إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: نزل نبي من الأنبياء تحت شجرة فلدغته نملة

3319- وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: نَزَلَ نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ) عُزَيرٌ أو موسى (تَحْتَ شَجَرَةٍ فَلَدَغَتْهُ) بالدَّال المهملة والغين المعجمة، قرصته (نَمْلَةٌ) سُمِّيت نملةً [1] لتنمُّلها، وهو كثرة حركتها وقلَّة قوائمها (فَأَمَرَ بِجهَازِهِ) بفتح الجيم وكسرها، أي: بمتاعه (فَأُخْرِجَ مِنْ تَحْتِهَا) أي: من تحت الشَّجرة (ثُمَّ أَمَرَ بِبَيْتِهَا) أي: ببيت [2] النَّملة. وفي «الجهاد» [خ¦3019] من طريق الزُّهريِّ: بقرية النَّمل، أي: موضع اجتماعها (فَأُحْرِقَ بِالنَّارِ، فَأَوْحَى اللهُ) عَزَّ وَجَلَّ (إِلَيْهِ) أي [3]: إلى ذلك النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: (فَهَلَّا) أحرقت (نَمْلَةً وَاحِدَةً؟) وهي الَّتي قرصتك دون غيرها؛ إذ لم يقع منها ما يقتضي إحراقها، وقول النَّوويِّ: «ولعلَّه كان جائزًا في شريعة ذلك النَّبيِّ قتل النَّملة [4] والتَّعذيب بالنَّار» مُتعقَّبٌ بأنه: لوكان جائزًا لم يُعاتَب أصلًا ورأسًا. ولا يجوز عندنا قتل النَّمل لحديث ابن عبَّاسٍ المرويِّ في «السُّنن»: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل النَّملة والنَّحلة، لكن خصَّ الخطَّابيُّ النَّهي بالسُّليمانيِّ الكبير، أمَّا الصَّغير المسمَّى بالذَّرِّ فقتله جائزٌ، وكره مالكٌ قتل النَّمل إلَّا أن يضرَّ ولا يقدر على دفعه إلَّا بالقتل. وقال الدَّميريُّ: قوله: «هلَّا نملةً واحدةً [5]؟» دليلٌ على جواز قتل المؤذي. وكلُّ قتلٍ كان لنفعٍ أو دفع ضررٍ [6] فلا بأس به عند العلماء. ولم يخصَّ تلك النَّملة الَّتي لدغت من غيرها، لأنَّه ليس المراد القصاص لأنَّه لو أراده، لقال: هلَّا [7] نملتك الَّتي لَدَغَتْكَ، ولكن قال: هلَّا نملةً فكأنَّ [8] نملةً تعمُّ
ج5ص314
البريء والجاني، وقد ذُكِر أنَّ لهذه القصَّة سببًا، وهو أنَّ هذا النَّبيَّ مرَّ على قريةٍ أهلكها الله تعالى بذنوب أهلها، فوقف متعجِّبًا فقال: يا ربِّ، كان فيهم صبيانٌ ودوابٌّ ومن لم يقترف ذنبًا، ثمَّ نزل تحت شجرةٍ فجرت له هذه القصَّة، فنبَّهه الله عَزَّ وَجَلَّ على أنَّ الجنس المؤذي يُقتَل وإن لم يؤذِ، والحاصل: أنَّ العقوبة من الله عَزَّ وَجَلَّ تعمُّ فتصير رحمةً على المطيع وطهارةً له، وشرًّا [9] ونقمةً على العاصي.
«لطيفةٌ»: روى الدَّارقطنيُّ والحاكم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ممَّا ذكره في «حياة الحيوان»: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقتلوا النَّمل، فإنَّ سليمان عليه السلام خرج ذات يومٍ يستسقي [10] فإذا هو بنملةٍ مستلقيةٍ على قفاها رافعة قوائمها تقول: اللَّهمَّ إنَّا خلقٌ من خلقك، لا غنى لنا عن فضلك، اللَّهمَّ لا تؤاخذنا بذنوب عبادك الخاطئين، واسقنا مطرًا تنبت لنا [11] به شجرًا، وأطعمنا ثمرًا. فقال سليمان عليه السلام لقومه: ارجعوا فقد كُفِينا وسُقِيتم بغيركم».
ج5ص315


[1] «نملةً»: ليس في (ص)، وفي (م): «به».
[2] في (د1) و(ص) و(م): «بيت».
[3] «أي»: مثبتٌ من (م).
[4] في (س): «النَّمل».
[5] «واحدةً»: ليس في (د).
[6] في (د): «ضرٍّ».
[7] في غير (ب) و(س): «ألا»، وكذا في الموضع اللَّاحق.
[8] في (د): «لأنَّ».
[9] «وشرًّا»: ليس في (د).
[10] في (م): «ليستسقي».
[11] «لنا»: ليس في (د).