيٌّ من الأزد، (قَتَلُوا رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ بِقَتِيلٍ مِنْهُمْ قَتَلُوهُ)، في السِّيرة: أنَّ خراش بن أميَّة الخزاعيَّ قتل جندب بن الأقرع الهذليَّ بقتيلٍ قُتِل في الجاهليَّة يُقال له: أحمرُ، وعلى هذا فيكون قوله: «أنَّ خزاعة قتلوا»؛ أي: واحدًا منهم، فأُطلِقَ عليه اسم «الحيِّ» مجازًا، (فَأُخْبِرَ) بضمِّ الهمزة، وكسر المُوحَّدة (بِذَلِكَ النَّبِيُّ) بالرَّفع نائبٌ عنِ الفاعل، (صلى الله عليه وسلم، فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ)؛ النَّاقة التي تصلح أن يُرحَل عليها، (فَخَطَبَ) رسول الله صلى الله عليه وسلم، (فَقَالَ: إِنَّ اللهَ) عزَّ وجلَّ (حَبَسَ)؛ أي: منع (عَنْ مَكَّةَ الْقَتْلَ) بالقاف المفتوحة، والمُثنَّاة الفوقيَّة (أَوِ الْفِيلَ)؛ بالفاء المكسورة، والمُثنَّاة التَّحتيَّة: الحيوان المشهور، (شَكَّ أَبُو عَبْدِ اللهِ)؛ أي البخاريّ، وسقط قوله: ((شَكَّ أبو عبد الله)) عند أبي ذَرٍّ وابن عساكر والأَصيليِّ، وللأربعة: ((قال أبو عبد الله: كذا قال أبو نُعيمٍ))؛ هو الفضل بن دُكَينٍ، وأراد به أنَّ الشَّكَّ فيه من شيخه [2] ، ((واجعلوا))؛ بصيغة الأمر، وللأَصيليِّ: ((واجعلوه))؛ بضمير النَّصب؛ أي: اجعلوا اللَّفظ ((على الشَّكِّ: الفيل _بالفاء_ أوِ القتل _بالقاف_، [/ج1ص203/]

