إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: جاءت فاطمة ابنة أبي حبيش إلى النبي

228- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) غير منسوبٍ، ولأبي الوقت وابن عساكر: ((يعني: ابن سلامٍ))، وللأَصيليِّ: ((حدَّثنا محمَّد بن سلامٍ))، ولأبي ذَرٍّ: ((محمَّد هو ابن سلامٍ)) وهو بتخفيف اللَّام، البيكنديُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا) ولابن عساكر: ((أخبرنا)) (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازمٍ _بمُعجَمتين_ الضَّرير قال: (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ أَبِيهِ) عروة (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها أنَّها [1] (قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ ابْنَةُ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: ((بنت)) (أَبِي حُبَيْشٍ) بضمِّ الحاء المُهمَلة وفتح المُوَحَّدة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة آخره شينٌ مُعجَمةٌ، قيس بن المطَّلب، وهي قرشيَّةٌ أسديَّةٌ (إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ) بضمِّ الهمزة وفتح المُثنَّاة الفوقيَّة [2]، أي: يستمرُّ بي الدَّم بعد أيَّامي المُعتادة؛ إذِ الاستحاضة جريان الدَّم من فرج المرأة في غير أوانه (فَلَا أَطْهُرُ) لدوامه، والسِّين
ج1ص295
في «أُسْتَحاض» للتَّحوُّل [3] لأنَّ دم الحيض تحوَّل إلى غير دمه، وهو دم الاستحاضة كما في: استحجر الطِّين، وبُنِي الفعل فيه للمفعول [4]، فقيل: استُحيضت المرأة بخلاف الحيض، فيقال فيه: حاضت المرأة لأنَّ دم الحيض لمَّا كان معتادًا معروف الوقت نُسِب إليها، والآخر لمَّا كان نادرًا مجهول الوقت، وكان منسوبًا إلى الشَّيطان كما في الحديث: «أنَّها ركضةٌ من [5] الشيطان» بُنِي للمفعول، وتأكيدها بـ «أنَّ» لتحقيق القضيَّة [6] لندور وقوعها، لا [7] لأنَّ [8] النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم متردِّدٌ أو منكرٌ (أَفَأَدَعُ) أي: أترك، والعطف على مُقدَّرٍ بعد الهمزة؛ لأنَّ لها صدر الكلام، أي: أيكون لي حكم الحائض فأترك (الصَّلَاةَ؟) أو أنَّ الاستفهام ليس باقيًا، بل للتَّقرير، فزالت صدريَّتها (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم: لَا) تدعي الصَّلاة (إِنَّمَا ذَلِكِ) بكسر الكاف (عِرْقٌ) أي: دم عرقٍ؛ وهو بكسر العين ويُسمَّى: العاذل؛ بالعين المُهمَلة والذَّال المُعجَمَة المكسورة (وَلَيْسَ بِحَيْضٍ) لأنَّه يخرج من قعر الرَّحم (فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ) بفتح الحاء: المرَّة، وبالكسر: اسمٌ للدَّم، والخرقة التي تستثفر [9] بها المرأة والحالة، أو [10] الفتح خطأٌ، والصَّواب: الكسر؛ لأنَّ المُراد بها: الحالة، قاله الخطَّابيُّ، وردَّه القاضي عياضٌ وغيره، بل قالوا: الأظهر الفتح؛ لأنَّ المُراد: إذا أقبل الحيض، وهو الذي في فرع «اليونينيَّة» (فَدَعِي الصَّلَاةَ) أي: اتركيها (وَإِذَا أَدْبَرَتْ) أي: انقطعت (فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ) أي: واغتسلي لانقطاع الحيض، وهذا مُستَفادٌ من أدلَّةٍ أخرى تأتي _إن شاء الله تعالى_ ومفهومه: أنَّها كانت تميِّز بين الحيض والاستحاضة فلذلك وكَّل الأمر إليها في معرفة ذلك (ثُمَّ صَلِّي) أوَّل صلاةٍ تدركينها، وقال مالكٌ في رواية [11]: تستظهر بالإمساك عن الصَّلاة ونحوها ثلاثة أيَّامٍ على عادتها.
(قَالَ) هشامٌ بالإسناد المذكور، عن محمَّدٍ عن أبي معاوية عن هشامٍ: (وَقَالَ أَبِي [12] ) عروة ابن الزُّبير: (ثُمَّ تَوَضَّئِي) بصيغة الأمر (لِكُلِّ صَلَاةٍ حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الْوَقْتُ) أي: وقت إقبال الحيض، وكاف ((ذلكِ)) مكسورةٌ كما في فرع «اليونينيَّة»، وصُحِّح عليه.
وبقيَّة مباحث الحديث تأتي في «كتاب الحيض» [خ¦306] _إن شاء الله تعالى_ وتفاصيل حكمه مستوفاةٌ في كتب الفقه أُشير لشيءٍ منها في محلِّه إن شاء الله تعالى بعون الله، ورواة هذا الحديث ستَّةٌ، وفيه: الإخبار والتَّحديث والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ في «الطَّهارة»، وكذا التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وأبو داود.
ج1ص296


[1] «أنَّها»: مثبتٌ من (م).
[2] «الفوقيَّة»: مثبتٌ من (م).
[3] في (م): «للتَّحويل».
[4] في (ص): «للمجهول».
[5] «من»: مثبتٌ من (م).
[6] في (م): «القصَّة».
[7] «لا»: سقط من (د).
[8] في (ص): «أنَّ».
[9] في (ص) و(م): «تستشفر»، وهو تحريفٌ.
[10] في (ص): «إذ».
[11] «في روايةٍ»: سقط من (م).
[12] في (ص): «لي».