إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

باب ما جاء في الوضوء

(1) هذا (باب مَا جَاءَ) من اختلاف العلماء (فِي) معنى (قَوْلِ اللهِ تَعَالَى:) {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [1] ({إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ}) أي: مع المرافق، ودلَّ على دخولها في الغَسل الإجماع، كما استدلَّ به الشَّافعيُّ في «الأمِّ»، وفعله صلى الله عليه وسلم فيما روى [2] مسلمٌ: أنَّ أبا هريرة توضَّأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء، ثمَّ غسل يده اليمنى حتَّى أشرع في العضد، ثمَّ اليُسْرى حتَّى أشرع في العضد...؛ الحديثَ، وفيه: ثمَّ قال: «هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضَّأ»، فثبت غَسله عليه الصلاة والسلام لها، وفعله بيانٌ للوضوء المأمور به، ولم يُنقَل تركُه ذلك، ودلَّ عليه الآية أيضًا بجعل اليد _التي هي حقيقةً إلى المنكب، وقِيلَ: إلى الكوع مجازًا_ إلى المرافق [3]، مع جعل «إلى» للغاية الدَّاخلة هنا في المُغَيَّا، أو للمعيَّة كما في: {مَنْ [4] أَنْصَارِي إِلَى اللهِ} [الصف: 14] أو بجعل اليد باقيةً على حقيقتها إلى المنكب مع جعل {إِلَى} غايةً للغسل، أو للتَّرك المُقدَّر، كما قال بكلٍّ منهما جماعةٌ، فعلى الأوَّل منهما: تدخل الغاية، لا لكونها إذا كانت من جنس ما قبلها تدخل، كما قِيلَ لعدم اطِّراده كما قال التَّفتازانيُّ وغيره، فإنَّها قد تدخل كما في نحو: قرأت القرآن إلى آخره، وقد لا تدخل كما في نحو: قرأت القرآن إلى سورة كذا، بل لقرينتي الإجماع [5] والاحتياط للعبادة، قال المتولِّي: بناءً على أنَّها حقيقةٌ إلى المنكب لو اقتصر على قوله: {وَأَيْدِيكُمْ} لوجب غسل الجميع، فلمَّا قال: {إِلَى الْمَرَافِقِ} أخرج البعض عن الوجوب، فما تحقَّقنا خروجه تركناه، وما شَكَكْنا فيه أوجبناه احتياطًا للعبادة. انتهى. والمعنى: اغسلوا أيديكم من رؤوس أصابعها إلى المرافق [6]، وعلى الثَّاني: تخرج الغاية [7]، والمعنى: اغسلوا أيديكم واتركوا منها [8] إلى المرافق ({وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ}) بالجرِّ، وللأَصيليِّ: بالنَّصب ({إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6] ) هل فيه تقديرٌ، أوِ الأمر على ظاهره وعمومه؟ فقال بالأوَّل الأكثرون، فإنَّه مُطلَقٌ أُرِيد به التَّقييد، والمعنى: إذا أردتمُ القيام إلى الصَّلاة وأنتم [9] مُحْدِثِينَ، وقال الآخرون: بل الأمر على عمومه من غير تقديرِ حذفٍ، إلَّا أنَّه في حقِّ المُحْدِثِ واجبٌ، وفي حقِّ غيره مندوبٌ، وقِيلَ: كان ذلك في أوَّل الأمر، ثمَّ نُسِخَ فصار مندوبًا، واستدلُّوا له بحديث عبد الله بن حنظلة الأنصاريِّ: «أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر [10] بالوضوء لكلِّ صلاةٍ طاهرًا كان أو غير طاهرٍ، فلمَّا شقَّ عليه، وُضِعَ عنه الوضوء إلَّا من حَدَثٍ» رواه أبو داود، وهو ضعيفٌ لقوله عليه الصلاة والسلام: «المائدة من آخر القرآن نزولًا، فأَحِلُّوا حلالها، وحرِّموا حرامها».