_وغيره))؛ أي: غير أبي نُعيمٍ ممَّن رواه عن الشَّيبانيِّ رفيقًا لأبي نُعيمٍ؛ وهو عبيد الله بن موسى، ومن رواه عن يحيى رفيقًا لشيبان، وهو حرب بن شدَّادٍ، كما سيأتي _إن شاء الله تعالى_ في «الدِّيات» [خ¦6880] _، ((يقول: الفيل)) _بالفاء_ من غير شَكٍّ، والمُرَاد بـ: «حبس الفيل»: أهل الفيل الذين غزَوا مكَّة، فمنعها الله تعالى منهم؛ كما أشار إليه تعالى في القرآن، وهذا [3] تصريحٌ من المصنِّف بأنَّ الجمهور على رواية «الفيل»؛ بالفاء، وفي بعض النُّسخ ممَّا ليس في «اليونينيَّة» [4] : ((إنَّ الله حبس عن مكَّة القتل أو الفيل؛ كذا قال أبو نُعيمٍ، واجعلوا على الشَّكِّ: القتل أو الفيل))، وفي روايةٍ: ((قال محمَّد))؛ أي: البخاريَّ: ((وجعلوه))؛ أي: الرُّواة ((على الشَّكِّ، كذا قال أبو نُعيم: الفيل أو القتل))، وقال البرماويُّ كالكرمانيِّ: ((الفتك))؛ بالفاء والكاف؛ أي: سفك الدَّم على غفلةٍ؛ أي: بدل القتل، ووجهه ظاهرٌ، لكن لا أعلمه رُوِيَ كذلك، ولا يبعد أن يكون تصحيفًا، ثمَّ عطف على السَّابق قوله: (وَسُلِّطَ عَلَيْهِمْ) بضمِّ السِّين بالبناء للمفعول، (رَسُولُ اللهِ) نائبٌ عنِ الفاعل، (صلى الله عليه وسلم وَالْمُؤْمِنونَ)؛ رُفِعَ بالواو، عطفٌ عليه، كذا في رواية أبي ذَرٍّ، ولغيره: ((وسَلَّط))؛ بفتح السِّين؛ أي: الله ((عليهم رسولَ الله)): مفعوله، ((والمؤمنين))؛ نُصِبَ بالياء، عطفٌ عليه، (أَلَا)؛ بفتح الهمزة مع [5] تخفيف اللَّام، إنَّ الله قد حبس عنها، (وَإِنَّهَا) ولأبي ذَرٍّ: ((فإنَّها)) بالفاء (لَمْ تَحِلَّ) بفتح أوَّله، وكسر ثانيه (لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَا تَحِلُّ)، بضمِّ اللَّام، وفي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((ولم تحلَّ)) (لأَحَدٍ بَعْدِي)، واستُشكِلت هذه الرِّواية؛ فإنَّ «لم» تقلبُ المضارع ماضيًا، ولفظ «بعدي» للاستقبال، فكيف يجتمعان؟ وأُجِيب: بأنَّ المعنى: لم يحكم الله في الماضي بالحلِّ في المُستقبَل، (أَلَا) بالتَّخفيف مع الفتح أيضًا (وَإِنَّهَا)؛ بالعطف على مُقدَّرٍ كالسَّابقة، (حَلَّتْ [6] لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، أَلَا) بالتخفيف أيضًا (وَإِنَّهَا) بواو العطف كذلك (سَاعَتِي)؛ أي: في ساعتي (هَذِهِ) التي أتكلَّم فيها بعد الفتح، (حَرَامٌ)؛ بالرَّفع على الخبريَّة؛ لقوله: إنَّها؛ أي: مكَّة، واستُشكِل: بكون «مكَّةَ» مُؤنَّثَةٌ، فلا تَطابقَ بين المُبتدَأ والخبر المذكور، وأُجِيب: بأنَّه مصدرٌ في الأصل، يستوي فيه التَّذكير والتَّأنيث، والإفراد والجمع، (لَا يُخْتَلَى)؛ بضمِّ أوَّله وبالمُعجَمَة؛ أي [7] : لا يُقطَع ولا يُجَزُّ (شَوْكُهَا) إلَّا المؤذي؛ كالعوسج، واليابس؛ كالحيوان المؤذي والصَّيد الميت [8] ، (وَلَا يُعْضَدُ)؛ بضمِّ أوَّله، وفتح ثالثه المُعجَم؛ أي [9] : لا يُقطَع (شَجَرُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ) [10] بالبناء للمفعول (سَاقِطَتُهَا)؛ أي: ما سقط فيها بغفلة مالكه (إِلَّا لِمُنْشِدٍ)؛ أي: معرِّفٍ، فليس لواجدها غير التَّعريف، ولا يملكها، هذا مذهبنا، كذا في «الأصل»، (فَمَنْ قُتِلَ)؛ بضمِّ أوَّله وكسر ثانيه؛ أي: قُتِلَ له قتيلٌ، كما في «الدِّيات» عند المصنِّف [خ¦6880] ؛ (فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ)؛ أي: أفضلهما، ولغير الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((بخيرٍ))؛ بالتَّنوين، وإسقاط: ((النَّظرين))، وفي نسخة الصَّغَّانيِّ: ((فمن قُتِلَ له قتيلٌ))، وصُحِّح على قوله: «له قتيلٌ» [11] ، كذا قدَّر المحذوف هنا الحافظ ابن حجرٍ كالخطَّابيِّ، وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّه يلزم منه حذف الفاعل، وقال البرماويُّ: أي: المستحقُّ لِدِيَتِه مخيَّرٌ [12] ، وهو معنى قول البدر الدَّمامينيِّ: يمكن جعل الضَّمير من قوله: «فهو» عائدًا إلى الوليِّ المفهوم من السِّياق، وقال العينيُّ: التَّحقيق: أن يُقدَّر فيه مُبتدَأٌ محذوفٌ، وحذفه سائغٌ، والتَّقدير: فمن أهله قُتِلَ؛ فهو بخير النَّظرين، فـ: «مَنْ»: مبتدأٌ، و«أهلُه قُتِلَ»: جملةٌ من المُبتدَأ والخبر وقعت صلةً للموصول، وقوله: «فهو»: مُبتدَأٌ، وقوله: «بخير النَّظرين» خبره، والجملة خبر المبتدأ الأوَّل، والضَّمير في «قُتِلَ» يرجع إلى «الأهل» المُقدَّر، وقوله: «هو» يرجع إلى «مَنْ»، و«الباء» في «بخير النَّظرين» مُتعلِّقٌ بمحذوفٍ تقديره: فهو مرضيٌّ بخير النَّظرين، أو عاملٌ أو مأمورٌ، (إِمَّا أَنْ يُعْقَلَ وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ)؛ أي: يُمكَّن (أَهْلُ الْقَتِيلِ) من القتل [13] ، يُقَال: أقدت القاتل بالمقتول؛ أي: اقتصصته منه، فالنَّائب عن الفاعل ضميرٌ [14] فيه يعود للمفعول؛ أي: يُؤخَذ له القَوَدُ أو نحو ذلك، وبهذا يزول الإشكال؛ إذ لولا التَّقدير؛ كان المعنى: وإمَّا أن يُقتَل أهل القتيل، وهو باطلٌ، قال الدَّمامينيُّ: ولعل معنى «يُقَاد»: يُمكَّن من القَوَد؛ وهو القتل؛ أي: وإمَّا أن يُمكَّن أهلُ القتيل مِنَ القَوَد، فيستقيم المعنى [15] ، والفعلان مبنيَّان للمفعول، وهمزة «إمَّا» التَّفصيليَّة مكسورةٌ، و«أنِ» المصدريَّة مفتوحةٌ في الأربعة، (فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ)؛ هو أبو شَاهٍ؛ بشينٍ مُعجَمَةٍ، وهاءٍ منوَّنةٍ، كما في «فتح الباري»، (فَقَالَ: اكْتُبْ لِي)؛ أي: الخطبة التي سمعتها منك (يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم: (اكْتُبُوا لأَبِي [/ج1ص204/] [/ج1ص205/] فُلَانٍ)؛ أي: لأبي شَاهٍ، (فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ)؛ هو العبَّاس بن عبد المُطَّلِب: قل يا رسول الله: «لا يُختلَى شوكُها ولا يُعضَدُ شجرُها»، (إِلَّا الإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللهِ)؛ بكسر الهمزة، وسكون الذَّال، وكسر الخاء المُعجَمَتين؛ وهو نبتٌ معروفٌ طيِّب الرَّائحة، ويجوز فيه: الرَّفع على البدل من السَّابق، والنَّصب على الاستثناء؛ لكونه واقعًا بعد النَّفي، (فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا) للسَّقف فوق الخشب، أو يخلط بالطِّين؛ لئلَّا ينشقَّ [16] إذا بُنِيَ به، (وَقُبُورِنَا)؛ نسدُّ به فُرَجَ اللَّحد المتخلِّلة بين اللَّبِنَات، (فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) بوحيٍ في الحال أو قبل ذلك، أو أنَّه إن طلب منه أحدٌ استثناء شيءٍ منه فاستثنه (إِلَّا الإِذْخِرَ) وللأَصيليِّ [17] : ((إلَّا الإِذْخِرَ _مرَّتين_))، فتكون الثَّانية للتَّأكيد، وفي «فرع اليونينيَّة» هنا زيادةٌ؛ وهي: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ)؛ أي: البخاريّ: (يُقَالُ: يُقَادُ؛ بِالْقَافِ، فَقِيلَ لأَبِي عَبْدِ اللهِ: أَيُّ شَيْءٍ كَتَبَ لَهُ؟ قَالَ [18] : كَتَبَ لَهُ هَذِهِ الْخُطْبَةَ)، وليس هذا التَّفسير عند أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وأبي الوقت وابن عساكر.

[1] (ب) و(س): «منصرف».
[2] قوله: «وأراد به أنَّ الشَّكَّ فيه من شيخه»، سقط من (د).
[3] في (د): «وهو».
[4] قوله: «ممَّا ليس في «اليونينيَّة»»، سقط من (ص).
[5] في (ب) و(س): «و».
[6] في (ب) و(س): «أحلت».
[7] في (ص): «إذ».
[8] «والصَّيد الميت»: سقط من (م).
[9] في (ص): «الذي».
[10] في (ص) و(م): «يلتقط»، وهو خطأ.
[11] قوله: «ولغير الكُشْمِيْهَنِيِّ: «بخيرٍ»... وصُحِّح على قوله: «له قتيلٌ»»، سقط من (د).
[12] في (ب) و(س): «بخير»، وفي (د): «بخير النَّظرين».
[13] في (م): «القاتل».
[14] زيد في (م): «فيه».
[15] قوله: «قال الدَّمامينيُّ: ولعل معنى... فيستقيم المعنى»، سقط من (د) و(ص).
[16] في (ص) و(م): «يتشقَّق».
[17] قوله: «بوحيٍ في الحال أو قبل ذلك... فاستثنه (إِلَّا الإِذْخِرَ) وللأَصيليِّ»، سقط من (ص).
[18] في (ب) و(س): «فقال».





112- (وَسلطَ): بالبناءِ للفاعل، أو المفعولِ.

(وَالمُؤْمِنُونَ): بالواو، فإِنْ بُنِيَ (سُلِّطَ) للمفعول؛ فهو عطفٌ على نائبِ الفاعل، وإلَّا؛ فمبتدأٌ؛ أي: والمؤمنونُ كذلك.

