إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه: لا يتبعني رجل

3124- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) الهَمْدانيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ) عبدُ الله (عَنْ مَعْمَرٍ) هو ابن راشدٍ (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) بفتح الهاء وتشديد الميم، و«مُنَبِّهٍ» بضمِّ الميم وفتح النُّون وتشديد المُوحَّدة المكسورة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ) ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: ((قال النَّبيُّ)) (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: غَزَا) أي: أراد (نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ) أن يغزوَ، وعند الحاكم في «مُستدرَكه» من طريق كعب الأحبار: «أنَّ هذا النَّبيَّ هو يوشعُ بن نونٍ، وكان الله تعالى قد نبَّأه بعد موسى عليه السلام وأمره بقتال الجبَّارين» (فَقَالَ لِقَوْمِهِ) بني إسرائيل: (لَا يَتْبَعنِي) بالجزم على النَّهي، ويجوز الرَّفع على النَّفي (رَجُلٌ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ) بضمِّ المُوحَّدة وسكون المُعجَمة أي: عقد نكاح امرأةٍ (وَهْوَ) أي: والحال أنَّه (يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا) أي: يدخل عليها وتُزَفُّ إليه (وَلَمَّا يَبْنِ بِهَا) أي: والحال أنَّه لم يدخل عليها، لتعلُّق قلبه غالبًا بها، فيشتغل عمَّا هو عليه من الطَّاعة، وربَّما ضعف فعل جوارحه، بخلاف ذلك بعد الدُّخول (وَلَا) يتبعني (أَحَدٌ بَنَى بُيُوتًا) بالجمع (وَلَمْ يَرْفَعْ سُقُوفَهَا، وَلَا أَحَدٌ) ولابن عساكر وأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: ((ولا آخر)) بالخاء المُعجَمة والرَّاء (اشْتَرَى غَنَمًا) أي: حوامل (أَوْ خَلِفَاتٍ) بفتح الخاء المُعجَمة وكسر اللَّام بعدها فاءٌ [1] مُخفَّفةٌ، جمع خَلِفةٍ، وهي الحامل من النُّوق، وقد تُطلَق على غير النُّوق (وَهْوَ) أي: والحال أنَّه (يَنْتَظِرُ وِلَادَهَا) بكسر الواو وبعد الدَّال هاءٌ، مصدر: وَلَدَ يَلِد وِلَادًا وولادةً، و«أو» في قوله: «غنمًا أو خَلِفاتٍ» للتَّنويع، ويكون قد حذف وصف الغنم بالحمل، لدلالة الثَّاني عليه، ويؤيِّد [2] كونها للتَّنويع رواية أبي يَعلى عن محمَّد بن العلاء: «ولا رجل له غنمٌ أو بقرٌ أو خَلِفاتٌ» ويحتمل أن تكون للشَّكِّ أي: هل قال: «غنمًا» بغير صفةٍ، أو «خلفاتٍ» أي: بصفة أنَّها حوامل؟ والمراد: ألَّا تتعلَّق قلوبهم بإنجاز ما تركوه مُعوِّقًا.
(فَغَزَا) يوشع بمن تبعه من بني إسرائيل ممَّن لم يتَّصف بتلك الصِّفة (فَدَنَا مِنَ الْقَرْيَةِ) هي أَرِيْحا بهمزةٍ مفتوحةٍ فراءٍ مكسورةٍ فتحتيَّةٍ ساكنةٍ فحاءٍ مُهمَلةٍ مقصورًا (صَلَاةَ الْعَصْرِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ) وعند الحاكم من روايته عن كعبٍ: «وقت عصر يوم الجمعة، فكادت الشَّمس أن تغرب ويدخل اللَّيل»، وعند ابن إسحاق: «فتوجَّه ببني إسرائيل إلى أريحا فأحاط [3] بها ستَّة أشهرٍ، فلمَّا كان السَّابع نفخوا في القرون، فسقط سور المدينة، فدخلوها وقتلوا الجبَّارين، وكان القتال يوم الجمعة فبقيت منهم بقيَّةٌ، وكادت الشَّمس تغرب وتدخل ليلة السَّبت، فخاف يوشع عليه السلام أن يعجزوا لأنَّه لا يحلُّ لهم قتالهم فيه» (فَقَالَ لِلشَّمْسِ: إِنَّكِ مَأْمُورَةٌ) أمرَ تسخيرٍ بالغروب (وَأَنَا مَأْمُورٌ) أمرَ تكليفٍ بالصَّلاة، أو القتال قبل غروبك، وهل مُخاطَبته للشَّمس حقيقةً وأنَّ الله تعالى خلق فيها تمييزًا وإدراكًا؟ يأتي ذلك _إن شاء الله تعالى_ في «الفتن» [خ¦3199] في سجودها تحت العرش واستئذانها من حيث تطلع (اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيْنَا) حتَّى نفرغ من قتالهم (فَحُبِسَتْ) بضمِّ الحاء وكسر المُوحَّدة أي: رُدَّت على أدراجها، أو وقفت أو بطُؤت حركتها (حَتَّى فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: ((عليهم)) (فَجَمَعَ) يوشع (الْغَنَائِمَ) زاد في رواية سعيد بن المُسيَّب عن أبي هريرة عند النَّسائيِّ وابن حبَّان: «وكانوا إذا غنموا غنيمةً بعث الله عليها النَّار فتأكلها» (فَجَاءَتْ _ يَعْنِي: النَّارَ _ لِتَأْكُلَهَا، فَلَمْ تَطْعَمْهَا) بفتح أوَّله وثالثه أي: لم تَذُقْ طعمَها، وهو على طريق المبالغة؛ إذ كان الأصل أن يُقال:
ج5ص206
فلم تأكلها، وكان المجيء علامةً للقبول [4] وعدم الغلول (فَقَالَ) يوشع عليه السلام: (إِنَّ فِيكُمْ غُلُولًا) أي: سرقةً من الغنيمة (فَلْيُبَايِعْنِي مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ) أي: فبايعوه (فَلَزِقَتْ يَدُ رَجُلٍ بِيَدِهِ) بكسر الزَّاي (فَقَالَ) يوشع: (فِيكُمُ الْغُلُولُ، فَلْيُبَايِعْنِي) بالتَّحتيَّة بعد اللَّام، ولأبي ذرٍّ: ((فلتبايعني)) بالفوقيَّة (قَبِيلَتُكَ) أي: فبايَعْته (فَلَزِقَتْ يَدُ رَجُلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ بِيَدِهِ) وفي رواية ابن المُسيَّب: «رجلين» بالجزم (فَقَالَ) يوشع: (فِيكُمُ الْغُلُولُ، فَجَاؤُوا بِرَأْسٍ مِثْلِ رَأْسِ بَقَرَةٍ) ولابن عساكر: ((البقرة)) بالتَّعريف (مِنَ الذَّهَبِ فَوَضَعُوهَا، فَجَاءَتِ النَّارُ فَأَكَلَتْهَا) قال ابن المُنيِّر: جعل الله علامة الغلول إلزاق يد الغالِّ، وأَلْهم ذلك يوشع فدعاهم للمبايعة حتَّى تقوم له العلامة المذكورة، وكذلك يوفِّق الله تعالى خواصَّ هذه الأمَّة من العلماء لمثل هذا الاستدلال. فقد رُوِي في الحكايات المُسنَدة عن الثِّقات: أنَّه كان بالمدينة محمَّةٌ يُغسَّل [5] فيها النِّساء، وأنه جيء إليها بامرأةٍ، فبينما هي تُغسَّل [6] إذ وقفت [7] عليها امرأةٌ، فقالت: إنَّك زانيةٌ، وضربت يدها على عجيزة المرأة الميتة، فأُلزقت يدها، فحاولت وحاول النِّساء نزع يدها، فلم يمكن ذلك، فرُفِعت إلى والي المدينة، فاستشار الفقهاء، فقال قائلٌ بقطع [8] يدها، وقال آخر: بقطع بضعةٍ من الميتة، لأنَّ حرمة الحيِّ آكدُ، فقال الوالي: لا أبرم أمرًا حتَّى أؤامر أبا عبد الله، فبعث إلى مالكٍ _رحمه الله_ فقال: لا يُقطَع [9] من هذه ولا من هذه، ما أرى هذه [10] إلا امرأةً تطلب حقَّها من الحدِّ، فحدُّوا هذه القاذفة، فضربها تسعةً وسبعين سوطًا ويدها ملتصقةٌ، فلمَّا ضربها تكملة الثَّمانين انحلَّت يدها، فإمَّا أن يكون مالكٌ رحمه الله اطَّلع على هذا الحديث فاستعمله بنور التَّوفيق في مكانه، وإمَّا أن يكون وُفِّق فوافق، وقد كان إلزاق يد الغالِّ بيد يوشع تنبيهًا على أنَّها يدٌ عليها حقٌّ يطلب أن يتخلَّص [11] منه، أو دليلًا على أنَّها يدٌ ينبغي أن يُضرَب عليها ويُحبَس صاحبها حتَّى يؤدِّيَ الحقَّ إلى الإمام، وهو من جنس شهادة اليد على صاحبها يوم القيامة.
واستُنبِط من هذا الحديث: أنَّ أحكام الأنبياء قد تكون بحسب الأمر [12] الباطن [13].
(ثُمَّ أَحَلَّ اللهُ لَنَا الْغَنَائِمَ) خصوصيَّةً لنا، وكان ابتداء ذلك من غزوة بدرٍ (رَأَى) سبحانه وتعالى (ضَعْفَنَا وَعَجْزَنَا فَأَحَلَّهَا لَنَا) رحمةً بنا لشرف نبيِّنا عليه الصلاة والسلام، ولم تحلَّ [14] لغيرنا لئلَّا يكون قتالهم لأجل الغنيمة، لقصورهم في الإخلاص بخلاف هذه الأمَّة المحمَّديَّة فإنَّ الإخلاص فيهم غالبًا _جعلنا الله من المخلِصين بمنِّه وكرمه_ وفي التَّعبير بـ «لنا» تعظيمٌ؛ حيث أدخل عليه الصلاة والسلام نفسه الكريمة معنا، وفي قوله: «إنَّ الله رأى عجزنا وضعفنا» إشارةٌ إلى أنَّ الفضيلة عند الله تعالى هي إظهار العجز والضَّعف بين يديه تعالى.
وهذا الحديث [15] أخرجه أيضًا في «النِّكاح» [خ¦5157]، ومسلم في «المغازي».
ج5ص207


[1] «فاءٌ»: ليس في (ص).
[2] في غير (د) و(س): «ويؤكِّد».
[3] في (د): «فأحطَّ».
[4] في (ب): «القبول».
[5] في (م): «يغتسل».
[6] في (م): «تغتسل».
[7] في (م) «وقعت».
[8] في (د): «تقطع»، وفي (م): «نقطع»، وكذا في الموضع اللَّاحق.
[9] في (ب) و(س): «تُقطَع».
[10] في (د): «هذا».
[11] في (د): «تطلب أن تخلص».
[12] زيد في (ص): «إلى».
[13] قوله: «واستُنبِط من هذا...الباطن » جاء في (د) و(م) قبل عند قوله: «يُضرَب عليها»، ولعلَّه اضطرابٌ.
[14] في غير (د) و(م): «يُحِلَّها».
[15] «الحديث»: ليس في (س).