وافتتح المؤلف رحمه الله الباب بهذه الآية للتَّبرُّك، أو لأصالتها في استنباط مسائله وإن كان حقُّ الدَّليل أن يُؤخَّر عنِ المدلول لأنَّ الأصل في الدَّعوى تقديم المُدَّعى، وعبَّر عن إرادة الفعل في قوله: {إِذَا قُمْتُمْ} بالفعل المُسَبَّب عنها للإيجاز، والتَّنبيه على أنَّ من أراد العبادة ينبغي له أن يبادر إليها بحيث لا ينفكُّ الفعل عن الإرادة، واختُلِف في موجب الوضوء؛ فصُحِّح في «التَّحقيق» و«المجموع» و«شرح مسلمٍ»: الحدث والقيام إلى الصَّلاة معًا، وبعضهم: القيامُ إلى الصَّلاة، ويدلُّ له حديث ابن عبَّاسٍ عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّما أُمِرْتُ بالوضوء إذا قمتُ إلى الصَّلاة» رواه أصحاب «السُّنن»، وقال الشَّيخ أبو عليٍّ: الحدث وجوبًا موسعًا، وعليه يتمشَّى نيَّة الفرضيَّة قبل الوقت، ويجوز أن يُقَال ما يعني بها لزوم [11] الإتيان، ولهذا يصحُّ من الصَّبيِّ، بلِ المعنى: إقامة طهارة الحدث المشروطة للصَّلاة، وشروط الشَّيء تُسمَّى فروضُه، وهلِ الحدث يحلُّ جميع البدن كالجنابة حتَّى يمنع من مسِّ المصحف بظهره وبطنه، أو يختصُّ [12] بالأعضاء الأربعة؟ خلافٌ، والأصحُّ: الثَّاني، ووقع في رواية الأَصيليِّ: ((ما جاء في قول الله)) دون ما قبله، وفي فرع «اليونينيَّة» كأصلها: ((ما جاء في الوضوء،
ج1ص225
وقال الله عزَّ وجلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [المائدة: 6] إلى {الكَعْبَينِ})) [المائدة: 6] ولكريمة: ((بابٌ في الوضوء، وقول الله...)) إلى آخره. وفي نسخةٍ: صُدِّر بها في فرع «اليونينيَّة» [13] عقب البسملة: ((كتاب الطَّهارة. باب: ما جاء في الوضوء))، وهو [14] أنسب من السَّابق لأنَّ الطَّهارة أعمُّ من الوضوء، والكتاب الذي يُذكَر فيه نوعٌ من الأنواع ينبغي أن يُترجَم بنوعٍ عامٍّ حتَّى يشمل جميع ذلك، ولا بدَّ من التَّقييد بالماء لأنَّ الطَّهارة تُطلَق على التُّراب، كما قال [15] الشَّافعيُّ، والطَّهارة: بالفتح مصدر «طَهر» بفتح الهاء وضمِّها، والفتح أفصح، «يطهَر» بالفتح فيهما، وهي لغةً: النَّظافة والخلوص من الأدناس، حسيَّةً كالأنجاس، أو معنويَّةً كالعيوب، يُقَال: تطهَّرت بالماء، وهم قومٌ يتطهَّرون، أي: يتنزَّهون عن العيب، وشرعًا _كما قال النَّوويُّ في «شرح المُهذَّب»_: رفع حدثٍ أو إزالة نجسٍ، أو ما في معناهما و [16] على صورتهما؛ كالتَّيمُّم، والأغسال [17] المسنونة، وتجديد الوضوء، والغسلة الثَّانية والثَّالثة، ومسح الأُذنين [18]، والمضمضة، ونحوها من نوافل الطَّهارة، وطهارة [19] المستحاضة وسلس البول.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) يعني: البخاريَّ ممَّا سيأتي موصولًا [خ¦157]: (وَبَيَّنَ) وفي رواية الأَصيليِّ ((قال: وبيَّن)) (النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم أَنَّ فَرْضَ الْوُضُوءِ) المُجمَل في الآية السَّابقة: غسلُ الأعضاء (مَرَّةً) للوجه، وَ(مَرَّةً) لليد إلى آخره، فالتَّكرار لإرادة التَّفصيل [20]، والنَّصب على أنَّه مفعولٌ مُطلَقٌ، أو على الحال السَّادَّةِ مسدَّ الخبر، أي: يفعل مرَّةً، وقال في «الفتح»: وهو في روايتنا بالرَّفع على الخبريَّة. انتهى. وهو أقرب الأوجه، والأوَّل هو الذي في فرع «اليونينيَّة» فقط (وَتَوَضَّأَ) صلى الله عليه وسلم (أَيْضًا) وضوءًا (مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ) كذا في رواية أبي ذَرٍّ [21]، ولغيره: ((مرَّتين)) بغير تكرارٍ (وَ) توضَّأ عليه الصلاة والسلام أيضًا (ثَلَاثًا) أي: ثلاث مَّراتٍ، وفي رواية الأَصيليِّ [22]: ((وثلاثًا ثلاثًا)) بالتَّكرار (وَلَمْ يَزِدْ) عليه الصلاة والسلام (عَلَى ثَلَاثٍ) أي: ثلاث مرَّاتٍ، بل ورد أنَّه ذمَّ من زاد عليها، كما في حديث عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه عند أبي داود وغيره بإسنادٍ جيِّدٍ: أنَّه [23] صلى الله عليه وسلم توضَّأ ثلاثًا ثلاثًا، ثمَّ قال: «من زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم» أي: ظلم بالزِّيادة أو [24] بإتلاف الماء، ووضعه في غير موضعه، وظاهره: الذَّمُّ بالنَّقص من [25] الثَّلاث، وهو مُشْكِلٌ، وأُجِيب: بأنَّ فيه حذفًا تقديره: من نقص من واحدةٍ فقد أساء، ويؤيِّده ما رواه نُعيم بن حمَّادٍ [26] مرفوعًا: «الوضوء مرَّةً ومرَّتين وثلاثًا، فمن نقص من واحدةٍ أو زاد على ثلاثٍ فقد أخطأ»، وهو مُرسَلٌ، ورجاله ثقاتٌ، وقال في «المجموع» عن الأصحاب وغيرهم: إنَّ المعنى زاد على الثَّلاث أو نقص منها، قال: واختلف أصحابنا في معنى: أساء وظلم، فقِيلَ [27]: أساء في النَّقص، وظلم في الزِّيادة، فإنَّ الظُّلم مُجاوَزَةُ الحدود ووضع الشَّيء في غير محلِّه، وقِيلَ: عكسُه لأنَّ الظُّلم يُستعمَل بمعنى النَّقص كقوله [28] تعالى: {آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا} [الكهف: 33] وقِيلَ: أساء وظلم فيهما، واختاره ابن الصَّلاح لأنَّه ظاهر الكلام. انتهى. وأُجِيب أيضًا: بأنَّ الرُّواة لم يتَّفقوا على ذكر النَّقص فيه، بل أكثرهم اقتصر على قوله: «فمن زاد» فقط كما رواه ابن خزيمة في «صحيحه» وغيره، بل عدَّ مسلمٌ قوله: «أو نقص» ممَّا أُنكِر على عمرو بن شعيبٍ، وإنَّما تحسب غَسلةً [29] إذا استوعب العضو، فلو شكَّ في العدد أثناء الوضوء فقِيلَ: يأخذ بالأكثر حذرًا من زيادة رابعةٍ [30]، والأصحُّ: بالأقلِّ كالرَّكعات، والشَّكُّ بعد الفراغ لا عبرة به على الأصحِّ لئلَّا يؤدِّيه الأمر إلى الوسوسة المذمومة، وفي رواية أبي ذَرٍّ وابن عساكر: ((على ثلاثةٍ)) بالهاء، والأصل عدمها، إذِ المعدود مُؤنَّثٌ، لكنَّه أوَّله بأشياء، وفي أخرى: ((على الثَّلاث)) (وَكَرِهَ أَهْلُ الْعِلْمِ) المجتهدون (الإِسْرَافَ فِيهِ) كراهة تنزيهٍ، وهذا هو الأصحُّ من مذهبنا، وعبارة إمامنا الشَّافعيِّ في «الأمِّ»: لا أحبُّ أن يزيد المتوضِّئ على ثلاثٍ، فإن زاد لم أكرهه، أي: لم أحرمه لأنَّ قوله: «لا أحبُّ» يقتضي الكراهة، وقال أحمد وإسحاق وغيرهما: لا تجوز الزِّيادة على الثَّلاث، وقال ابن المُبارَك: لا آمن أن يأثم، ثمَّ عطف المؤلِّف على السَّابق لتفسيره قوله: (وَأَنْ يُجَاوِزُوا) أي: أهل العلم (فِعْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) فليس المُرَاد بالإسراف إلَّا المُجاوَزَة عن فعله صلى الله عليه وسلم الثَّلاث، وفي «مُصنَّف ابن أبي شيبة» عن ابن مسعودٍ قال: ليس بعد الثَّلاث شيءٌ، وفي الفرع كأصله تصحيحٌ على واو ((وأنْ)) من غير رقم [31].


[1] «{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}»: ليس في غير (ب) و(س).
[2] في (ب) و(س): «رواه».
[3] في (س): «المرفق».
[4] «مَنْ»: ليست في (ب).
[5] في (م): «الاجتماع».
[6] في (ص): «المرفق».
[7] قوله: «والمعنى: اغسلوا أيديكم من رؤوس... الثَّاني: تخرج الغاية» سقط من (د).
[8] «منها»: سقط من (د).
[9] «وأنتم»: مثبتٌ من (م).
[10] في (ب) و(س): «أمره».
[11] في (ص): «لزم».
[12] في (ب) و(س): «مختص».
[13] قوله: «صُدِّر بها في فرع اليونينيَّة» سقط من (م).
[14] في (م): «هي».
[15] في (ب) و(س): «قاله».
[16] في (ب) و(س): «أو».
[17] في غير (د): «الاغتسالات».
[18] في (ص) و(م): «الأذن».
[19] «طهارة»: سقط من (د).
[20] في (ص) و(م): «التَّفضيل»، وهو تصحيفٌ.
[21] زيد في (م): «وأبي الوقت والأصيليِّ»، وهو موافقٌ لما في «اليونينيَّة»، والمثبت من سائر النُّسخ موافقٌ لما في «عمدة القاري» (2/218)، و«فتح الباري» (1/281).
[22] «الأصيليِّ»: سقط من (ص) و(م).
[23] في (د): «بأنَّه».
[24] «أو»: مثبتٌ من (ص).
[25] في (ب) و(س): «عن».
[26] زيد في (م): «من طريق المطَّلب بن حنظلة»، وفيه تحريفٌ.
[27] في (ص): «فقال».
[28] في (ب) و(س): «لقوله».
[29] في (ص): «يجب غسله»، وهو تحريفٌ.
[30] في (ص): «الزيادة».
[31] قوله: «وفي الفرع كـأصله تصحيحٌ على واو وأنْ من غير رقم» مثبتٌ من (م).
@%ج1ص226