(أَلَا وَإِنَّهَا): (أَلَا) لها صدرُ الكلام، والمناسبُ أنْ يُقالَ بدونِ الواو؛ نحو: {أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ المُفْسِدُونَ} [البقرة: 12] ، لكنَّه هو عطفٌ على مقدَّرٍ؛ أي: أَلَا إِنَّ اللهَ حَبَسَ عنها... وإنَّها لم تحِلَّ لأحدٍ.

(سَاعَتِي هَذِهِ): [أي: في ساعتي التي أتكلَّمُ فيها، وهي بعدَ الفتح] .

(حَرَامٌ): خبرٌ لقوله: (إِنَّهَا).

إنْ قلتَ: ما بالُ الخبرِ ليس مطابقًا للمبتدأ؟

قلتُ: لفظُ (حَرَامٌ) وإنْ كان في الأصل صفةً مشبَّهةً، لكنَّه اضمحلَّت [1] وَصْفِيَّتُه؛ لغلبةِ الاسميَّة عليه، فتساوى التَّذكيرُ والتَّأنيثُ فيه، أو أنَّه مصدرٌ يستوي فيه التَّذكيرُ والتَّأنيثُ، والتَّثنيةُ والجمعُ.

تنبيه: قولُه: (لَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي) في بعض النُّسخ: (لَمْ تَحِلَّ)، وهو مشكلٌ؛ لأنَّ (لَمْ) تقلبُ إلى المُضِيِّ؛ فهو تباينٌ بعيدٌ إلَّا أنْ يؤوَّلَ بأنَّه لم يحكمِ اللهُ في الماضي أنْ تحِلَّ في المستقبل.

(يُقَادَ): بالبناءِ للمفعول، يُقال: أقدتُ القاتلَ بالمقتول، فالنَّائبُ عن الفاعل ضميرٌ يعودُ للمقتول؛ أي: يؤخذُ له القودُ.

(أَهْلُ): بالرَّفعِ، فيه تنازعُ الفعلين (يُعْقَلَ) و (يُقَادَ).

(إِلَّا الْإِذْخِرَ): يجوزُ رفعُه على البدل ممَّا قبلَه، ونصبُه على الاستثناء؛ لكونه واقعًا بعد النَّفي، قاله الزَّركشيُّ.

[1] في النسختين تبعًا لـ«الكواكب الدراري»: (اضمحل).





112- قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ): الفضل بن دُكَين، هو بضمِّ الدَّال المهملة، وفتح الكاف، ثمَّ مثنَّاة تحت ساكنة، ثم نون، ودُكَين لقب، واسمه عمرو بن حمَّاد، عنِ الأعمش، وزكريَّا بن أبي [1] زائدة، وأمم، وعنه: البخاريُّ، وعبد، وأبو زرعة، وأمم، مات سنة (219 هـ ) بالكوفة في سلخ شعبان، أخرج له الجماعة، له ترجمة في «الميزان» من جهة الاعتقاد، وقد تقدَّم أيضًا الكلام عليه.

قوله: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ [2] ): هذا هو ابن عبد الرَّحمن النَّحويُّ المؤدِّب، أبو معاوية مولى بني تميم البصريُّ، سمع الحسن، ويحيى بن أبي كثير، وعنه: ابن مهديٍّ، وعليُّ بن الجعْد، وكان صاحب حروف وقراءات، توفِّي سنة (164 هـ ) ، أخرج له الجماعة، والنحويُّ منسوب إلى قبيلة، قاله ابن الأثير في «لبابه»، [وفي «التَّذهيب»، و«أصله»، وهو نحو بن شمس؛ بطن من الأزد، قاله أبو أحمد العسكريُّ، وفي «التذهيب» أيضًا للذَّهبيِّ في ترجمة شيبان هذا: (قال ابن أبي داود وغيره: إنَّ المنسوب إلى القبيلة: يزيد بن أبي سعيد النحويُّ لا شيبان هذا) انتهى، وكذا في «الكاشف» كلام ابن أبي داود وغيرِه لا الأوَّل] [3] ، وشيبان مشهور ثقة، له ترجمة في «الميزان»، وصحَّح عليه.

قوله: (عَنْ يَحْيَى): هو ابن أبي كَثِير -بفتح الكاف، وكسر المثلَّثة- الإمام أبو نصر اليماميُّ، مولى طيِّئ، أحد الأعلام، عن أنس وجابر مرسلًا، وعن أبي سلمة، وعنه: هشام الدَّستوائيُّ، وهمَّام، قال أيوب: (ما بقي على وجه الأرض مثل يحيى بن أبي كثير) ، كان من العبَّاد العلماء [4] الأثبات، مات سنة (129 هـ ) ، أخرج له الجماعة، وهو كثير التَّدليس مكثر من الإرسال، له ترجمة في «الميزان».

قوله: (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ): تقدَّم أنَّه أحد الفقهاء السَّبعة على القول الأصحِّ، وتقدَّم أنَّ اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، وتقدَّم بعض ترجمته.

قوله: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ): تقدَّم مرارًا أنَّه عبد الرَّحمن بن صخر على الأصحِّ من نحو ثلاثين قولًا.

قوله: (أَنَّ خُزَاعَةَ): هو [5] حيٌّ معروف من الأزد، سمُّوا بذلك؛ لأنَّ الأزد لمَّا خرجت من مكَّة لتتفرق في البلاد تخلَّفت عنهم خزاعة، وأقامت بها [6] .

قوله: (قَتَلُوا رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ): قال شيخنا الشَّارح: (إنَّ المقتول كان في الجاهليَّة، فقتلوا هذا به) ، قال: (وعند ابن إسحاق: بقتيل منهم فقتلوه وهو مشرك، وذكر القصَّة: وهو أنَّ خراش بن أميَّة من خزاعة قتل ابن الأكوع [7] الهذليَّ وهو مشرك بقتيل في الجاهليَّة يقال له: أحمر، فقال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «يا معشر خزاعة؛ ارفعوا أيديكم عنِ القتل...»؛ الحديث) ، وكذا ذكره غيره عنِ ابن إسحاق، وسيأتي بأزيد من هذا في (الحجِّ) إن شاء الله.

قوله: (عَامَ فَتْحِ مكَّة): تقدَّم أنَّ الفتح كان في السَّنة الثَّامنة في رمضان، وتقدَّم ما وقع من كلام ابن عبَّاس في «صحيح البخاريِّ» في (غزوة الفتح) ، وتقدَّم متى كان من شهر رمضان، وتقدَّم أنَّه كان يوم الجمعة، وما وقع من أنَّه يوم الاثنين، كلُّ ذلك تقدَّم قريبًا؛ فانظره إن أردته.

قوله: (فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ [8] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): (أُخبِر): مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله، و (رسولُ): قائم مقام الفاعل، فهو مرفوع.

قوله: (فَرَكِبَ [9] رَاحِلَتَهُ): كان له عليه الصَّلاة والسَّلام ثلاث [10] نوق: العَضْباء، والقَصْواء، والجدعاء، وهل هنَّ ثلاث أو اثنتان أو واحدة؟ فيه خلاف (والذي يظهر لي أنَّهن اثنتان) [11] ، والله أعلم.

قوله: (إِنَّ اللهَ حَبَسَ عَنْ مكَّة الْفِيلَ أَوِ الْقَتْلَ): قال ابن قُرقُول: («وحبس عن مكَّة الفيل» [كذا لابن السَّكن] [12] في «باب لقطة مكَّة»، ولغيره: «القتل»؛ ذكره في الحديث الذي في «الحدود»، وفي «كتابة العلم» بالوجهين: قال البخاريُّ: «كذا قال أَبُو نعيم» على الشَّكِّ في ضبط الحرف بالوجهين، وكذا وقع عند الرُّواة كما كتبناه، ثم قال: «الفيل أو القتل»، فبيَّن ما أجمله، ومثله [13] لأبي ذرٍّ، ثمَّ قال: «وغيره يقول: الفيل»؛ يعني: من غير شكٍّ، وبالفاء رواه مسلم من غير خلاف عند كافَّة شيوخنا إلَّا أنَّه كان في كتاب التميميِّ بالوجهين في حديث إسحاق، قال القاضي: وهذا هو الوجه إن شاء الله تعالى؛ يعني: من أنَّه بالفاء، وخبر حبس الفيل مشهور، وقد قال في ناقته: «حبسها حابس الفيل») انتهى.

فائدة: الفيل المحبوس عن دخول مكَّة لحربها اسمه محمود.

[تنبيه: في أصلنا القاهريِّ: قال أَبُو عَبْد الله: كذا قال أَبُو نعيم، واجعلوا عَلَيَّ الشَّكَّ، فـ(عليَّ): جار ومجرور، و (الشَّكُّ): منصوب مفعول] [14] ، [وفي أصلنا أيضًا: (وغيره يقول: الفيل) ؛ يعني: غير أبي نعيم يقول: الفيل؛ يعني: بالفاء وبالمثنَّاة تحت؛ يعني: ولم يشكَّ] [15] ، [وفي أصلنا الدمشقيِّ: (شكَّ أَبُو عَبْد الله) ، فالشَّاكُّ في هذه النُّسخة هو البخاريُّ، والله أعلم] [16] .

قوله: (سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ): تقدَّم أنَّها من أوَّل النَّهار إلى العصر كما في «الأموال» لأبي عبيد، (وكذا في «مسند أحمد») [17] .

قوله: (لاَ يُخْتَلَى شَوْكُهَا [18] ): هو مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله، [و (شوكها): بالرَّفع قائم مقام الفاعل؛ أَيْ [19] : لا يُقطَع.

قوله: (وَلاَ يُعْضَدُ شَجَرُهَا): هو مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله] [20] ، و (شجرها): بالرَّفع قائم مقام الفاعل، ومعنى (يُعضَد): يُقطَع، وقد تقدَّم.

قوله: (وَلاَ تُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا [21] ): (تُلتقط): مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله، و (ساقطتُها) [22] : بالرَّفع قائم مقام الفاعل. [/ج1ص62/]

قوله: (إِلَّا لِمُنْشِدٍ): هو اسم فاعل؛ يعني: لقطة مكَّة، قيل: لمُعرِّف يعرِّف بها؛ أي: لا يحلُّ منها إلَّا إنشادها، وإن تمَّت السَّنة عنده بخلاف غيرها، وقيل: المُنشِد ههنا الطَّالب.

وحَكى الحربيُّ بين أهل اللُّغة اختلافًا في النَّاشد والمنشد؛ منهم من يقول كما تقدَّم، ومنهم من يعكس ذلك، ولكلٍّ حجَّة من الحديث والشِّعر، قاله ابن قُرقُول، وقال ابن الأثير في «نهايته»: (يقال: نشدت الضَّالة، فأنا ناشد؛ إذا طلبتها، وأنشدتها، فأنا مُنشِد؛ إذا عرَّفتها) .

قوله: (بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ [23] ): أي: خير الأمرين؛ يعني: القصاص أو الدِّية أيَّهما اختار؛ كان له، وهو معنى قوله: (إِمَّا أَنْ يُعْقَلَ، وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ الْقَتِيلِ) .

قوله: (فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ): سيأتي أنَّه أَبُو شاهٍ، ولا يُعرَف اسمُه، وهو بالهاء درجًا ووقفًا، وهذا لا خلاف فيه كما قاله النَّوويُّ، وقال شيخنا الشَّارح في (الدِّيات): وخطَّأ السِّلَفيُّ الحافظ في «فضل الفرس» تأليفه من قاله بالتَّاء، وقال: (إنَّه من فرسان الفرس من المرسولين من قبيل كسرى إلى اليمن) انتهى، قال شيخنا الشَّارح: (وعن ابن دحية: أنَّه بالتَّاء منصوبًا) انتهى، وفي «المطالع»: (مصروفًا، ضبطته وقرأته أنا معرفة ونكرة) انتهى، وقد تقدَّم أنَّ النَّوويَّ قال: (إنَّه بالهاء درجًا ووقفًا) ، وهذا لا خلاف فيه، وزاد: (ولا يُعتبَر بكثرة من يصحِّفه ممَّن لا يأخذ العلم على وجهه ومن مظانِّه) ، وقدَّمت ما قاله شيخنا عنِ السِّلَفيِّ.

قوله: (فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ): هذا الرَّجل المبهم هو العبَّاس بن عبد المطَّلب، كما جاء في رواية أخرى في «الصَّحيح» انتهى.

وقال ابن شيخنا البلقينيِّ بعد أن ذكر أنَّه العبَّاس: (وفي «مصنَّف ابن أبي شيبة»: أنَّ القائل: «إلَّا الإذخر»: اسمه شاه، وفي «أسد الغابة» في «الميم»: أنَّ اسمه ميناء؛ بميم بعدها [24] مثنَّاة تحت، ثمَّ نون، أخرجه أَبُو موسى، وقال: ولعلَّه تصحيف) انتهى.

وفي «تجريد الذَّهبيِّ»: (شاه) ، والصَّحيح: أَبُو شاه الذي قال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «اكتبوا لأبي شاه».

قوله: (إِلاَّ الإِذْخِرَ): هو -بكسر الهمزة، ثمَّ ذال [25] ساكنة، ثمَّ خاء [26] مكسورة معجمتين [27] ، ثمَّ راء- نبت طيِّب الرِّيح، يضيف إليه أهلُ مكَّة شيئًا آخر، ويغسلون به أيديهم عوض الأشنان، وكذا رأيته [28] بالمدينة المشرَّفة، وغسلت به يديَّ بعد الطَّعام.

[1] (أبي): ليس في (ب) .
[2] في هامش (ق): (شيبان بن معاوية بن عبد الرحمن النحوي المؤدب البصري، مات ببغداد سنة أربع وستين ومئة في خلافة المهدي، النحوي هذا: نسبة إلى قبيلة؛ وهم ولد النحو بن شمس بن عمرو بن غنم بن غالب بن عثمان بن نصر بن زادان، وليس في هذه القبيلة من يروي الحديث سوى شيبان هذا ويزيد بن أبي سعيد، روى له مسلم وأبو داود، وأمَّا ما عداهما؛ فنسبة إلى النحو علم العربية؛ كأبي عمرو بن العلاء النحوي وغيره) .
[3] ما بين معقوفين ليس في (ج) .
[4] في (ج): (والعلماء) .
[5] في (ج): (هي) .
[6] (بها): ليس في (ب) .
[7] في النسخ: (الأثوع) ، والمثبت موافق لما في «التوضيح» (3/*) .
[8] في «اليونينيَّة»: (النبي) .
[9] (فركب): ليس في (ب) .
[10] (ثلاث): ليس في (ج) .
[11] ما بين قوسين ليس في (ب) و (ج) .
[12] ما بين معقوفين ليس في النسخ، وهو مستفاد من «مطالع الأنوار» (*) .
[13] في النسخ: (ومنه) ، والمثبت من «المطالع».
[14] ما بين معقوفين سقط من (ج) ، وزيد في (ب): (سواها) .
[15] ما بين معقوفين سقط من (ب) و (ج) .
[16] ما بين معقوفين سقط من (ج) .
[17] ما بين قوسين ليس في (ب) و (ج) .
[18] في (ب): (شجرها) .
[19] (أي): ليس في (ج) .
[20] ما بين معقوفين ليس في (ب) .
[21] في (ج): (ساقطها) .
[22] في (ج): (وساقطها) .
[23] في (ج): (النَّظر) .
[24] في (أ) و (ب): (بعد) .
[25] زيد في (ب): (معجمة) .
[26] زيد في (ب): (معجمة) .
[27] (معجمتين): ليس في (ب) .
[28] في (ج): (رأيت) .





112- ( الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ ) بدال مهملة مضمومة. [/ج1ص74/]

( الْفِيلَ أَوِ الْقَتْلَ، وغيره يقول: الفيل ) هذا من البخاري تصريح بأن الجمهور على الفيل بالفاء، قيل: وهو الصواب، والمراد بحبس الفيل أهل الفيل، أو حَبْسِه نفسِه كما في قصَّته.

( لا يُختلى خلاها ) الخلا: الحشيش اليابس.

( إِلَّا لِمُنْشِدٍ )؛ أي: إلا لمعرِّف في قول أبي عبيد والشافعي.

( فَمَنْ قُتِلَ ) كذا رواه هنا وهو مختصر، والصواب ما رواه في الديات: «من قتل له قتيل» بزيادة: «له قتيل».

( إِمَّا أَنْ يُعْقَلَ ) بضم أوله وفتح ثالثه.

( وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ ) بالقاف أي: يقتل، وفي رواية لمسلم: «يفادَى»، والأول أصوب؛ لأن الفداء والعقل واحد.

( اكْتُبُوا لأَبِي فُلاَنٍ ) هو أبو شاه، بهاء في الدَّرْج والوَقف.

( فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ ) هو العباس.

( إِلَّا الإِذْخِرَ ) يجوز رفعه على البدل مما قبله، ونصبه على الاستثناء لكونه واقعًا بعد النفي.


112- ( دُكَيْنٍ ): بضمِّ الدَّال المهملة.

( وَغَيْرهُ ) أي: ممَّن رواه عن شيبان كعبيد الله بن موسى، أو عن يحيى كحرب بن شدَّاد.

( يَقُوْلُ الْفِيلَ ): بالفاء، والمراد: حبس أهله لمـَّا قدموا به مكَّة لغزوها، وإرسال الأبابيل عليهم مع كون أهلها إذ ذاك كفَّارًا، فحرمة أهلها بعد الإسلام آكد.

( وَسُلِّطَ ): بضمِّ أوَّله ورفع ( رسوله والمؤمنون ).

( وَلاَ تَحِلُّ ) للكُشْمِيهنيِّ: «ولم»، وفي اللُّقطة: «ولن». [خ:2434]

( لاَ يُخْتَلى ): بالخاء المعجمة: لا يحصد.

( شَوْكُهَا ) ذكره للدَّلالة على منع غيره بطريق الأَولى.

( إِلاَّ لِمُنْشِدٍ ) أي: مُعرِّف.

( فَمَنْ قُتِلَ ) زاد في الدِّيات: «له قتيل». [خ:6880]

( يُعْقَلَ ): بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه: يُودِي.

( يُقَادَ ): بالقاف، أي: يقتصَّ، ولمسلم: «إمَّا أن يقتل وإمَّا أن يفادي».

( فَجَاءَ رَجُلٌ ): هو أبو شاهٍ، بهاء منوَّنة.

( فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ ): هو العبَّاس بن عبد المطلب.

( إِلَّا الإِذْخِرَ ): بالنَّصب، ويجوز رفعه بدلًا، وذاله معجمة: نبت طيِّب الرِّيح له أصلٌ مُندفن، وقضبان دقاق ينبت في السَّهل والحَزْن، وأهل مكَّة يسقِفون به البيوت بين الخشب، ويسدُّون به الخلل بين اللَّبنات في القبور، ويستعملونه بدلًا من الحلفاء في الوقود. [/ج1ص273/]


112- وبه قال: ((حدثنا أبو نُعيم)) ؛ بضم النون ((الفضل بن دُكَين)) ؛ بضم الدال المهملة وفتح الكاف ((قال: حدثنا شَيْبان)) ؛ بفتح المعجمة، وسكون التحتية، بعدها موحدة: ابن عبد الرحمن أبو معاوية النحوي البصري الثقة، المتوفى ببغداد سنة أربع وستين ومئة في خلافة المهدي، ((عن يحيى)) : بن أبي كثير صالح بن المتوكل الطائي مولاهم، المتوفى سنة تسع وعشرين، أو اثنين وثلاثين ومئة، ((عن أبي سلَمة)) ؛ بفتح اللام: عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، ((عن أبي هريرة)) : عبد الرحمن بن صخر، وللمؤلف في (الديات) : (حدثنا أبو سلمة قال: حدثنا أبو هريرة) : ((أنَّ)) ؛ بفتح الهمزة وتشديد النون ((خُزاعة)) ؛ بضم الخاء المعجمة بعدها زاي: حي من الأزد، منصوب اسم (أنَ) ، ممنوع من الصرف؛ للعلمية والتأنيث.

وقوله: ((قتلوا رجلًا)) : جملة من الفعل والفاعل والمفعول، محلها الرفع خبر (أنَّ) ((من بني ليث)) : قبيلة ((عامَ)) ؛ بالنصب على الظرفية ((فتح مكة)) : ممنوعة من الصرف؛ للعلمية والتأنيث ((بقتيل)) : الباء للسببية؛ أي: بسبب قتيل ((منهم)) : من خزاعة ((قتلوه)) ؛ أي: قتل بنو ليث ذلك الخزاعي، وفي «السيرة» لابن إسحاق: أن خراش بن أمية من خزاعة قتل ابن الأقرع الهذلي وهو مشرك بقتيل قتل في الجاهلية يقال له: أحمر، فقال عليه السلام: «يا معشر خزاعة؛ ارفعوا أيديكم عن القتل، فمن قتل بعد مقامي هذا؛ فأهله بخير النظرين»، وذكر الحديث، قال بعضهم: فعلى هذا يكون قوله: (أن خزاعة قتلوا) ؛ أي: واحدًا منهم، فأطلق عليه اسم الحي مجازًا؛ فتأمل.

((فأُخبِر)) ؛ بضم الهمزة وكسر الموحدة على صيغة المجهول ((بذلك النبي)) الأعظم؛ بالرفع مفعول نائب عن الفاعل ((صلى الله عليه وسلم فركب راحلته)) ؛ أي: الناقة التي تصلح لأن يرحل عليها، والهاء فيه للمبالغة، ((فخطب)) ؛ أي: النبي الأعظم عليه السلام، ((فقال)) في خطبته، والفاء للتفسير: ((إنَّ الله)) عز وجل، اسم (إن) ((حبس)) ؛ أي: منع ((عن مكة القَتلَ)) ؛ بالقاف المفتوحة والمثناة الفوقية، بالنصب مفعول (حبس) ((أو الفِيْل)) ؛ بالفاء المكسورة وسكون التحتية: الحيوان المشهور الذي ذكره الله تعالى بقوله: {ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل} [الفيل: 1] السورة، فأرسل الله على أصحابه {طَيْرًاأَبَابِيلَ تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ} [الفيل: 3،4] حين وصلوا إلى بطن الوادي بالقرب من مكة، فالمراد من حبس الفيل: أهل الفيل.

وأشار بذلك إلى القصَّة للحبشة في غزوهم مكة ومعهم الفيل فمنعها الله منهم، وسلَّط عليهم الأبابيل مع أنَّ أهل مكة إذ ذاك كانوا كفَّارًا، فحرمة أهلها بعد الإسلام آكد، لكن غزو النبي الأعظم عليه السلام إيَّاها مخصوص به على ظاهر هذا الحديث وغيره، كما في «عمدة القاري».

((شكَّ أبو عبد الله)) : المؤلف، وفي رواية: هي ساقطة، وفي أخرى: (قال أبو عبد الله: كذا قال أبو نعيم) ، وأراد أن الشكَّ فيه من شيخه، (واجعلوا) ؛ بصيغة الأمر، وللأصيلي: (واجعلوه) ؛ بضمير النصب؛ أي: اجعلوا اللفظ على الشكِّ، (الفيل) ؛ بالفاء، أو (القتل) ؛ بالقاف، وفي (الديات) عند المؤلف: (الفيل) ؛ بالفاء من غير شكٍّ، وقال الكرماني: (الفتك) بدل (القتل) بالفاء المثناة فوق أي سفك الدم على غفلة قال في «عمدة القاري» (ووجهه ظاهر، لكن لا أعلم أنه روي كذلك) اهـ .

((وسُلِّط عليهم)) ؛ بضم السين على صيغة المجهول ((رسول الله)) : مفعول ناب عن الفاعل ((صلى الله عليه وسلم والمؤمنون)) : رفع بالواو عطف عليه، وفي رواية: (وسَلَّط) ؛ بفتح السين بصيغة المعلوم، وفيه ضمير يرجع إلى الله وهو فاعله، و (رسول الله) : مفعوله، و (المؤمنين) : منصوب بالياء عطف عليه.

((أَلا)) ؛ بفتح الهمزة وتخفيف اللام، للتنبيه، فيدل على تحقق ما بعدها أن الله حبس عنها، ((وإنَّها)) : ولأبي ذر: (فإنَّها) ؛ بالفاء عطف على مقدر؛ لأنَّ (أَلا) لها صدر الكلام، والمقتضى أن يقال: أَلا إنَّها؛ بدون الواو، كما في قوله تعالى: {أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ المُفْسِدُونَ} [البقرة: 12] ؛ والتقدير: أَلا[/ص69/] إنَّ الله حبس عنها، وإنَّها ((لم تَحِل)) بفتح أوله وكسر ثانيه ((لأحد قبلي، ولا تحلُّ)) ؛ بضم اللام، وفي رواية: (ولم تحل) ، وفي أخرى: (ولن تحل) ، وهي أليق بالمستقبل ((لأحد بعدي)) ومعنى حلال مكة: حلال القتال فيها، ومن القواعد: أَنَّ (لم) تقلب المضارع ماضيًا، ولفظ (بعدي) للاستقبال، فكيف يجتمعان؟

أجاب في «عمدة القاري»: بأن معناه: لم يحكم الله في الماضي بالحل في المستقبل.

((ألا)) بفتح الهمزة وتخفيف اللام؛ للتنبيه ((وإنَّها)) عطف على مقدر كما سبق ((أحلت لي ساعة)) أي: في ساعة ((من نهار)) : من طلوع الشمس إلى العصر، كما مر عند أحمد، ((أَلا)) ؛ بالفتح والتخفيف ((وإنَّها) ؛ بالعطف على مقدر؛ كالسابقة ((ساعتي)) أي: في ساعتي ((هذه)) ؛ أي: التي أتكلم فيها بعد الفتح.

قال الحافظ أبو جعفر الطحاوي: الذي أُحلَّ له عليه السلام وخصَّ به دخوله مكة بغير إحرام، ولا يجوز لأحد يدخله بعده عليه السلام بغير إحرام، وهو قول ابن عباس، والقاسم، والحسن البصري، وهو قول الإمام الأعظم، وصاحبيه، ومالك، والشافعي، وقال الطبري: الذي أُحلَّ له عليه السلام قتال أهلها ومحاربتهم، ولا يحلُّ لأحد بعده عليه السلام.

((حرام)) مرفوع؛ لأنَّه خبر لقوله: (إنَّها) ، لا يقال: إنَّه ليس بمطابق للمبتدأ، والمطابقة شرط؛ لأنَّا نقول: إنه مصدر في الأصل، فيستوي فيه التذكير والتأنيث، والإفراد والجمع، أو هو صفة مشبهة، ولكن وصفيَّته زالت؛ لغلبة الاسمية عليه، فتساوى فيه التذكير والتأنيث، كذا في «عمدة القاري».

((لا يُختلى)) بضم أوله بصيغة المجهول؛ أي: لا يُجزُّ ولا يُقطع، وفي رواية: (لا يعضد) ، وفي أخرى: (لا يخبط) ((شوكها)) وفي رواية: (خلاها) ، والخلى؛ بالقصر: الرطب من الحشيش، ومعنى الجميع متقارب، وهذا دالٌّ على منع قطع الأشجار بالأولى.

ويستثنى من الشوك المؤذي؛ كالعوسج؛ فلا بأس بقطعه؛ كالحيوان المؤذي، وكذا لا بأس بقطع اليابس؛ كما في الصيد الميت؛ لأنَّه حطب، فيجوز الانتفاع به، وكذا المنكسر؛ لعدم النماء، أو ذهب بحفر كانون، أو ضرب فسطاط؛ لعدم إمكان الاحتراز عنه، وكذا ما لو ذهب بمشيه أو مشي دوابِّه؛ لعدم الاحتراز عنه.

((ولا يُعضَد)) ؛ بضم أوله وفتح الضاد المعجمة بصيغة المجهول؛ أي: لا يقطع ((شجرها)) وهو اسم للقائم الذي بحيث ينمو، فإذا جفَّ؛ فهو حطب، وأشار بالقطع إلى أنه ليس في المقلوع ضمان، وإلى أنه يملكه بأداء الضمان كما في حقوق العباد، ويكره الانتفاع به بيعًا وغيره، ولا يكره للمشتري، والمراد بالحشيش والشجر الغيرُ المملوك؛ يعني: النابت بنفسه سواء كان مملوكًا [1] أو لا، حتى قالوا: لو نبت في ملكه أم غيلان فقطعها إنسان؛ فعليه قيمة لمالكها، وأخرى لحق الشرع، وكذا ليس من جنس ما ينبته الناس، فلو كان من جنسه؛ فلا شيء عليه؛ كالمقلوع والورق الذي لم يضر بالشجر، ولهذا حل قطع الشجر المثمر؛ لأنَّ إثماره أقيم مقام الإنبات، وقدمناه وسوف يأتي.

((ولا تُلتقط)) بضم أوله مبنيٌّ للمجهول ((ساقطتها [2] ) ) ؛ أي: ما سقط فيها بغفلة المالك، وأراد بها: اللقطة، وفي رواية: (ولا يحل لقطتها) ، والالتقاط: الأخذ من الأرض ((إلا لمنشد)) ؛ أي: لمعرِّف، وفي رواية: (ولا يلتقط لقطتها إلا من عرفها) ، وأصل الإنشاد: رفع الصوت، فالمنشد: المعرِّف، وأمَّا الطالب؛ فيقال له: ناشد، فاللقطة: أمانة إن أشهد أنه أخذها؛ ليردها على صاحبها وإن لم يضمن، ويكفي في الإشهاد قوله: [من] سمعتموه ينشد لقطة؛ فدلوه عليَّ، ويعرفها في مكان أخذها، وفي مجامع الناس مدة يغلب على ظنه عدم طلب صاحبها بعدها، وهو الصحيح، وعليه الفتوى.

وقال شمس الأئمة الحلواني: يكتفى عن التعريف بالإشهاد وبعد التعريف يتصدق بها إن شاء، فإن جاء ربها؛ فهو بالخيار إن شاء أجازه وثوابه له، وإن شاء ضمن الملتقط وضمن الفقير، وهذا كله إن كانت هالكة، فلو كانت قائمة؛ أخذها منه، وأيُّهما ضمن؛ لا يرجع على الآخر.

ولقطة الحل والحرم عندنا سواء، فلا فرق بين مكان ومكان، ولقطة ولقطة، وهذا مذهب إمامنا الإمام الأعظم، وأصحابه، ومالك، والجمهور؛ لإطلاق قوله عليه السلام: «اعرف عفاصها ووكاءها، وعرِّفها سنة»، كما قدمناه في باب (الغضب) في (الموعظة) ، وما في الباب لا يعارضه؛ لأنَّ معناه: أنَّه لا يحل إلَّا لمن يعرِّف ولا يحلِّ لنفسه، وتخصيص مكة حينئذ؛ لدفع توهم سقوط التعريف بها بسبب أن الظاهر أن ما وجد بها من لقطة؛ فالظاهر أنه للغرباء، وقد تفرَّقوا، فلا يفيد التعريف فيسقط، وتمامه في «فتح القدير».

وللملتقط أن ينتفع باللقطة بعد التعريف إن كان فقيرًا، وإن كان غنيًّا؛ تصدق بها على فقير، وكذا على أبويه أو ولده أو زوجته لو كانوا [3] فقراء، فإن كانت اللقطة حقيرة؛ كالنوى وقشور الرمان والسنبل بعد الحصاد؛ فينتفع بها بدون تعريف؛ لأنَّ تركها إباحة للآخذ دلالة، وللمالك أخذها، وفي شرح «النقاية» للقهستاني: أنَّه يملكها الآخذ على المختار، فليس للمالك أخذها منه، ولا يجب دفع اللقطة إلى مدِّعيها إلا ببينة، ويحل أن يبين [4] علامتها من غير جبر، كذا في «البحر» و«المنح» و«الدر» وغيرها.

وقال الشافعي: يجب تعريف لقطة الحرم؛ لحديث الباب.

قلنا: هذا لا يفيد؛ لأنَّ معنى قوله: (إلا لمنشد) ؛ أي: أنَّه يعرِّفها كما يعرِّفها في سائر البقاع حولًا كاملًا حتى يغلب على ظنه أنه إذا نادى عليها وقت الموسم؛ لا يظهر صاحبها، أو المراد لا تحل ألبتة، فكأنَّه قيل له: إلَّا لمنشد، فقال: إلَّا لمنشد؛ أي: لا يحل له منها إلَّا إنشادها، فيكون ذلك مما اختصت به مكة كما اختصت بأنَّها حرام، وأنه لا ينفر صيدها، وغيرهما، أو معناه المبالغة في التعريف؛ لأنَّ الحاج قد لا يعود إلا بعد أعوام فتدعو الضرورة لإطالة التعريف بخلاف غيرها من البلاد؛ لأنَّ الناس يتناوبون إلى مكة، أو معناه: أنه ليقطع وهم من يظن أنه يستغنى عن التعريف هنا؛ لأنَّ الغالب أن الحجاج إذا تفرقوا مشرقين ومغربين ومدت المطايا أعناقها؛ فيقول القائل: لا حاجة إلى التعريف، فذكر النبيُّ الأعظم عليه السلام أن التعريف فيها ثابت، كغيرها من البلاد، أو معناه: إلا من سمع ناشدًا يقول: من أضل كذا، فيجوز له أن يرفعها إذا رآها؛ ليردها على صاحبها، والله أعلم.

((فمن)) موصولة تتضمن معنى الشرط ((قُتل)) ؛ بضم أوله على صيغة المجهول؛ ((فهو بخير النظرين)) ؛ أي: أفضلهما، وفي رواية: (بخير) ؛ بالتنوين وإسقاط (النظرين) ، وهذا التركيب يحتاج إلى تقدير، فيقدَّر فيه مبتدأ محذوف، وحذفه سائغ شائع، والتقدير: فمن أهله قتل؛ فهو بخير النظرين، فـ (من) مبتدأ، و (أهله قتل) : جملة من المبتدأ والخبر صلة الموصول، وقوله: (فهو) مبتدأ، وقوله: (بخير النظرين) : خبره، والجملة خبر المبتدأ الأول والضمير في (قتل) يرجع إلى الأهل المقدر، وقوله: (هو) يرجع إلى (من) ، و (الباء) في قوله: (بخير النظرين) يتعلق بمحذوف تقديره: فهو مرضي بخير النظرين، أو عامل أو مأمور ونحوه، هذا هو التحقيق في هذا المقام، وما قاله ابن [حجر] كالخطابي، والبرماوي كالدماميني، فقد رده في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.

((إما)) بكسر الهمزة؛ للتفصيل ((أن)) بفتح الهمزة مصدرية ((يُعقل)) ؛ بضم أوله مبني للمفعول: من العقل وهو الدية؛ أي: يأخذونها [5] من القاتل، ((وإما)) بالكسر ((أن)) ؛ بالفتح ((يقاد)) : مبني للمفعول؛ أي: يقتصُّ ((أهل القتيل)) من القاتل، وفي رواية: (إما أن يقتل وإما أن يفاد) ؛ بالفاء: من المفاداة، وفي أخرى: إما أن يأخذوا العقل أو يقتلوا، ومذهب الإمام الأعظم وصاحبيه، والنخعي، والثوري، وابن ذكوان، وابن شبرمة، والحسن ابن حي: أن لوليِّ المقتول القتل أو العفو، وليس له الدية إلَّا برضا الجاني، وبه قال مالك، فقوله: (بخير النظرين) للقاتل إشارة إلى أن الرفق بالقاتل [6] مطلوب، حتى كان العفو مندوبًا إليه، ويجوز أن يكون المعنى: فهو بخير النظرين من رضا القاتل ورضا نفسه، فإن [كان] رضا القاتل خيرًا له وقد اختار الفداء؛ فله ذلك، وإن [كان] رضانفسه [7] بالاقتصاص خيرًا له؛ فله ذلك، وينبغي ألَّا يقف عند رضا نفسه ألبتة؛ لأنَّ القاتل باختيار الدية قد يكون خيرًا له، فيؤول وجوب الدية إلى رضا القاتل.

وقال الشافعي وأحمد: ولي القتيل بالخيار بين أخذ الدية وبين القتل، وليس له إجبار الجاني على أحدهما.

((فجاء رجل من أهل اليمن)) : هو أبو شاه؛ بشين معجمة وهاء بعد الألف، في الوقف والدرج، ولا يعرف اسمه، وإنما يعرف بكنيته، وهو كلبي يمني، كما في «عمدة القاري»، ((فقال: اكتب لي)) أي: الخطبة التي سمعتها منك ((يا رسول الله، فقال)) عليه السلام: ((اكتبوا لأبي[/ص70/] فلان)) أي: لأبي شاه، وفيه دليل على أنَّه عليه السلام لم يكتب بيده الشريفة، وهو قول الجمهور؛ لأنَّه أبلغ في المعجزة على الكفار، وفيه: دليل على جواز تسمية فلان لمن كان اسمه غيره وندائه وخطابه به، فيقال لمن اسمه حسن مثلًا: ياشيخ فلان أو يا أبا [8] فلان وغيرذلك؛ فليحفظ.

((فقال رجل من قُريش)) ؛ بضم القاف مشتق من القرش؛ دابة في البحر، وهو العباس بن عبد المطلب عمُّ النبيِّ الأعظم عليه السلام: قل يا رسول الله: لا يختلى شوكها، ولا يعضد شجرها ((إلا الإذْخِر)) ؛ بكسر الهمزة، وإسكان الذال، وكسر الخاء المعجمتين: نبت معروف طيب الرائحة ((يا رسول الله)) فهو استثناء منصوب على الاستثناء، ويجوز فيه البدل مما قبله؛ لكونه واقعًا بعد النفي، كما في «عمدة القاري»؛ ((فإنا نجعله في بيوتنا)) للسقف فوق الخشب، أو يخلط بالطين؛ لئلَّا ينشق إذا بني به ((وقبورنا)) نسدُّ به فرج اللَّحد المتخللة بين اللبنات، ((فقال النبيُّ)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم)) بوحي أوحي إليه في الحال أو قبل ذلك أو أنه إن طلب منه أحد استثناء شيء منه؛ فاستثنى: ((إلا الإذخر)) وللأصيلي: (إلا الإذخر) مرتين، فتكون الثانية تأكيدًا للأولى، وزاد في رواية هنا وهي: (قال أبو عبد الله) أي: المؤلف (يقال: يقاد؛ بالقاف، فقيل لأبي عبد الله: أي شيء كتب له؟ فقال: كتب له هذه الخطبة) وهي ثابتة في «مسلم»، قال الوليد-يعني: ابن مسلم راوي الحديث-: قلت للأوزاعي: ما قوله: اكتبوا لي يا رسول الله؟ قال: هذه الخطبة التي سمعها من النبيِّ عليه السلام.

وفي الحديث: دليل على استحباب قيام الخطيب على موضع عال حال الخطبة.

وفيه: دلالة أيضًا واضحة على أن مكة فتحت عنوة وأن التسليط الذي وقع للنبيِّ الأعظم عليه السلام مقابل بالحبس الذي وقع لأصحاب الفيل، وهو الحبس على القتال، وهو قول الإمام الأعظم، وأصحابه، والجمهور، خلافًا للشافعي، واستدل الأصوليُّون بالحديث على أن النبيَّ الأعظم عليه السلام كان متعبدًا باجتهاده فيما لا نصَّ فيه، قالوا: وهو الأصح، وبه قال الإمام أبو يوسف قاضي القضاة، والشافعي، وأحمد، ومنعه بعضهم وقالوا: إنه بالوحي.

[1] في الأصل: (مملولًا) ، وهو تحريف.
[2] في الأصل: (ساقطها)، وهو تحريف.
[3] في الأصل: (كان) ، وليس بصحيح.
[4] في الأصل: (بين) ، وهو تحريف.
[5] في الأصل: (يأخذوها)، ولعل المثبت هو الصواب.
[6] في الأصل: (للقاتل)، ولعل المثبت هو الصواب.
[7] في الأصل: (بنفسه)، ولعل المثبت هو الصواب.
[8] في الأصل: (أبو)، وليس بصحيح.